مزارعة.. وشيرين أبو عاقلة!

حمدي دوبلة

 

 

كان كثير التواصل مع الصحفية الفلسطينية الراحلة شيرين أبو عاقلة، فقد درسا سويا في كلية الإعلام والصحافة في إحدى الجامعات الأردنية قبل أن ينطلق كل منهما إلى بلاده ويخوض تجربته المهنية الخاصة في بلاط صاحبة الجلالة وكان يعتز كثيرا بتلك الزمالة ولطالما أخبرني أنهما كانا يتبادلان الأحاديث مطولا عن الإعلام العربي المعاصر وعن قضايا الأمة ومستجدات وأخبار الاحتلال وجرائمه وانتهاكاته بحق أبناء الشعب الفلسطيني، لكن مراسلة فضائية الجزيرة، قضت في ذات صباح دموي برصاص الغدر الصهيوني وارتقت إلى بارئها وهي في لباس وزي وشعار الإعلام الذي لم ينفع ولم يشفع ولم يجدِ نفعا أمام القتلة ومصاصي الدماء من أعداء الحياة والإنسانية.
-عبدالوهاب مزارعة وشيرين أبو عاقلة نهلا من منبع واحد للعلم والمعرفة الإعلامية وأجادا في ذلك من خلال الوسائل الإعلامية التي عملا بها، سواء بقناة الجزيرة أو بمؤسسة “الثورة” للصحافة والنشر بصنعاء، مع اختلاف الخصوصية والرسالة والمكانة والإمكانيات المتاحة لكل وسيلة، لكن النهايتين للزميلين مزارعة وأبو عاقلة كانتا متشابهتين لحد كبير.
-ارتقت شيرين أبو عاقلة خلال تغطيتها الإعلامية لجريمة اقتحام الجيش الصهيوني لمخيم جنين بالضفة الغربية في الـ 11 من مايو 2022م برصاصة أطلقها قناص صهيوني لتسقط مضرجة بدمائها وهي تحمل شعار الإعلام والكلمة التي لم تشفع لها أمام القتلة ولم تحمها من غدر أعداء الحياة، لكنها أصبحت رمزاً للصحافة الحرة وصوتاً لا يخبو في ذاكرة فلسطين والعالم.
أما فقيدنا العزيز الزميل عبدالوهاب مزارعة، فقد واصل مسيرته في بلاط صاحبة الجلالة من صنعاء عبر مؤسسة “الثورة” للصحافة والطباعة والنشر، حاملاً هموم وطنه وناقلاً وجع شعبه وتطلعاته وأفراحه واتراحه وكان يدرك أن أدواته الإعلامية أقل إمكاناً من تلك التي امتلكتها شيرين في الجزيرة، لكنه ظل مؤمناً بأن الكلمة الصادقة لا تحتاج إلى قوة سوى صدقها. ومع ذلك لم يكن مصيره بعيداً عن مصير زميلته، إذ أنهكته تداعيات الحرب العدوانية على اليمن وما خلّفته من جراح وأمراض وأوجاع حتى أسلم روحه الطاهرة لبارئها مساء الأربعاء الماضي بصنعاء، تاركاً خلفه قصة أخرى من قصص الإعلاميين الذين يدفعون حياتهم ثمناً لصمت العالم وإهمال الجهات المعنية.
-تشابهت النهايتان حد الوجع، شيرين قضت برصاص الاحتلال وعبدالوهاب، رحل تحت وطأة الحرب والإهمال، كلاهما كان ضحية لواقع مثقل بالدماء والمعاناة، حيث الصحفيون يواجهون الموت في كل لحظة إما برصاص الغدر أو بغياب أبسط مقومات الحياة وبينهما تمتد قائمة طويلة من الإعلاميين الذين ما زالوا يقاومون في الميدان يعملون بلا حقوق بلا دواء بلا تقدير وكأنهم يكتبون بدمائهم فصولاً جديدة من تاريخ الصحافة في زمن أرعن.
رحيل شيرين وعبدالوهاب يبقى خسارة لكل ضمير حيّ، كان يصرخ في وجه الظلم والإهمال. هما شاهدان على أن الكلمة الحرة لا تُحتمل في زمن القهر وأن الصحافة في ظروف كهذه، ليست مهنة آمنة، بل مغامرة وجودية قد تنتهي في أي لحظة برصاصة أو قذيفة أو مرض مهمل أو معاناة لا يُلقى لها بالا.
-في النهاية تبقى صورتي الزميلين مزارعة وأبو عاقلة معلّقة في ذاكرة كل من عرفهما أو سمع عنهما، شيرين بوجهها الواثق وهي تحمل الميكروفون وسط الخطر وعبدالوهاب بصوته المبحوح المنهك بمرض متسارع جعله مقعدا وهو في عنفوان العطاء.
– كلاهما رحل، لكن أعمالهما الإعلامية ستبقى شاهدة على زمنٍ لم ينصف الصحفيين، زمنٍ جعل من الحقيقة جريمة ومن ناقلها شهيداً أو قعيدا أو راحلا قبل الأوان.

قد يعجبك ايضا