صيفُ مدينةِ عَدَن يونيو 2026م.. امتحانٌ صامِتٌ يُوقدُ في قلوبِ أبنائِها الكرامِ جمرَ الصَّبر، ويَرسمُ على أجسادِهم نُقوشَ المُقاومة

أ.د / عبدالعزيز صالح بن حَبتُور

بعث لي أحد الأصدقاء الكرام – وهو الساكن في ضاحية كريتر / عدن، صديق عزيز وزميل عمر ودراسة وحياة، بعث بهذه الصورة المرفقة بمقالتي هذه، والملتقطة ليلة سبت 6 / يونيو / 2026م. فالصورة تظهر للمشاهد الكريم أعدادا منْ جموع الـمواطنين اليمنيين يقدر عددها المشاهد بالمئات، وربما بالآلاف، وهمْ من سكان أحياء عدن منْ مدينة كريتر العدنية ذات التاريخ الحضاري والإنساني الطويل الموغل في عمق الحضارات اليمنية المتعاقبة .
ولأول مرة في حياتي أشاهد صورة تجسد هذه الأعداد الهائلة من المواطنين ذكورا وإناثا منْ مختلف الأعمار وهم يفترشون الأرض، نعمْ أرض الشارع الاسفلتيّ في شارع حيوي ومهم في مدينة عصرية هي عدن، ذلك الشارع الطويل العريض التاريخي المسمى شارع الملكة “أروى بنت أحمد الصليحيّ” كريتر .
أذهلتْني الصورة السريالية الرمزية لهؤلاء المواطنين البسطاء الشرفاء المنتمين إلى مختلف المستويات الثقافية، والعلمية، والفكرية، والمعيشية، والإنسانية، كيف لا تدهشني صورة اللحظة الصادمة !!! لمواطني مدينة، وأحياء عصرية، حضارية كـ ككريتر التي احتضنتْ ذات يوم وما زالتْ مكتبة المفكر / عبدالله باديب الثقافية العامة (1980م)، ومكتبة الفيلسوف / مسواط للأطفال والجيل الجديد (1919م)، ودار العلامة / محمد بن سالم البيحانيّ (1957م)، وصهاريج عدن التاريخية، وقلعة صيرة “حامية حمى” مدينة كريتر، ومسجد الحبيب العلامة/ العيدروس (شيد في عام 890 هـ/ 1485م)، ومدرسة رجل الخير والتقوى / بازرعة الخيرية (1912 – 1917م)، ومعهد جميل غانم للفنون الجميلة، وقصر الشكر للسلطان / العبدليّ (1012 – 1918م)، ومنارة عدن الحضارية، ومصرف اليمن، والبنك الأهلي اليمني، وكنيسة / سانتْ ماري جاريسنْ (1867م)، وكنيسة القديسة ماريا (1871م) التي تحولتْ عام 1947م إلى ما سمي المجلس التشريعي لعدن .
وهنا تذكرت مبنى كلية الاقتصاد والإدارة / جامعة عدن (1973م) كريتر التي انتسبنا إليها طلابا في مقتبل شبابنا، وتقع الكلية، والسكن الطلابي لطلاب جامعة عدن في هذا الشارع التاريخيّ، شارع الملكة أروى – بطوله وعرضه، وبشحمه ولحمه – كما يقولها الساكنون في هذا الشارع، وهنا أمضينا بها أربع سنوات جميلة لطيفة عزيزة .
فكيف يتحول الشارع الإسفلتي الحارق منْ ممر واسع لعبور السيارات والناقلات وجميع أشكال وسائل النقل السائرة جيئة وذهابا بصخبها وضوضائها وحركتها الدائبة ليل نهار، كيف تتحول إلى ساحة استراحة واسترخاء ونوم عميق بعد جهد يوم محمل بالهم والغم والانكسار، ونكد الدنيا .
