ثروات مهدرة وشعب جائع..فضيحة فساد نفطي مدوية تعرِّي المستور في قطاع النفط اليمني وتصدم الرأي العام

كشفت وثائق مسربة من شركة النفط النمساوية OMV، نمطًا صارخًا من الإنفاق الفاحش والامتيازات الخيالية لموظفين في القطاع النفطي، بينما يبرر المرتزق العليمي غياب المرتبات بـ”شحّ الموارد المالية”.

في بلدٍ يتصدر قائمة أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يصارع أكثر من اثنين وعشرين مليونًا من اليمنيين شبح المجاعة والأوبئة وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وفي ظل خطابات متكررة من ما يسمى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي المعين من الرياض، يبرر فيها توقف صرف المرتبات للموظفين وغياب المعالجات الجذرية لأزمات المواطنين بـ”انقطاع تصدير النفط وشح الموارد المالية”، فجرت وثائق مسربة من داخل شركة النفط النمساوية (OMV ) العاملة في اليمن وتحديدا في مناطق سيطرة المرتزقة، فضيحة مالية مدوية من العيار الثقيل، كشفت عن حجم العبث والهدر المالي غير المسبوق في القطاع النفطي اليمني، واستنزاف ثروات البلاد بأسلوب يرقى إلى مستوى الجريمة الوطنية بحق شعبٍ يحتضر.

الثورة / مصطفى المنتصر

وكشفت تقارير إعلامية حزمة من الوثائق والملفات الداخلية المسربة من شركة OMV، تضمنت سندات صرف مالية وفواتير تفصيلية وسجلات محاسبية وقيودًا حسابية، تكشف عن نمط صارخ وممنهج من الإنفاق الفاحش والامتيازات الخيالية التي يتمتع بها موظفون في القطاع النفطي، يعيشون في بذخ مفرط بينما يقبع ملايين اليمنيين تحت خط الفقر المدقع.

وتلقي هذه الوثائق الضوء على حالة من الفساد المالي المنظم الذي ينخر في جسد القطاع النفطي اليمني منذ سنوات طويلة، مُشكلةً فضيحة حقيقية تسائل كل المعنيين، من شركات نفطية عاملة إلى حكومات مُتعاقبة باعت نفسها للخارج وأهملت شعبها.

موظف ينفق كالملوك على حساب جوع الشعب

تتمحور فضيحة الوثائق المسربة حول موظف الحسابات في شركة OMV المسمى “ع س ا”، الذي كشفت السجلات الداخلية للشركة عن إنفاقه مبالغ فلكية وخيالية على سفرياته وإقاماته الفندقية الفاخرة بالخارج، بشكل أثار سخطًا شعبيًا واسعًا ضد ما يصفه المواطنون اليمنيون بـ”أباطرة النفط” الذين يبتلعون ثروات البلاد بينما يحرم الشعب من أبسط حقوقه.

وتكشف حزمة الوثائق والملفات المسربة بالتفصيل المذهل، عن رحلة عمل مطولة قضاها الموظف “ع س ا”، في العاصمة المصرية القاهرة خلال شهر نوفمبر من العام 2024م، حيث بلغت قيمة “سند استرداد المصاريف” المعتمد له عن هذا الشهر وحده نحو 8,226.02 دولار أمريكي، وهو مبلغ يعادل رواتب عشرات المعلمين والأطباء اليمنيين الذين ينتظرون مرتباتهم المتأخرة منذ أشهر طويلة.

تفاصيل المصاريف الفلكية.. إقامة فاخرة وبدل سفر سخي ومواصلات باهظة

توزع المبلغ المعتمد للموظف “ع س ا”، في سند الصرف الواحد بين ثلاثة بنود تكشف عن مستوى من البذخ لا يمكن بأي حال من الأحوال تبريره أو تقبله في بلد يعاني من أزمة اقتصادية خانقة:

البند الأول وهو بدل الإقامة الفندقية الذي بلغ 4,380 دولاراً أمريكياً، والبند الثانياً وهو بدل السفر اليومي الذي بلغ 1,846.02 دولار أمريكي، والبند الثالث وهو مبلغ 2,000 دولار أمريكي مخصّصة لتغطية تكاليف المواصلات والنقل داخل القاهرة فقط، ليصل الإجمالي إلى ذلك المبلغ الصاعق الذي يكفي لتمويل مشاريع تنموية صغيرة في قرى يمنية منسية.

كما تظهر وثيقة “سجل البدل اليومي” في ملف آخر اعتماد مبالغ يومية ثابتة لتغطية نفقاته الشخصية الباهظة دون أدنى مراعاة للظروف المعيشية القاسية التي يمر بها المواطنون في الداخل، وكأن هذا الموظف يعيش في كوكب آخر غير الكوكب الذي يحتضر فيه شعبه من الجوع والحرمان.

فندق خمس نجوم.. رفاهية على حساب بترودولارات السيادة

ولم يتوقف البذخ عند هذا الحد المقزز، إذ تبين الفواتير التفصيلية الصادرة عن فندق “إنتركونتيننتال سيتي ستارز” ذي الخمس نجوم في القاهرة، والموثقة أصلًا في الملفات المسربة، حجم الرفاهية المذهلة التي عاشها الموظف على حساب ثروات السيادة اليمنية ، وتكررت عمليات الدفع الكبيرة بالعملة المحلية المصرية عبر بطاقات الائتمان بمبالغ وصلت في بعض السندات إلى 50,000 جنيه مصري و57,000 جنيه مصري و35,000 جنيه مصري دفعة واحدة لتمويل إقامته المترفة في أحد أفخم الفنادق بالقاهرة، بينما يقبع ملايين اليمنيين في خيام اللجوء أو تحت أشجار النخيل يبحثون عن لقمة عيش تبقيهم على قيد الحياة.

