خبراء وسياسيون لـ ’’الثورة نت’’: خروج المارينز من صنعاء.. محطة مفصلية في مسار القرار الوطني والسيادة
الثورة نت | ناصر جراده
يمثل الحادي عشر من فبراير 2015م محطة مفصلية في التاريخ السياسي اليمني، ارتبطت بتحولات عميقة أعادت رسم معادلات النفوذ والقرار الوطني، وفتحت مرحلة جديدة في مسار السيادة والاستقلال السياسي.
ففي هذا اليوم، أُغلق أحد أبرز عناوين الحضور الأجنبي في صنعاء بخروج القوات الأمريكية وإغلاق السفارة، في حدث تجاوز دلالاته الإطار الدبلوماسي، ليشكّل علامة فارقة في علاقة اليمن بالقوى الخارجية، ومؤشرًا على تحولات جيوسياسية كبرى انعكست لاحقًا على مجمل المشهد السياسي والعسكري.
ومع حلول الذكرى، تتجدد القراءات والتحليلات التي تستحضر ذلك الحدث وتربطه بما تلاه من تطورات، خصوصًا في ظل العدوان، وما رافقهما من إعادة تشكيل لموازين القوة، وفي هذا السياق، ناقش موقع ’’الثورة نت’’ هذه المحطة التاريخية مع عدد من الخبراء العسكريين والمحللين السياسيين، لرصد دلالاتها وانعكاساتها على مسار القرار الوطني والسيادة اليمنية.
خروج المارينز.. دلالات التحول
في البداية أوضح الباحث السياسي والخبير العسكري العميد عبدالغني الزبيدي في حديثه لـ’’الثورة نت’’ أن خروج المارينز الأمريكي من صنعاء جاء في سياق التحولات الكبرى التي أعقبت ثورة 21 سبتمبر، مؤكداً أن تلك المرحلة شهدت تغييرًا جوهريًا في منهج القيادة السياسية وفي المطالب الشعبية.
وقال الزبيدي إن “ الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن كانت مطمئنة لتدخلها في شؤون البلاد خلال المرحلة السابقة أصبح غير مقبول لدى القيادة والشعب، وأن خروج المارينز وهو في مرحلة الهزيمة و المذلة لم يكن خطوة عابرة، بل نتيجة مباشرة لتحولات جيوسياسية مهمة فرضت واقعًا جديدًا، وأجبرت الولايات المتحدة على إعادة حساباتها”، معتبراً أن ما حدث مثّل مؤشرًا على بداية مرحلة عنوانها الاستقلال السياسي.
وبين أن العدوان الذي شن على اليمن في عام 2015 اي بعد فترة وجيزة من خروج المارينز هو بسبب ذلك الحدث الكبير، مضيفاً أن مسار الأحداث خلال السنوات اللاحقة، خصوصًا في ظل العدوان، أظهر حجم التحولات التي طرأت على القدرات اليمنية مقارنةً بما كانت تمتلكه قبل عشر سنوات، سواء في إدارة المعارك أو في تطوير منظومات عسكرية متقدمة.
وأوضح الزبيدي أن القوات اليمنية وصلت إلى إدارة المعركة باحترافية سواء في مواجهات التحالف السعودي الإماراتي ومن وراءهم الولايات المتحدة الأمريكية خلال مرحلة العدوان او خلال مرحلة طوفان الأقصى، حيث حدثت المواجهة مع الأمريكي والإسرائيلي بشكل مباشر ، واصفاً المرحلة بالأكثر ازدهاراً، ومؤكداً القول أن “التحولات لم تكن آنية، بل جاءت نتيجة مسار تراكمي في البناء العسكري والاستراتيجي”.
وأكد العميد الزبيدي بأن مرحلة هروب المارينز من صنعاء مهدت لمرحلة أعظم؛ وهي هروب حاملات الطائرات والقطع البحرية التابعة لها من البحر الأحمر، وما إسقاط ثلاث طائرات حربية كبيرة متقدمة إضافة الى العديد من طائرات الام كيو9، وصولاً إلى إنتاج صواريخ فرط صوتية، إلا نتاجًا للتطورات الكبيرة التي وصلت إليها القدرات اليمنية، مؤكداً استمرار هذا التطور.
وأشار الزبيدي في ختام حديثه إلى سعي الولايات المتحدة الأمريكية وكيان العدو الصهيوني بكل ما اوتوا لمواجهة اليمنيين والتقليل من قدراتهم.
