مع إطلالة شهر رمضان المبارك، يهلُّ علينا موسم عظيم من مواسم الطاعة، ونفحة إيمانية تتجدد فيها الأرواح، وتصفو فيها القلوب، ويقبل فيها المؤمنون على ربهم بالصيام والقيام والذكر والإحسان. إنه شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، شهر تتضاعف فيه الحسنات، وتُفتح فيه أبواب الخير لمن أراد أن يغتنم.
وفي كل رمضان، يقف الإنسان لحظة تأمل.. يتذكر من صاموا معنا في العام الماضي، وشاركونا موائد الإفطار، ورفعوا أيديهم بالدعاء في ليالي القيام، ثم غادروا هذه الدنيا ولم يدركوا رمضان هذا العام. إنها رسالة بليغة تذكرنا بقصر الأمل وسرعة الرحيل، وتدعونا لأن نغتنم ما بقي من أعمارنا قبل أن يقال عنا كما قيل عن غيرنا: كانوا معنا ثم مضوا.
إن الواجب علينا في هذا الشهر المبارك أن نجعله محطة حقيقية للتزود بالتقوى، ومحطة للتغيير الصادق في سلوكنا وقلوبنا، فنقبل على الصيام بإخلاص، وعلى القيام بخشوع، وعلى الصدقة بصدق، وعلى البر والإحسان بروح المسؤولية. فليس المقصود من رمضان مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل الارتقاء بالنفس وتهذيب الأخلاق وتعميق صلتنا بالله تعالى.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها بلادنا، وما أفرزه العدوان والحصار من معاناة وضيق في سبل العيش، هناك آلاف الأسر التي تكابد لتوفير لقمة يومها، وأسرٌ كثيرة تنتظر من يمد إليها يد العون. ومن هنا تتأكد مسؤوليتنا الاجتماعية والإنسانية في تفقد الفقراء والمساكين، والإيتام والأرامل وأسر الشهداء والجرحى خاصة من الأقارب والأصدقاء والجيران، فهم أولى بالمعروف وأحق بالإحسان.
فلنحرص في هذا الشهر على تفطير الصائمين، وإدخال السرور على المحتاجين، ومواساة المنكوبين، وبذل ما نستطيع من صدقات وزكوات.
كما ينبغي أن نحذر من أن تضيع ساعات رمضان الثمينة في اللهو واللعب، أو في الإفراط في متابعة القنوات والمسلسلات والمسابقات التي تسرق الأوقات وتضعف الهمم. فرمضان أيام معدودات وليالٍ مباركات، ومن الخسارة أن تمر دون أثرٍ في قلوبنا وأعمالنا.
فلنجعل القرآن رفيقنا في هذا الشهر، نتلوه تدبرًا لا مجرد تلاوة، ونتأمل آياته، ونجعلها منهجًا لحياتنا. ولنحرص كذلك على نشر روح التراحم والتسامح والتآخي والمحبة بين الناس، فالمجتمعات لا تنهض إلا بقلوب متحابة ونفوس متسامحة.
فلنستقبل رمضان بقلوب صادقة، وعزائم قوية، ونوايا خالصة، ولنجعله شهر عبادة وعمل وإحسان، شهر تغيير وبناء، شهر محبة وتكافل… لعلنا نكون من المقبولين.