وأجزم ومعي الكثيرون من الناس منْ يعرف مدينة كريتر عنْ قرب، أوْ عاش فيها، بأن هذا الشارع الحيوي والرئيسي منْذ أنْ تم تعبيده في زمن غابر طريقا للدواب والخيول والجمال والحمير والبغال، وصولا إلى وسائل النقل الحديثة.. هذا الشارع تحديدا لمْ يغلقْ، ولمْ يتحولْ يوما إلى فضاء واسع لطلب الاسترخاء، والنوم العميق في جميع فصول السنة، ومنذ أنْ حط الإنسان اليمني الأول عليها، واستقر على رمال شواطئها، منذ زمن الحضارات اليمنية القديمة؛ كالسبئية، والحميرية، والأوسانية، والقتبانية، مرورا بجميع الدول والدويلات اليمنية التي جعلتْ منْ مدينة عدن عاصمة لها، وصولا إلى زمن حكم السيدة الحرة / أروى بنت أحمد الصليحيّ – رحمة الله عليها – والتي رفضت الارتباط بابن عمها والزواج به إلا بشرط واحد وهو أنْ يكون مهرها للزواج بأنْ تستحوذ وتمتلك جميع خراج عدن، وقدْ ذكر في أضابير تاريخ الدولة اليمنية الصليحية بأن نقل تلك الأموال الثمينة، والغالية منْ مدينة عدن إلى مدينة “مذيْخرة” بالتالي :
حينما يتم نقل البضائع الثمينة منْ ميناء عدن إلى مدينة “مذيْخرة” بالقرب منْ مدينة إب، تكون آخر القافلة في ميناء المعلا، وأولها في عقبة منطقة الراهدة / تعز .
وحتّى مع وصول الْغازي المحتل البريطانيّ الكابتن / ستافورد بيتسوورث هينز لمدينة عدن في 19 يناير عام 1839م، واتخاذه ضاحية كريتر موقعا، ومدينة، وسكنا لجنود الاحتلال البريطانيّ لمْ يشهدْ هذا الشارع ولا المواطنون الساكنون فيه مثل ذلك الجور والعسْف والظلم الذي شاهدناه قبل يومين.
ومرتْ على هذا الشارع دول وحكومات ورؤساء ومحافظون، منهمْ قوميون واشتراكيون ومؤتمريون وإخوانجيون، ولمْ يتجرأْ أحد منهمْ بأنْ يحول هذا الشارع إلى غرف فندقة، أوْ لنقلْ لوكندات لاستقبال مواطني مدينة عدن الحضارية العصرية إلا في هذا الزمن الرديء والبائس، وهو زمن الاحتلال الوقح والسافر من المملكة السعودية ومشيخة أبوظبي الإماراتية لعدد منْ محافظاتنا اليمنية العظيمة المكلومة .
هنا أود تذكير القارئ اللبيب بأننا قدْ نبهنا – منذ اللحظات الأولى – لخطورة العدوان الخليجيّ السعوديّ والإماراتيّ والقطريّ والكويتيّ والبحريني، ومعهمْ 12 دولة عربية وإسلامية، خطورتها على الجمهورية اليمنية، حينما شنتْ عدوانها الوحشي صبيحة 26 مارس 2015م بقذف صواريخها وقنابلها ومدافعها على المدن اليمنية “صنعاء، صعدة، عدن، لحج، ذمار، تعز، أبين، شبوة، البيضاء، إب، حجة، المحويت، الضالع، عمْران، مارب، وحضرموت، و و و… الخ” .
قلناها كتابة وخطابا وتصريحا وتلميحا، قلناها جهارا نهارا في الساحات والميادين المفتوحة، والجوامع والمساجد، وقاعات الجامعات، والمعاهد والمدارس، قلناها مكتوبة في الصحف، والمجلات، والكتب، والمواقع الإلكترونية اليمنية، والعربية، والأجنبية، قلناها شفاهة في القنوات المتلفزة اليمنية، والعربية، والأجنبية، قلناها وللتذكير ومنذ يوم العدوان الأول بأن هذا العدوان سيجلب لليمنيين والمدن اليمنية الأهوال والدمار والخراب والجوع والضنك والتشريد الجماعي للمواطنين، لكنْ لمْ نكنْ نتوقع مطلقا، أو نتصورْ قطّ أننا سنشاهد أهلنا في مدينة عدن يفترشون الشوارع (بالصوت والصورة)؛ كيْ يستجيروا منْ لظى حرارة أشهر الصيف القاتلة في أشهر يونيو ويوليو وأغسطس، والله أننا لمْ نكنْ نتوقع كل ذلك الألم والوجع وقهر الأيام .
