عندما نسمع أن لدى دونالد ترامب “خطة سلام” لغزة، يتبادر إلى الذهن سؤال بديهي: أيُّ سلام هذا الذي لا يذكر الاحتلال؟ وأيُّ إعادة إعمار تلك التي لا تشير إلى من دمّر، ولا إلى من حاصر، ولا إلى من حوّل قطاعًا كاملًا إلى ركام؟ إن السلام ليس كلمة تُقال في مؤتمر صحفي، بل هو مسار سياسي وأخلاقي يبدأ بالاعتراف بالحقيقة، ويستند إلى العدالة، وينتهي بضمان الحقوق.
الواقع أن الحديث عن “مجلس سلام” وإعادة إعمار غزة، من دون توصيف ما جرى بأنه حرب إبادة شاملة في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، هو قفزٌ فوق المأساة. فالبيوت التي سُويت بالأرض، والمستشفيات التي خرجت من الخدمة، والأطفال الذين دُفنوا تحت الأنقاض، لا يمكن اختزالهم في بندٍ ماليٍّ لإعادة البناء. إعادة الإعمار ضرورة إنسانية، نعم، لكنها لا تكون بديلًا عن المساءلة، ولا يمكن أن تتحول إلى ستارٍ سياسي يُخفي الجريمة.
الأخطر من ذلك هو الطرح الذي يُلمّح إلى إشراك بنيامين نتنياهو في أي إطار يُسمّى “مجلس سلام”. فنتنياهو ليس شخصيةً محايدة في نزاعٍ متكافئ، بل هو رأس حكومة تُتهم بارتكاب جرائم حرب، وتواجه إجراءات قانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. كيف يمكن لمن تُلاحقه اتهامات خطيرة أن يكون شريكًا في صناعة السلام؟ أليس في ذلك تناقضٌ صارخ بين مفهوم العدالة ومفهوم التسوية السياسية؟
قد يقول البعض إن السياسة فنّ الممكن، وإن أي عملية سياسية لا بد أن تضمّ “الأطراف الفاعلة” على الأرض. لكن هذا المنطق ذاته هو الذي أعاد إنتاج المأساة مرارًا. فمنذ اتفاقيات أوسلو وحتى اليوم، جرى الحديث عن “عملية سلام” فيما كانت الوقائع على الأرض تقول شيئًا آخر: توسع استيطاني، حصار مستمر، وقائع تهجير، واعتداءات متكررة. ما سُمّي إدارةً للصراع لم يكن يومًا حلًا له.
إن جوهر القضية ليس تقنيًا ولا إجرائيًا، بل أخلاقي وسياسي في آنٍ واحد. السلام الحقيقي لا يبدأ بإعادة بناء الحجر، بل بإعادة الاعتبار للإنسان. لا يبدأ بتشكيل مجلس، بل بإنهاء الاحتلال. لا يُصاغ في الغرف المغلقة، بل يُبنى على الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره على أرضه.
ثم إن تغييب توصيف ما جرى في غزة، ومحاولة وضعه في إطار “حرب بين طرفين”، يتجاهل اختلال ميزان القوى الهائل، ويتجاهل السياق الأوسع: احتلال عسكري مستمر منذ عقود، وحصار خانق، ومنظومة فصل وتمييز موثقة في تقارير دولية. إن السلام الذي يتجاهل جذور الصراع، هو سلامٌ شكليٌّ لا يلبث أن ينهار عند أول اختبار.
إذا كان الهدف حقًا هو إنهاء دوامة العنف، فإن الطريق واضح: وقف العدوان فورًا، رفع الحصار، الإفراج عن الأسرى وفق ترتيبات عادلة، والبدء بمسار سياسي يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، لا إلى موازين القوة الآنية. أما تحويل “إعادة الإعمار” إلى مشروع اقتصادي ضخم تديره القوى ذاتها التي وفّرت الغطاء السياسي والعسكري للحرب، فذلك لا يُنتج سلامًا، بل يُعيد تدوير الأزمة.
إن الشعوب لم تعد تنخدع بالشعارات. في أوروبا، في أمريكا اللاتينية، في الجامعات الأمريكية نفسها، يرتفع صوتٌ يقول إن العدالة ليست خيارًا مؤجلًا. وإذا كانت أي إدارة أمريكية – سواء بقيادة دونالد ترامب أو غيره – تريد أن تُسجّل في التاريخ كصانعة سلام، فعليها أن تُجيب عن السؤال البسيط: هل تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني كاملة غير منقوصة؟ وهل تقبل بمبدأ المساءلة عن الجرائم، أيًّا كان مرتكبوها؟
السلام ليس صورةً تذكارية ولا بيانًا دبلوماسيًا. السلام هو إنهاء الاحتلال، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وضمان عدم تكرارها. كل ما عدا ذلك ليس إلا هدنة مؤقتة، تُمهّد لجولةٍ أخرى من الدم.
وفي النهاية، يبقى المعيار واحدًا: لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة مع الإفلات من العقاب. وإذا كان “مجلس السلام” المقترح لا يضع هذه القاعدة أساسًا له، فإنه لن يكون مجلسًا للسلام، بل فصلًا جديدًا من فصول إدارة الصراع على حساب دماء الأبرياء.
كاتب فلسطيني
