عشرات الفلسطينيين يتحدون المخاطر ويعودون إلى قطاع غزة دون مأوى

لا شيء ينتظرهم سوى الدمار ووجوه أنهكها الفقد والوجع:

 

 

الثورة / افتكار القاضي
مع دخول شهر رمضان الكريم، يواصل عشرات الفلسطينيين العودة إلى قطاع غزة المحاصر والمدمر .. حيث لا مأوى ينتظرهم، ولا أسر تستقبلهم، فغالبية من كانوا خارج القطاع قبل الحرب فقدوا أسرهم، وبعضهم لا يعلمون شيئا عمن تبقى من أهلهم، ومع ذلك يصرون على العودة إلى وطنهم المنكوب رغم هول الدمار الذي حول غزة إلى كومة ركام كبيرة، لكنهم يحنون إلى الأرض، يحنون إلى الوطن، إلى من تبقى من أهلهم وذويهم، رغم كل المخاطر التي تنتظرهم.
وتشكل عودة العالقين إلى غزة لحظات إنسانية مؤثرة لعائلات فرقتها الحرب، بعدما عاش أفرادها لعامين بين القلق على المصير وصعوبة التواصل في ظل انقطاعات متكررة للاتصالات.
شعور لا يوصف
لمياء حمتّو التي كانت تعيش في مصر، في ضيافة أقاربها المقيمين هناك، حياة مرفهة، لكنها أصرت على العودة للقطاع بعد فتح معبر رفح، تقول «الحنين إلى غزة كان شعورا كبيرا، هل يوجد مكان أفضل من بلدك؟ مهما كانت الغربة جميلة، قسما بالله، لا يوجد شيء أحلى أو أفضل من بلدنا». وأضافت «هذا الحنين لم يكن شعورا فرديا، بل يشعر به كل مغترب».
وتدرك لمياء أن الأخطار لا تزال تحدق بسكان القطاع مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، بالإضافة إلى سوء الأحوال المعيشية، لكنها تؤكد أن «الشوق للوطن» أكبر من أي شيء آخر.
وها هي آمال عمران ما إن وصلت إلى مدينة العريش بشمال سيناء، قرب حدود غزة، حتى خلعت نعليها ثم عبرت إلى القطاع. كانت قد نذرت لله أن تعود حافية القدمين إذا كتب لها ذلك، وقد أوفت بوعدها.
حينما غادرت آمال غزة في أبريل 2024م مرافقة لزوجها المريض، كان منزلها بمدينة خان يونس سليما؛ أغلقت شقتها بالمفتاح وسافرت، لكنها رجعت لتجده ركاما. وبعد مرور أسبوع على إقامتها في خيمة تفتقد للماء والمرحاض والأثاث والفراش، لا تبدي أي علامات للندم، بل تؤكد أنها «في غاية السعادة، وراحة البال».
عادت آمال للقطاع، الأسبوع الماضي، بعد أن سمحت قوات الاحتلال بإعادة تشغيل معبر رفح والسماح بسفر وعودة أعداد قليلة من الفلسطينيين. وبحسب مسؤولين حكوميين بغزة، فإن حوالي 80 ألف شخص يرغبون بالعودة رغم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتردي الأحوال المعيشية.
وشرحت آمال لـ(الجزيرة) أسباب عودتها، «كنت في مصر أعيش في شقة ولا ينقصنا شيء، لكن غزة عندي هي أفضل مكان في الكون، لأنها باختصار وطني، لا شيء مثل الوطن». وأضافت «غزة تحتاجنا، نحن أهلها وناسها وعزوتها، وأنا أقول للناس ارجعوا ولا تترددوا».
انتصار العكر، التي عادت إلى القطاع لتجد منزلها الذي تركته سليما، اضحى مدمرا كليا، ولم تجد سوى خيمة لتسكن فيها، إلا أنها ورغم كل ذلك «سعيدة وغير نادمة على قرارها». وفي الخيمة التي تعيش فيها في منطقة المواصي بخان يونس، تفتقد لأدنى مقومات الحياة الأساسية، كالماء والأثاث والكهرباء، لكنها تقول إنها في «غاية الرضا والسعادة».
