ارفع رأسك لله بكل تواضع أيها اليمني، ولا تنحنِ أمام بيانات النفاق ولا أمام ضجيج العواصم، تلك التي تباع وتشترى، وتلك التي اعتادت أن تنظر إلى اليمن بوصفه حديقة خلفية لمشاريع عابثة وعبثية، لا وطنًا له شعب وهوية، تاريخ وسيادة وقرار.
ارفع رأسك، لا غرورًا ولا استعلاءً، ولكن اعتزازًا بهوية إيمانية وتاريخية صنعتها القرون، وأرضٍ كلما ظنّ الغزاة أنهم أحكموا قبضتهم عليها أو أقرب إلى وطأتها، خرجت لهم من بين الجبال إرادة لم تكن في الحسبان.
في هذه المرحلة السياسية المضطربة والمختلة، تتبدل التحالفات، وتتراجع قوى، وتصعد أخرى، وتُعقد الصفقات خلف الأبواب المغلقة، بينما يحاول كثيرون رسم مستقبل المنطقة من دون سؤال شعوبها.
لكن اليمن، برغم جراحه وحصاره وانقساماته المفتعلة بتأثير النفط والدعاية، ما يزال حاضرًا في قلب المعادلة؛ لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن اختزاله، ولا التعامل معه باعتباره هامشًا إنسانياً، ومطمعاً جغرافيًا تابعًا لمراكز النفوذ.
اليمن اليوم بفضل الله، ثم بفضل الثورة والمنهجية والقيادة، لم تعد خبرًا عابرًا في نشرات السياسة، أو رقمًا في تقارير المنظمات، ليست ورقةً تُرفع عند التفاوض ثم تُلقى بعد انتهاء الصفقة، اليمن تاريخٌ حي، وموقعٌ حاكم، وقيادة حكيمة شجاعة، وشعبٌ تعلّم من منهجية القرآن، كيف يحوّل الضعف الظاهر إلى قوة كامنة.
لقد ظنّ الجوار الأحمق الأرعن أن بساطة اليمني دليل عجز، وأن صبره استسلام، وأن فقره انكسار، لم يدركوا أن تحت هذه البساطة سرًّا عظيمًا؛ سرّ الإنسان الذي يستطيع بالتوكل على الله والثقة بوعده، أن يعيش بالقليل، ويقاوم بالكثير، ويحمل وطنه وأمته بين أضلاعه حين تضيق به وبها الأرض.
اليمني لا يحتاج إلى خزائن الدولار حتى يكون عزيزًا، ولا إلى بريق المنصات الإعلامية حتى يكون مؤثرًا، ولا إلى اعتراف قوى الاستكبار حتى يعرف قدر نفسه، يكفيه أنه مستمسك بالعروة الوثقى، وابن أرضٍ علّمت التاريخ معنى الحضارة، شيدت السدود، وبنت القصور، وفتحت طرق التجارة، وقدّمت للإنسانية نموذجًا في الصبر والعمل والارتباط بالأرض.
اليمن أكبر من المؤامرات التي تُحاك حوله، وأعمق من المشاريع التي تحاول تقسيمه، وأبقى من الوجوه التي تتاجر بآلامه.
قد تُرهق الحربُ أبناءه، وقد يشتد الحصار، وقد يفسد كثيرٌ من الساسة، فيتحولون إلى نخّاسين رخاصٍ في سوقٍ تتنافس فيه القوى الخارجية على الموانئ والجزر والممرات؛ لكن روح اليمن لا تُحتل.
فالأوطان لا تسقط حين يُباع حكامها وتُرتهن حكوماتها، وإنما تسقط حين يفقد أبناؤها الثقة بأنفسهم. أمّا اليمني، فمهما أثقلته المحن، لم يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي يقول له: هذا ربك حاضر، وهذه أرضك، وهذا تاريخك، وهذه كرامتك؛ فلا تُفرّط.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة سلاح وحدود فحسب، بل هي معركة وعيٍ وبصيرةٍ وإرادة، لقد أرادوا لليمني أن يشعر بأنه عاجز، وأن يقتنع بأن مستقبله يُكتب خارج بلاده، وأن خلاصه مرهون بإرادة الآخرين؛ لكنه انتفض في وجه العالم، مخيّبًا المطامع والظنون، ومثبتًا أن اليمن لا يُصاغ على موائد الغرباء اللئام، ولا يُنتزع قراره من أيدي أبنائه الكرام.
ارفع رأسك لله وحده في مواجهة أعداءك، واخفضه رحمةً لأهلك، كن قويًا في الحق، رحيمًا بأهلك، واعيًا بما يجري حولك، لا تحتقر بساطتك، ولا تسمح لأحد أن يقنعك بأنك أقل من غيرك، أنت ابن اليمن؛ ابن الجبل والبحر والصحراء والوادي، ابن الحضارة والإسلام، وربما يخبئ الله تحت ثيابك البسيطة هيبة أمة، وتحت صمتك كلمةً تغيّر المعادلات، وعلى جروح صبرك فجرًا يليق بالتضحيات.
