من سيدفع الثمن أولاً؟تداعيات أي تصعيد أمريكي ضد إيران على أسواق الطاقة العالمية

 

الثورة / 

ليس المطلوب حرباً شاملة كي ترتفع أسعار النفط، يكفي توترٌ سياسي، أو تهديدٌ بإغلاق ممرّ بحري، حتى تبدأ الأسواق بحساب الخسائر قبل وقوعها.
في عالمٍ يعتمد اقتصاده على تدفّقٍ مستقر للطاقة، تتحوّل أي إشارة تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران إلى عامل ضغطٍ مباشر على أسواق الخام وأمن الطاقة العالمي.
في صلب هذه المعادلة، يقف مضيق «هرمز»، الممرّ المائي الاستراتيجي الذي يربط الخليج بخليج عمان والمحيط الهندي، ما يجعله نقطة ارتكاز حاسمة في النظام الاقتصادي الدولي. وأي اضطراب فيه، حتى من دون إغلاقٍ كامل، قد يرفع فوراً كلفة الشحن والتأمين، ويغذّي موجات صعودٍ في الأسعار، ويدفع البنوك المركزية إلى إعادة تقييم توقعاتها للنمو والتضخم.
تحليل حديث نقلته وكالة «بلومبرغ»، يشير إلى أنّ السيناريو الأكثر حدّة قد يدفع أسعار النفط إلى 108 دولارات للبرميل، وهو مستوى يعيد إلى الواجهة مخاوف التضخم ويضع صنّاع القرار النقدي أمام معادلة صعبة بين حماية النمو ومنع ارتفاع الأسعار. لكن السؤال الأوسع الأبرز: من سيكون الأكثر تضرراً من أي صدمة طاقة محتملة؟
آسيا الصناعية تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج لتغذية مصانعها، وأوروبا باتت أكثر هشاشةً تجاه تقلبات الطاقة منذ أزمة أوكرانيا، فيما الولايات المتحدة، رغم ارتفاع إنتاجها المحلي، تبقى جزءاً من سوقٍ عالمية واحدة تتأثر بأسعارها.
فماذا لو توقّف جزء من نفط الخليج ليومٍ واحد فقط؟ كم سيرتفع سعر البرميل في ساعات؟ ومن سيدفع الثمن أولاً: المستهلك الأمريكي عند مضخة الوقود، أم المصانع الآسيوية التي ترتبط مباشرةً بتدفّق الطاقة؟
بين صدمةٍ محدودة وأزمةٍ واسعة، يقف الاقتصاد العالمي أمام توازنٍ دقيق، يجعل من استقرار الخليج مسألةً تتجاوز الجغرافيا إلى صميم الاستقرار الاقتصادي الدولي.
«هرمز» الرقم الصعب في معادلة الاقتصاد الدولي
لا يُعدّ مضيق «هرمز» مجرد ممرّ بحري ضيّق في جغرافيا الخليج، بل نقطة ارتكاز حاسمة في منظومة الطاقة العالمية.
حيث تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، إلى أنّ متوسط تدفّق النفط والسوائل البترولية عبر المضيق بلغ في عام 2024م، نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل قرابة 20 % من الاستهلاك العالمي لهذه السوائل. وهذا الرقم وحده يكفي لفهم سبب تعامل الأسواق مع أي توتر في المنطقة باعتباره عاملاً مباشراً في تسعير المخاطر.
يمثّل المضيق الشريان الرئيسي لصادرات كبار المنتجين في المنطقة، إذ تمرّ عبره معظم صادرات السعودية والعراق والإمارات والكويت وقطر، إضافةً إلى كميات من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية في سلاسل الإمداد العالمية.
كذلك، فإنّ أي تعطيل جزئي لحركة الملاحة فيه ينعكس فوراً على أسعار الشحن البحري وأقساط التأمين، حتى من دون إغلاق كامل أو أضرار مباشرة في منشآت الطاقة.
تاريخياً، أظهرت الأسواق حساسيةً واضحة تجاه التوترات المرتبطة بالمضيق. ووفق تقارير «رويترز» في يونيو 2025م، أي في أعقاب العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، ارتفعت أقساط التأمين البحري ضد مخاطر الحرب من نحو 0.2–0.3 % من قيمة السفينة إلى قرابة 0.5 % خلال أسبوع، مع تباطؤ حجوزات ناقلات النفط وارتفاع أسعار الشحن.
ويعكس ذلك استجابة السوق السريعة لارتفاع مستوى المخاطر الأمنية في المنطقة، حتى قبل حدوث تعطيل واسع ومباشر للإمدادات.
لذا، في سوقٍ تتحدد فيه الأسعار عالمياً، يصبح مضيق «هرمز» أكثر من ممرّ مائي.
وفي حال تحوّل التوتر بين إيران والولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة، فإنّ مسار الأحداث في المنطقة سيحدد شكل الصدمة الاقتصادية عالمياً، بين اضطراب محدود يمكن احتواؤه، وسيناريو قد يعيد رسم خريطة أسواق الطاقة.