وردا على سؤال حول أسباب اتخاذها قرار العودة رغم استمرار المخاطر وسوء الأوضاع المعيشية، تقول «لا شيء يساوي شعور العودة إلى الوطن، حتى لو كانت الظروف صعبة». وأضافت للجزيرة نت «الحنين إلى غزة كان كبيرا، عشت 3 أعوام هي الأصعب من حياتي خارج بلدي، كنت أتمنى الرجوع خلال الحرب رغم الخطر».
وتضيف «غزة هي بلدنا، حياتنا كلها، العيش في الخيام أفضل من الغربة بعيدا عن وطنك، حبة رمل من ترابها أفضل من كل الدنيا، وهذا ليس موقفي فقط، كل المغتربين بالخارج يتمنون العودة».
وجوه أنهكها الانتظار
ومن داخل ساحة مستشفى ناصر في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، لم تكن اللحظات عادية. وجوه أنهكها الانتظار وقفت تترقب وصول الحافلات، وأيدٍ ارتجفت وهي تحمل باقات زهور أُعدّت لاستقبال العائدين عبر معبر رفح البري مع مصر، بعد إعادة فتحه بشكل محدود وبقيود مشددة فرضتها إسرائيل منذ أكثر من أسبوعين.
الحافلات التي دخلت غزة بعد غياب تجاوز عامين، لم تكن مجرد وسائل نقل، بل حملت معها حنينًا ثقيلًا وقلوبًا معلقة بالأمل، واشتياقًا مؤجلًا للعائلة والوطن. ومع وصولها إلى ساحة المستشفى، امتزجت الدموع بالابتسامات، وتداخل القلق بالطمأنينة، في مشهد إنساني كثيف الدلالة على حجم الفقد وطول الغياب.
بين المنتظرين كان الشاب رائد حجازي يقف ممسكًا بباقة ورد، تضمها يد مرتجفة من طول الانتظار. قبل نحو عامين، ودّع زوجته على أمل لقاء قريب، لكن حرب الإبادة وإغلاق معبر رفح مدّدا المسافة والزمن بينهما على نحو لم يكن في الحسبان.
لقاء حجازي بزوجته داخل المستشفى لم يكن مجرد استقبال عابر، بل لحظة استعادة للحياة بعد فراق قاسٍ. ويقول حجازي إن زوجته تمكنت قبل نحو عامين من مغادرة غزة عبر معبر رفح، مشيرًا إلى أن موعد سفره كان بعد يومين فقط، لكنه تزامن مع اجتياح رفح وإغلاق المعبر. ويضيف وهو يحتضن زوجته أن اللقاء بعد عامين في غزة يمثل فرحة كبيرة لا توصف.
قمع وإذلال للعائدين
ويمارس الاحتلال إجراءات تنكيل بحق العائدين، تشمل التحقيق الأمني معهم وإجبارهم على الانتظار ساعات طويلة في ظروف قاسية، وتفتيشهم بشكل مذل، ومصادرة الكثير من مقتنياتهم. ويصلون للقطاع عبر حافلات إلى مدينة خان يونس عقب مغادرة المعبر ويكون في استقبالهم أقاربهم. ويضطر الكثير منهم للإقامة في خيام بمركز إيواء، بعد تدمير قوات الاحتلال منازلهم.
وسجل المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، منذ بداية عمل المعبر وحتى مساء الأحد 15 فبراير الجاري عودة 356 فلسطينيا.
وتشير معطيات شبه رسمية إلى تسجيل نحو 80 ألف فلسطيني أسماءهم للعودة إلى القطاع، في مؤشر على تمسك السكان بحقهم في العودة ورفض التهجير رغم الدمار الواسع الذي حول قطاع غزة إلى أرض محروقة غير صالحة للحياة .

قد يعجبك ايضا