يُضاف إلى ذلك تحمل الشركة تكاليف تأمين السفر الدولي الشامل إلى وجهات أوروبية مثل النمسا بقيمة آلاف الدولارات، وكأن هذا الموظف البسيط يمثل رئيس دولة يحتاج إلى حراسة أمنية وسفر فاخر، لا موظف حسابات في شركة نفطية مفترض أن تكون أموالها أموال شعب معذب.

وتشمل الفواتير الجانبية المسربة أيضًا فواتير شحن خطوط الهواتف والاتصالات الشخصية بمبالغ باهظة ومكررة، وهي مصاريف لا تدخل حتى ضمن نطاق العمل الرسمي، مما يكشف عن ثقافة استنزاف مالي متجذرة ومستفحلة لا تفرق بين المال العام والمال الشخصي.

جذور متغلغلة.. الفساد المالي يمتد لعقود

تشير المستندات المسربة إلى أن جذور هذا العبث المالي بالشركة تمتد لسنوات طويلة سابقة، حيث يكشف أحد الملفات الداخلية عن قيود حسابية وسجلات قديمة تعود للعامين 2014م و2015م للموظف ذاته، تظهر قيودًا وصرفيات بلغت أكثر من 17,361,000 ريال يمني، وهو ما كان يعادل أكثر من 80,782 دولار أمريكي آنذاك، سجلت تحت بنود مبهمة تتضمن “قروض مخصومة” و”مصاريف متنوعة”، وهو التصنيف المحاسبي الذي يستخدمه الفاسدون عادةً لإخفاء عمليات الاستنزاف وتمريرها دون محاسبة أو رقابة.

حكومة المرتزقة.. شراكة فساد وتغطية مُتبادلة

إن ما تكشفه هذه الوثائق، لا يمكن فصله عن السياق السياسي والاقتصادي الأوسع الذي تدير فيه حكومة المرتزقة الموالية للسعودية شؤون المحافظات المحتلة حيث بات واضحًا أن هذه الحكومة لا تمثل أداة سياسية فحسب، بل تشكل أيضًا غطاءً مؤسسيًّا لشبكات الفساد التي تستنزف ثروات البلاد وتحولها إلى جيوب متنفذين ومقربين، فيما يبقى المواطن اليمني أسير معادلة بسيطة ومرعبة: لا مرتبات ولا خدمات ولا أمل.

إن ادعاءات قيادة المرتزقة في ما يسمى مجلس القيادة الرئاسي ممثلة بالمرتزق رشاد العليمي التي يبرر فيها غياب الرواتب والخدمات بشح الموارد المالية وانقطاع تصدير النفط، تبدو في ضوء هذه الوثائق المسربة أكاذيب منافقة ومضللة لا تمت للواقع بصلة، فكيف يعقل أن تتوقف رواتب معلمين وأطباء يمنيين بسبب “شح الموارد”، بينما يتنعم هوامير الفساد بشركة نفطية بإقامات فاخرة في أفخم الفنادق العالمية وسفر دولي مترف وبدل يومي يعادل رواتب عشرات الموظفين اليمنيين الذين ينتظرون صرف مرتباتهم بشهر رمضان أو عيد الأضحى؟ وهذا يسلط الضوء على جانب واحد فكيف بمرتزقة الاحتلال الذين ينفقون أضعاف هذه المبالغ ويقبعون في ختلف عواصم العالم ؟.

ردود فعل شعبية.. سخط واسع ومُطالبة بالمحاسبة

أثارت هذه الأرقام الصادمة والمستفزة ردود فعل غاضبة وسخطًا شعبيًا واسعًا في الشارع اليمني ولاسيما الجنوبي، حيث طالب المواطنون بفتح تحقيق موسع وعاجل في هذا الملف، مستنكرين في الوقت ذاته خطابات المرتزقة وحكومة الاحتلال التي تطالب المواطنين بالصبر والتحمل وتدعي خلو خزينة الدولة من الأموال المخصصة لرواتب المعلمين والأطباء وتطوير الخدمات الأساسية وتحمل أطراف أخرى مسؤولية انقطاع الرواتب .

وقال أحد المعلقين على وسائل التواصل الاجتماعي: “بينما أنتظر مرتب شهرين لأشتري الدواء لابني المريض، ينفق موظف نفطي ثمن شقتي السنوية على فندق واحد في القاهرة”، وأضاف آخر: “هذه هي حكومة المرتزقة الحقيقية، تبيع شعبها وتأكل ثرواته”.

فضيحة لن تسكت عنها ضمائر الأحرار

تكشف هذه الفضيحة المدوية عن وجه حقيقي وقبيح للمنظومة الفاسدة التي تدير ثروات اليمن النفطية، منظومة تتآلف فيها مصالح شركات النفط الأجنبية مع شبكات الفساد المحلية وتتغطى عليها حكومات محتالة وفاسدة لا تمثل أحدًا سوى من عينها ومن يمولها.

إن ثروات اليمن الطبيعية هي حق شعبٍ بأكمله، ولا يحق لأي موظف أو مسؤول أو شركة أن ينهبها أو يبذرها بينما يعاني الملايين من أبنائه أسوأ أشكال الحرمان والبؤس. والسؤال المطروح الآن ليس فقط عن مصير هذه الأموال المنهوبة، بل عن مصير حكومات ومؤسسات تعرف نفسها بخدمتها للشعب بينما هي في الحقيقة تخدم مصالحها ومصالح أسيادها الخارجيين.

 

قد يعجبك ايضا