الثورة /قضايا وناس
في مشهدين مؤلمين، تجلّت فيهما أبشع صور الغياب الإنساني، هزّت جريمتان بشعتان محافظتَي صنعاء وإب خلال الأيام الماضية، حملت كل منهما في طياتها دافعاً مختلفاً لكنهما اجتمعا على انتهاك حرمة الدم وإزهاق الأرواح بدم بارد.
في مديرية السياني بمحافظة إب، كان الدافع “الشعوذة” ذريعة وحيدة لتتحول العصي إلى أداة قتل، بينما في بني الحارث بأمانة العاصمة، قاد “الجشع” والرغبة في السرقة، اثنين من المجرمين إلى تعذيب زوجين مسنّين وقتلهما، في جريمة هزّت ضمير المجتمع اليمني.
في السياني.. الخرافة تغتال الضحية
لم تكن جريمة القتل التي وقعت في مديرية السياني مجرد جريمة اعتياديه بل حملت في طياتها دافعاً يعكس عمق الانحطاط الفكري الذي يمكن أن يصل إليه البعض تحت وطأة الخرافات والجهل، فقد تمكن أمن مديرية السياني من إلقاء القبض على المتهم الرئيسي أحمد محمد النجار (40 عاماً)، وزوجته بدور علي أحمد ناجي وابنة أخته، بعد أن اعتدوا بالضرب المبرح باستخدام العصي على المجني عليه محمد محمد النجار (35 عاماً)، حتى فارق الحياة.
وكشفت التحقيقات الأولية أن الجريمة وقعت على إثر خلاف بين المتهمين والمجني عليه، بعد اتهامهم له بممارسة “الشعوذة”.
لم ينتظروا تحقيقاً، ولا بينة، ولا حكماً من عاقل، بل سارعوا إلى تطبيق عقابهم الخاص، واضعين بأيديهم حكماً بالإعدام دون محاكمة.
لقد غابت في تلك اللحظة كل القيم الإنسانية والأخلاقية، وتلاشت روح التسامح والعقلانية، ليحل محلها منطق الغاب والانتقام باسم وهمٍ لا أساس له من الصحة.
في بني الحارث.. الجشع يتفوق على الرحمة
وفي جريمة لا تقل بشاعة، هزّت منطقة بني الحارث بأمانة العاصمة، جريمة قتل وسرقة وتعذيب راح ضحيتها الزوجان يحيى أحمد الحياسي وزوجته سيدة حسين الحياسي، في 9 يونيو 2026م.
لم تكن الجريمة مجرد سرقة، بل سبقها تعذيب وحشي للزوجين، وكأن المجرمين أرادوا أن يمتصوا كل قطرة ألم من ضحاياهم قبل أن يرتقوا إلى بارئهم.
وتمكنت الأجهزة الأمنية من إلقاء القبض على المتهمين؛ سالم محمد ماطري، وسليم محمد الضاوي، بعد جهود أمنية مكثفة بالتنسيق مع استخبارات الشرطة ومباحث العاصمة وأمن الحديدة.
وقد أقرّ المتهم الثاني، سليم الضاوي، أثناء التحقيقات الأولية بمشاركته مع المتهم الأول في ارتكاب هذه الجريمة النكراء، التي جمعت بين الجشع والوحشية، حيث لم يكتفيا بسرقة الزوجين، بل تعدّيا عليهما بالتعذيب قبل القتل، وكأن الحياة عند هذين المجرمين لا تساوي شيئاً أمام رغباتهما المادية الدنيئة.
حين يتشابه الدافعان في غياب الإنسانية
ربما يبدو الدافع مختلفاً بين الجريمتين؛ ففي السياني كان الباعث خرافةً لا تمت للعقل بصلة، وفي بني الحارث كان الجشع والرغبة في المال، لكنهما في العمق يتشابهان في شيء واحد: غياب الإنسانية، وتجريد الضحية من أي اعتبار، والتعامل مع الأرواح وكأنها مجرد أرقام أو عوائق في طريق تحقيق رغبات آنية.
هذه الجرائم، وغيرها، تدق ناقوس الخطر مجدداً، وتؤكد أن المجتمع اليمني بحاجة ماسة إلى تعزيز ثقافة التسامح، وترسيخ مبدأ سيادة القانون، ونبذ الخرافات والجهل بكل أشكاله، والعمل على نشر الوعي بأن الدماء ليست سلعة، وأن الحياة أقدس من أن تزهق تحت وطأة وهم أو نزوة.
