غزة تستقبل رمضان بحصار خانق وأوضاع كارثية وصمود من أجل البقاء

للعام الثالث من حرب الإبادة

الثورة / افتكار القاضي

يستقبل سكان قطاع غزة شهر رمضان للعام الثالث على التوالي في ظل حرب مفتوحة لم تتوقف، رغم اتفاق وقف النار وتداعيات إنسانية واقتصادية غير مسبوقة جراء استمرار الحصار الخانق على القطاع من قبل الاحتلال الصهيوني منذ السابع من أكتوبر 2023.

ورغم الأوضاع الكارثية في القطاع المدمر، وعدم توفر أدنى سبل المعيشة، مع استمرار تضييق الخناق على السكان الذين يعيشون في خيام مهترئة لم تعد صالحة للسكن وأوضاع إنسانية صعبة وغير مشهودة، إلا الآن أهالي القطاع يحرصون على استقبال شهر رمضان من تحت الركام ببطون خاوية وأوجاع لا تندمل .

كيف سيقضي أبناء غزة شهر رمضان في ظل حصار خانق لم يتوقف، وشح كبير في السلع الأساسية وارتفاع أسعار ما يتوفر منها بشكل جنوني، فيما تسببت الأمطار والرياح في إتلاف البضائع داخل الخيام، مع انقطاع الكهرباء.

محلات تنهض من تحت الركام

في خان يونس، يقف زاهر القدرة أمام “سوبر ماركت القدرة” الذي لم يعد سوى مشروع متواضع داخل خيمة مغطاة بالشوادر البلاستيكية على شارع الرشيد الساحلي. قبل الحرب، كان متجره من أكبر المتاجر في المنطقة، قرب المستشفى الأوروبي، تعج رفوفه بمنتجات رمضان، وتزدحم أبوابه بالزبائن.

يستعيد القدرة تلك الأيام قائلاً: إن رمضان كان “عرسًا وطنيًا ودينيًا”، تنتعش فيه الحركة التجارية. لكن الصورة اليوم تبددت. قصف مكثف طال المنطقة، وصواريخ شديدة الانفجار سقطت قرب منزله، قبل أن يتلقى اتصالًا يأمره بإخلاء المكان خلال دقائق. بعد النزوح، تم نسف ما تبقى من المنزل والمتجر.

يقدّر القدرة خسائره بنحو مليوني دولار، إضافة إلى توقف العمل لفترة طويلة، ورغم محاولته البدء من جديد، فإن التحديات لا تنتهي.

ظروف بائسة

على الطرف الآخر من المعاناة، تعيش العائلات النازحة واقعًا أكثر قسوة، شيماء أبو حمام (35 عامًا)، من جباليا شمال القطاع، نزحت مع أسرتها إلى جنوب غزة.

تقول إنها لم تتمكن من التحضير لرمضان كما اعتادت: “نعيش يومًا بيوم. اليوم نأكل ونحمد الله، وغدًا لا نعلم”.

تشير إلى أن الأسعار المرتفعة حالت دون شراء أبسط مستلزمات السحور، كاللبن والتمر. وتعتمد عائلتها في الإفطار على وجبات “التكايا”، فيما يشكل نقص الغاز وصعوبة إشعال النار داخل الخيام عائقًا أمام الطهي.

تضيف: “أمنيتي الوحيدة أن يمر الشهر بسلام، وأن يجد زوجي عملاً، حتى يشعر أطفالي أن رمضان ما زال رمضان”.

أيمن مهنا موظف متقاعد، نزح من رفح إلى مواصي خان يونس، يوضح أن راتبه الذي كان يكفي قبل الحرب لم يعد يغطي أساسيات الحياة، خاصة مع عدم انتظام الصرف وارتفاع الأسعار.

يقول: “كنا نعيش حياة بسيطة لكنها مستقرة. اليوم نعتمد على المساعدات. رمضان لن يغير واقعنا، فنحن نصوم قسرًا منذ شهور”.

وجع الفقد

لكن الأشد قسوة من ضيق الحال، هو ضيق الفقد. فؤاد ثابت من دير البلح يستقبل هذا العام رمضان الأول بعد استشهاد نجله عبد الله، الذي ارتقى في غارة استهدفت معسكر دير البلح في اليوم الأخير من رمضان الماضي.

يقول ثابت: “كان عبد الله يحلم بالعيد، كان يعد الأيام ليشتري لأخواته ملابس جديدة. في آخر يوم من رمضان خرج ولم يعد. منذ تلك اللحظة تغيّر كل شيء”.

يتوقف قليلًا قبل أن يضيف: “السفرة ناقصة، وصوته غائب. نصوم ونصلي، لكن الغصة أكبر من الكلمات”.

بالنسبة له، لم يعد رمضان شهر استعداد للعيد، بل موسم استرجاع لذكرى اليوم الذي انكسر فيه البيت.

أما منير أبو العطا، فيحمل وجعًا مضاعفًا. فقد ولديه الاثنين في الأيام الأولى للحرب، إثر قصف استهدف مسجد السلام في دير البلح. يقول إنهما كانا “سنده الوحيد في الحياة”.

يضيف بصوت متقطع: “لم يكن لي غيرهما. في كل أذان مغرب أسمع صوتهما وهما يستعجلان الإفطار. اليوم أجلس وحدي. رمضان كان يجمعنا، واليوم يذكرني بغيابهما في كل لحظة”.

ويؤكد وهو بحبس دموعه /أن الألم لا يتجدد في رمضان فحسب، بل يتضاعف، لأن الشهر كان دائمًا مساحة للعائلة، والدفء، والاجتماع، وهي أمور باتت مفقودة.

وارتفعت الأسعار في بعض السلع بنسبة تتجاوز 300% مقارنة بما قبل الحرب، في وقت تعاني فيه الأسواق المتوفرة من ركود حاد، نتيجة غياب السيولة وضعف الطلب. حيث باتت الأسر تحصر إنفاقها في الضروريات القصوى، ما يجعل شهر رمضان عبئًا إضافيًا يفاقم معاناة سكان القطاع .

قد يعجبك ايضا