يأتي شهر رمضان المبارك كل عام بوصفه محطة إيمانية عظيمة، تتجدد فيها معاني الوعي والمسؤولية، ويُستعاد فيها ترتيب العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الفرد وأمته. وفي هذا السياق، تبرز مدرسة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في رمضان، بوصفها تجربة تربوية وفكرية متكاملة، لم تقتصر على كلمات موسمية أو دروس عابرة، بل تحولت عبر السنوات إلى مشروع متكامل لإعادة صياغة الوعي الفردي والجماعي على أساس قرآني منهجي.
تقوم هذه المدرسة على فهم القرآن الكريم ليس فقط ككتاب للتلاوة، بل كمرجعية أساسية لتشكيل الفكر والسلوك والموقف. فالسيد القائد يؤكد دائمًا أن شهر رمضان هو فرصة حقيقية للعودة إلى كتاب الله، لا باعتباره طقسًا دينيًا موسميًا، بل كمنهج حياة شامل يربط بين العبادة والواقع، بين الروح والمجتمع، وبين الفرد ومسؤولياته تجاه أمته. ومن هنا، تتحول الدروس الرمضانية إلى جسر يصل بين النص القرآني والواقع المعاش، بحيث يعي المسلم معاني دينه بوصفه رسالة حياة، لا مجرد شعائر منفصلة عن قضايا يومه ومصالح أمته.
ويأتي الصيام في قلب هذه المدرسة بوصفه تجربة تربوية متكاملة. فهو ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو ممارسة أخلاقية وروحية تهدف إلى بناء الإنسان المنضبط الواعي. الصيام، بحسب رؤية السيد القائد، مدرسة لصقل النفس، وتعزيز الصبر، وترسيخ التقوى، وبناء الإرادة على أسس أخلاقية وروحية صلبة. ومن خلال هذا الفهم، يصبح رمضان فرصة لإعادة تشكيل الشخصية المؤمنة، التي تجمع بين صفاء الإيمان وقوة الموقف، بين العبادة والعمل الصالح، وبين الالتزام الفردي والمسؤولية الاجتماعية.
كما أن هذه المدرسة تركز على تعزيز الوعي الجمعي داخل المجتمع. فالدروس الرمضانية لا تتوقف عند الفرد، بل تمتد لتشمل المجتمع بوصفه وحدة متكاملة تواجه تحديات متعددة. فهي تدعو إلى إدراك طبيعة الصراعات والتحديات التي تواجه الأمة، وتعزز قيم الصمود والثبات، وتدفع إلى ترسيخ التعاون والتكافل الاجتماعي. وفي هذا الإطار، تتحول الدروس إلى أداة لتوحيد الوجدان الشعبي، وبناء وعي جماعي يستند إلى المبادئ القرآنية والقيم الأخلاقية، ويشكل أساسًا لمواجهة الأزمات بثبات وصبر.
من أبرز مميزات مدرسة السيد القائد في رمضان أنها تربط بين العبادة والواقع، فلا تُقدَّم الطاعات بوصفها شعائر منفصلة، بل باعتبارها قوة تغيير روحية وأخلاقية. فالإنسان الذي يتربى على الصيام والقيام وتلاوة القرآن يصبح أكثر قدرة على ضبط النفس، وتحمل المسؤولية، ومواجهة التحديات بروح إيمانية عالية. وهكذا يتحول رمضان من موسم عابر إلى محطة سنوية لإعادة بناء الإنسان على أساس الإيمان والوعي والموقف المسؤول.
وتسهم هذه المدرسة أيضًا في ترسيخ ثقافة الاستقلال والكرامة، ودفع الأمة نحو التحرر من التبعية الفكرية والسياسية، واستعادة الثقة بالهوية الإسلامية والمنهج القرآني. فهي تقدم رؤية حضارية تؤكد أن نهضة الأمة تبدأ من تصحيح المفاهيم، وبناء الإنسان الواعي، وترسيخ القيم الأخلاقية في الواقع الاجتماعي والسياسي. كما تسعى إلى إبراز العلاقة بين الفهم الديني العميق والقدرة على مواجهة التحديات العملية، لتصبح الأمة أكثر صلابة وثباتًا في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.
إن أهمية هذه المدرسة الرمضانية تكمن في شموليتها وارتباطها بالواقع اليومي، فهي تجمع بين التربية الإيمانية والوعي السياسي والبصيرة القرآنية، وتعمل على بناء الإنسان المؤمن، وتعزيز الروابط الاجتماعية، وترسيخ المسؤولية تجاه القضايا المصيرية للأمة. وفي زمن تتكاثر فيه الضغوط والتحديات، تصبح هذه الدروس محطة مهمة لتجديد العهد مع الله، ومع القيم القرآنية، ومع الالتزام الوطني والمجتمعي في مواجهة الظلم والاستبداد.
ولا تقتصر مدرسة السيد القائد على الجانب الفردي والاجتماعي، بل تمتد لتشمل بعدًا حضاريًا وثقافيًا، إذ تدعو إلى استعادة الثقة بالهوية الإسلامية، وتجديد الفهم الصحيح للقيم القرآنية، وربطها بالواقع المعاصر للأمة. فهي رؤية عملية تسعى إلى بناء مجتمع واعٍ قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والثقافية، مجتمع يؤمن بالحق، ويصون كرامته، ويعمل على تحقيق العدالة والوعي المستنير.
وبذلك، تتحول دروس رمضان في إطار هذه المدرسة إلى مشروع متكامل لبناء الإنسان والمجتمع معًا؛ مشروع يربط بين الإيمان والعمل، وبين العبادة والموقف، وبين القرآن والحياة اليومية، ليصبح رمضان ليس مجرد شهر للعبادة، بل محطة لإعادة شحن الوعي، وتجديد الروح، وتعميق الانتماء للقيم القرآنية، وصناعة إنسان مؤمن قادر على مواجهة التحديات بثبات وإيمان.
وهكذا، تبقى مدرسة السيد القائد في رمضان نموذجًا فريدًا في الجمع بين العبادة والواقع، بين الروح والموقف، بين الفرد والمجتمع، لتظل دروسها سنويًا منارة هداية، ورافعة لتجديد العهد مع القرآن، وبناء الإنسان الواعي الذي يصون كرامته، ويجدد رسالته، ويستعد لمواجهة كل التحديات بثبات وعزيمة وإيمان عميق.