التوتر المحدود
في هذا السيناريو، لا يقع تعطيل ملموس للإمدادات، لكن الأسواق تُسعّر «علاوة المخاطر» بسرعة. وقد أظهرت تغطيات «رويترز» أنّ مجرد تحذيرات ملاحية وارتفاع منسوب التوتر قرب مضيق «هرمز» دفع الأسعار إلى الارتفاع في جلسات قصيرة، مع حساسية واضحة في شهية المخاطرة لدى المستثمرين.
أما على جانب النقل، فالتجربة في يونيو 2025م أظهرت- وفقاً لتقارير- أنّ ارتفاع المخاطر الأمنية، قد يرفع أقساط التأمين البحري ضد مخاطر الحرب بسرعة، ما ينعكس على كلفة الشحن حتى من دون إغلاق فعلي للممرات.

تعطيل جزئي للملاحة
هنا يبدأ الأثر بالانتقال من «سعر المخاطر» إلى «سعر النقص». أي تعطيل جزئي- سواء بتباطؤ عبور الناقلات أو تغيّر مساراتها – يضيف ضغطاً على سلاسل الإمداد ويرفع تكاليف النقل، ما ينعكس على الأسعار النهائية ويُعيد مخاوف التضخم عالمياً.
في هذا السياق، تُشير دراسات صندوق النقد الدولي إلى أنّ ارتفاع أسعار النفط يمرّ إلى التضخم بدرجات متفاوتة، لكنه يصبح اقتصادياً «ملموساً» حين تكون الصدمة كبيرة أو ممتدة.

مواجهة واسعة
هذا هو السيناريو الذي يتحول فيه النفط إلى «صدمة كلية» تضرب النمو والتضخم معاً. تحليل حديث نقلته وكالة «بلومبرغ» يقدّم مسارات ثلاثة، ويضع في أسوأها احتمال قفزة تقارب 80 % من مستويات حول 60 دولاراً إلى قرابة 108 دولارات للبرميل إذا طال الاستهداف البنية التحتية للطاقة أو نقاط الاختناق الحيوية.
وفي هذه الحالة لا يتوقف الأمر عند النفط: تتسع الضغوط إلى أسواق الطاقة عموماً، بما فيها الغاز، مع ارتفاع كلفة النقل والتأمين وتزايد الضبابية، ما يرفع احتمال تباطؤ اقتصادي واسع النطاق إذا طال أمد الصدمة.