11 فبراير.. منعطف تاريخي في مسار السيادة
من جهته، اعتبر المحلل السياسي رشيد الحداد أن 11 فبراير 2015 لم يكن يومًا عاديًا في تاريخ الجمهورية اليمنية، بل مثّل تحولًا سياسيًا لافتًا، مشيرًا إلى أن الوجود الأمريكي آنذاك كان يمتد إلى ملفات سياسية وأمنية واقتصادية متعددة.
وأوضح الحداد أن “إغلاق السفارة وخروج المارينز عكس نهاية مرحلة من النفوذ المباشر، وبداية مرحلة جديدة عنوانها استعادة القرار الوطني، لذلك هذا اليوم هو منعطف تاريخي يعزز الاستقرار والسيادة الوطنية ويؤكد بان اليمن استطاع بشعبه وبثورة21سبتمبر الشعبية إنهاء الوجود الأجنبي والتسلط والهيمنة الأمريكية من اليمن وما خروجهم من السفارة التي هي رمزهم الكبير، – بل بمثابة غرف عمليات استخباراتية لعدد من مراكز الاستخبارات العسكرية الأمريكية والصهيونية -إلا بداية لانتهاء وصايتهم، وتم الكشف عن عدد من الوثائق ولذلك فان خروج المارينز الأمريكي هو استقلال هو إنها للهيمنة والوصاية الخارجية”، لافتًا إلى أن السفارة الأمريكية كانت تمارس دورًا يتجاوز العمل الدبلوماسي التقليدي، الأمر الذي أثار جدلًا واسعًا حول مستوى استقلال القرار السياسي في تلك المرحلة.
وأكد الحداد أن هذا الحدث شكّل – في نظر كثيرين – نقطة انعطاف أعادت صياغة العلاقة مع واشنطن، ورسخت مفهوم السيادة كأولوية في الخطاب السياسي اليمني.
بتر الوصاية واستعادة القرار
بدوره وصف المحلل السياسي الدكتور عارف العامري، أمين سر جبهة التحرير، الحدث بأنه “نقطة تحول مهمة في تاريخ اليمن الحديث”، معتبراً أن خروج المارينز لم يكن مجرد انسحاب عسكري، بل تحولًا استراتيجيًا عبّر عن قدرة اليمنيين على فرض إرادتهم الوطنية.
وقال العامري إن “المرحلة التي سبقت 2015 شهدت تشابكًا واسعًا في العلاقة اليمنية–الأمريكية، حيث تجاوز النشاط الدبلوماسي الإطار البروتوكولي المعتاد ليصل إلى مستويات أكثر تأثيرًا في المشهد السياسي والإداري”.
وأشار إلى أن إغلاق السفارة أعاد طرح سؤال القرار الوطني واستقلاليته في إدارة الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، وفتح الباب أمام إعادة تعريف أولويات السياسة الداخلية والخارجية.
تشكيل موازين القوة
من جانبه أكد الباحث السياسي الدكتور أحمد العليي في حديثه لـ’’الثورة نت’’ أن عدوان 2015 على اليمن أسهم في إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة، موضحًا أن الهدف من ذلك العدوان لم يحقق أي من الأهداف التي خُطط لها، بل أفضى إلى تحولات عسكرية وسياسية غير متوقعة.
وأشار العليي إلى أن عناصر التفوق لم تقتصر على تطوير الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة، بل ارتبطت برؤية تنظيمية وسياسية أوسع أسهمت في إعادة رسم توازنات المواجهة.
كما لفت إلى أن تطورات المشهد اليمني دفعت مراكز بحثية دولية إلى إعادة تقييم فرضيات سابقة، بعد أن أظهرت الوقائع الميدانية نتائج مغايرة للتقديرات الأولية.
11 فبراير في الوعي السياسي اليمني
بين تعدد القراءات وتباين التوصيفات، يبقى الحادي عشر من فبراير 2015م محطةً مفصلية في الوعي السياسي اليمني، ارتبطت بإعادة تعريف مفهوم السيادة وحدود التأثير الخارجي، ورسّخت حضور القرار الوطني كعنوانٍ مركزي في مسار المرحلة اللاحقة.
ومع استمرار التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، تظل هذه الذكرى حاضرة بوصفها لحظة تحوّل أساسية، أعادت صياغة العلاقة مع الخارج، وفتحت أفقًا جديدًا للنقاش حول بناء دولة مستقلة الإرادة، قادرة على تحويل التحولات السياسية والعسكرية إلى مسار تنموي ومؤسسي مستدام.
ويبقى الرهان، كما يرى مراقبون، على قدرة اليمنيين في ترجمة هذه التحولات إلى واقع يعزز الاستقرار، ويكرّس السيادة الوطنية على أسس متوازنة، في ظل ما تحمله المرحلة القادمة من متغيرات وتحديات.