لكنْ حينما كنا نحذر بشكل علني، ونعلن خوفنا، ووجلنا بشكل صارخ منْ واقع الاحتلال ومراراته، انبرى لنا نفر وعدد ليس بالقليل من الإعلاميين والسياسيين والمطبلين والمهرجين وحتى الأكاديميين من اليمنيين ليقولوا رأيهمْ منْ على العديد من المنابر الإعلامية في الداخل والخارج، ليروجوا لأكذوبة ممجوجة مأفونة ساذجة، هي أن هذه المحافظات أصبحتْ حرة، ومحررة، وأن وصول القوات المسلحة من المملكة السعوديّة ومجلس التعاون الخليجيّ إلى محافظات عدن، ولحج، وأبين، والضالع، وشبوة، وحضرموت، والمهرة، وسقطرى إنها بمثابة وصول يد الخير، والرخاء، وبحبوحة العيش الرغد إلى جميع أحياء المدن (المحررة)، وعبر أبواق وطبول دواشن منْ يسمون أنفسهمْ (حكومة شرعية) الفنادق، والمراقص، والمنتجعات التّابعة لمكتب السفير السعوديّ باليمن المستر / محمد الجابر، وكذلك أفراد، وجماعات ممنْ يسمون أنفسهم “المجلس الانتقالي” التّابع لمشيخة “أبو ظبي الإماراتية”، والمحزن المعيب والمخزي أنهمْ يرددون تلك المفردات: مثل المناطق والمحافظات المحررة ببلاهة، وسذاجة مفرطة تبعث على الغثيان ويخجل منها حتى المستمع منْ شريحة وطبقة العوام منْ عموم الشعب اليمنيّ.
السؤال الجاد هنا هو: كيف تسمحون لذواتكمْ وأسركمْ وعائلاتكمْ بأنْ تعيشوا في رغد وسلام وأمان في العواصم العربية والإسلامية “الرياض، القاهرة، أبوظبي، الدوحة وإسطنبول” تعيشوا في فنادق الخمسة نجوم، والسبعة نجوم وتستلمون رواتبكمْ بالعملات الصعبة، هو ما يسجل على الشعب اليمني ديونا، وقروضا قصيرة، وطويلة الأجل منْ سيدكم المحتل السعوديّ والقطريّ والإماراتيّ ؟.
ألمْ تشاهدوا صور مواطنينا البسطاء الفقراء يتضورون جوعا في عدد منْ أحياء عدن، وتعز، وحضرموت، وأبناؤكمْ يدرسون ويعيشون ويلهون في فروع المدارس والجامعات الأجنبية التركية والأمريكية والأوروبية؟
كيف تصورتمْ – وأنتم القادة السياسيون والعسكريون الكبار المتواجدون في مكاتب وثيرة، وأجواء رومانسية هادئة في خارج اليمن – كيف تصورتمْ ذلك المشهد السريالي التراجيدي، وآلاف المواطنين يفترشون شوارع اليمن؛ طلبا للحظة هواء طبيعي عليل، بعد أنْ حرمتموهمْ منْ جميع خدمات توفير الكهرباء ومياه الشرب، والأمن، واستعار سعر العملات الأجنبية التي يتلاعب بها سماسرتكم الخبثاء اللئام. واللعب بأسعار المواد الأساسية وخلافه؟
هذه الأسئلة يطرحها المواطن البسيط في الشارع اليمنيّ، ويقول ألمْ تتخموا بعد من الأكل الجائر الذي يعطب نشاط الدورة الدموية، والهضم المعوي وخلافه؟
ألمْ تتوقعوا بأن السجل التاريخي الأسود للأفراد والجماعات يسجل دقائق أمور الخيانة والارتزاق للعدو الخارجي السعوديّ / الإماراتيّ والخليجيّ الأعرابيّ؟ تأكدوا منْ حقيقة واحدة بأن أسماءكم الرباعية لنْ يمحوها الزمن، ولنْ تنساها الأجيال، وستكون عبارة عنْ وثيقة  موصومة بعار أسود أبدي لخيانتكمْ وارتزاقكمْ ولأبنائكمْ، ولأحفادكمْ جيلا بعد جيل، والله على ما أقول شهيد .
“وفوْق كل ذي علْم عليْم”

عضو المجلس السياسيّ الأعلى

قد يعجبك ايضا