من الأكثر تضرراً؟
آسيا.. أول المتأثرين فعلياً
تبدو آسيا الحلقة الأكثر هشاشة في حال تعطّل جزء من صادرات النفط من الخليج في حال اندلاع المواجهة. بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، فإنّ غالبية النفط العابر لمضيق «هرمز» تتجه إلى الأسواق الآسيوية، حيث تمثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية أبرز الوجهات الرئيسية لهذه التدفقات. وتعتمد هذه الاقتصادات الصناعية بشكل كبير على واردات الطاقة لتغذية قطاعاتها الإنتاجية الثقيلة.
أي تعطيل مباشر، أو جزئي، في الإمدادات، سيضغط على تكاليف التصنيع والنقل، ما ينعكس على معدلات النمو الصناعي، ويضع البنوك المركزية الآسيوية أمام معادلة صعبة بين احتواء التضخم والحفاظ على وتيرة النمو.
أوروبا.. هشاشة ما بعد أزمة الطاقة
أما أوروبا، التي تعاني من أزمة طاقة حادة أعقبت الحرب في أوكرانيا، فأصبحت أكثر حساسية لأي صدمة جديدة في أسعار النفط. فقد شكّل ارتفاع أسعار الطاقة في 2022–2023م المحرك الأساسي لموجة التضخم التي ضربت القارة، وأثّر مباشرة في تكاليف الإنتاج والمعيشة.
ورغم محاولات تنويع الإمدادات وتقليص الاعتماد على مصادر بعينها، لا تزال أوروبا تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين احتياجاتها، ما يجعلها عرضة لعودة الضغوط التضخمية وتباطؤ النمو إذا ارتفعت الأسعار مجدداً.
الولايات المتحدة.. تأثير غير مباشر لكن ملموس
الولايات المتحدة أقل اعتماداً على واردات نفط غرب آسيا مقارنةً بشرق آسيا وأوروبا، بفضل ارتفاع إنتاجها المحلي خلال العقد الأخير. إلا أنّها ليست بمنأى عن الصدمة، لأنّ أسعار النفط تُحدَّد عالمياً، ما يعني أنّ أي قفزة في السوق الدولية ستنعكس على أسعار المحروقات داخل الولايات المتحدة حتى في غياب نقص مباشر في الإمدادات.
وبما أنّ الطاقة تمثل عنصراً مؤثراً في معدلات التضخم، فإنّ أي قفزة في أسعار النفط قد تتحول إلى قضية اقتصادية داخلية، بل وسياسية، خاصة في سنة انتخابية.
بمعنى آخر، حتى لو لم تتضرر الولايات المتحدة من حيث الإمدادات الفعلية، فإنها ستتأثر عبر قناة الأسعار العالمية، وهو تأثير قد يكون اقتصادياً واجتماعياً ملموساً.

هل لدى العالم بدائل؟
في مواجهة أي اضطراب محتمل في تدفّقات النفط من غرب آسيا، يملك العالم أدوات لامتصاص الصدمة، لكنها ليست بلا حدود. وأولى هذه الأدوات هي المخزونات الاستراتيجية ً.
الخيار الثاني يتمثّل في زيادة الإنتاج من دول أخرى، سواء عبر رفع مستويات الضخ لدى كبار المنتجين أو عبر تسريع إنتاج بعض الحقول القائمة. إلا أنّ القدرة الفائضة عالمياً ليست مفتوحة، كما أنّ رفع الإنتاج يتطلب وقتاً واستقراراً لوجستياً، ما يجعل الاستجابة محدودة في المدى القصير.
أما الخيار الثالث، فهو تحويل مسارات الشحن أو استخدام خطوط أنابيب بديلة لتجاوز نقاط الاختناق. غير أنّ هذه البدائل لا تستطيع تعويض كامل الكميات العابرة لمضيق «هرمز»، كما أنّها ترفع تكاليف النقل وتُبطئ سلاسل الإمداد.
في المحصلة، يملك النظام العالمي للطاقة أدوات لاحتواء الصدمة، لكن معظمها مؤقت أو جزئي
وفي نهاية المطاف، لا يُقاس التوتر في غرب آسيا بحدوده الجغرافية، بل بارتداداته على الاقتصاد العالمي. فمضيق «هرمز» ليس مجرد ممرّ بحري، بل نقطة توازن في منظومة الطاقة الدولية، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على الأسعار والتضخم والنمو في عواصم بعيدة آلاف الكيلومترات.
نقلا عن الميادين نت

قد يعجبك ايضا