روى لـ “الثورة” حكاية العودة إلى الأرض: العريجي: قررت أن أعيش لأرضي فهي الخير والبركة ومن خيراتها عرفت معنى العزة

 

العودة إلى الزراعة ساعدت في تحسين دخل كثير من الموظفين

الثورة / يحيى محمد
شهدت الأراضي الزراعية في اليمن إقبالا ملحوظا خلال سنوات العدوان والحصار، فقد اختار الإنسان اليمني طريق العزة والكرامة وكسر الحصار ومواجهة العدوان، وبفضل من الله تمكن الكثيرون من زراعة محاصيل وفيرة الإنتاج من خلالها حققوا اكتفاءهم ذاتيا واتجهوا بالفائض نحو السوق المحلي فجنوا دخلا عوضهم عما خسروا جراء ما تعرضت له البلاد من عدوان ومن موجات ارتفاع حاد في الأسعار وانقطاع المرتبات.
الكثير من العاملين في سلك الوظيفة الرسمية لاسيما أولئك الذين هاجروا من قراهم تاركين خلفهم أراض زراعية وفضلوا الالتحاق بالوظيفة في المدن، ونتيجة لتوقف صرف الراتب عقب نقل البنك إلى عدن، وفشل حكومة الفنادق في توفير الراتب أو حتى التحكم في حركة النقد وغلاء المعيشة كل ذلك جعله يفكر في العودة لزراعة المحاصيل الزراعية لتحقيق اكتفاء ذاتي لأهله من زراعة الحبوب ومختلف البقوليات في أرضه التي وفرت عليه عناء شرائها في ظل انقطاع المرتبات.
وأوضح الكثير من العائدين أن زراعة أراضيهم ساعدهم في تحسين دخولهم وتقديم المساعدة للكثير من المعسرين الذين يعانون الفقر المدقع بسبب فقدان فرص العمل نتيجة العدوان والحصار، ويعد المدرس الأربعيني(محمد محمد العريجي) من إحدى مديريات محافظة حجة أحد هذه النماذج الشامخة التي بكل عزة وكرامة أبت إلا أن تعيد للإنسان اليمني علاقته الحميمة بمعشوقتة الأبدية الأرض، هذا النموذج يروي لنا حكايته مع انقطاع الراتب، وكيف عاد إلى أحضان الأرض فيقول:
تركت العمل في الأرض مع الوالد وتوجهت إلى صنعاء فدرست في الجامعة وعندما تخرجت من كلية التربية- قسم كيمياء توظفت في فترة يمننة المدرس اليمني، وتزوجت من البلاد، وظلت زوجتي في بيتنا بالقرية، فقد كان الوالد مستمراً في الاعتناء بالأرض والعمل في زراعة الحبوب وبعض البقوليات والخضروات ومنها يكتفي ذاتيا ويبيع الفائض مع ما يتحصل عليه من وراعة القات الذي كان رحمه الله يتركه أيام الصيف ينمو مع المطر، وفي أيام الشتاء يسقيه ثم يبيعه.
يوجد في أرضنا التي هي عبارة عن مدرجات بركة قام الوالد بحفرها وبناء جدرانها وتلبيس الحجارة بمادة الإسمنت والعازل الإسمنتي، ويقوم بحصاد مياه الأمطار في موسم الصيف، ومن ثم يستغلها في سقي القات أيام الشتاء لأن قيمته تكون مرتفعة، بالإضافة إلى إرواء ما يقوم بزراعته من المحاصيل الشتوية من خضروات كالطماط والبطاط، والكوسة، والبامية، والبيعة والفجل (القشمي) للاستهلاك المنزلي، والقات يبيعه ويصرف عليَّ أنا وأختي في الجامعة، والحمدلله كلنا تخرجنا من الجامعة الأول طبيب، والثاني مهندس إلكترونيات، وأنا أصبحت معلماً، أخواي كان حظهما جيداً، فقد عملا في القطاع الخاص الطبيب اشتغل في مستشفى خاص، والمهندس الالكتروني استدان له ضماراً وفتح له محل موبايلات.
حالهم سابر، أما حالي فقد “امتحق” بسبب أني مدرس، وفي مدرسة حكومية، كان مرتبي بالكاد يكفيني إيجاراً وصرفة، أما بعد أن توقف صرف المرتبات فقد تحولت إلى معدم، فقير لا يملك قوت يومه، حاولت الاستمرار في سلك التدريس كخدمة وطنية وواجب إنساني، لكني فشلت أمام شدة إلحاح صاحب البيت على استمرار دفع الإيجار، وضيق حال إخوتي بعد وفاة والدي الذي استمر يدعمني بالإيجار وبعض المصاريف كنت أتحصل عليها من إخوتي، وبعد وفاة والدي لم يكن في القرية سوى والدتي الكبيرة في السن.
ضيق الحال، وحاجة أمي إلى من يقف على رعايتها اضطرني العودة إلى القرية، وفي القرية تغير الحال 360 درجة نحو الإيجاب، حيث اكتشف أني كنت مغفلا حين تركت الأرض والعناية بها وفضلت عليها الوظيفة.. رجعت مع زوجتي واولادي، وهناك في القرية أطلق لي إخوتي الأرض وقالوا ازرع نصيبك ونصيبنا واكف نفسك، والحمد لله لم أعد أفكر في العودة إلى المدينة ومظاهرها الكاذبة.. لقد قررت أن أعيش لأرضي، فهي الخير والبركة، ومن خيراتها عرفت معنى العزة، ولذة أن يأكل المرء من عرق جنبيه، ومن طيبات أرضه.
الآن أزرع الذرة الرفيعة بأنواعها وأحصد منها ما يكفي صرفة العام، وأبيع منها ما بين 15 – 20 قدحا في كل موسم بقيمة القدح من 10 – 12 ألف ريال، وكذلك أزرع الدخن، وحب العزيز، والبسباس البلدي، وعنب الفلفل، والمانجو، والبن للاستهلاك العائلي، وأجمع البسباس وحب العزبز بكميات أتحصل منها على 50 – 70 ألف ريال في السنة، بالإضافة إلى القات الذي أزرعه .
طبعا كل وسائلي الزراعية لا تزال تقليدية، فالحراثة بالثور والحمار، وأشغب الأرض بمفرس، وتساعدني الزوجة والأولاد في الذري والحصاد وتجميع الأعلاف وتكويمها على شكل أهرامات لحفظها حتى الشتاء، وأيام الخير نعطي البقرة والثور والحمار علفاً طرياً، أما الأغنام فيذهب بها الأولاد الصغار إلى المراعي.
الآن، الحمد لله أعيش حياة مستقرة، ومن خيرات أرضي آكل وأبيع ،وأشتري ما تبقى من المصاريف والملابس وما نحتاجة من الكماليات.. هذه هي حكايتي مع انقطاع الراتب والعودة إلى أحضان الأرض، والحمد لله نقلت وظيفتي كمدرس إلى مدرسة القرية، وأقوم مع زملائي من المدرسين في القرية بالتناوب على تدريس أبناء القرية كواجب وطني وبنصف راتب مع الناس إلى حين ميسرة.
وعن ماذا قدم فرسان التنمية وأعضاء اللجان الزراعية ووحدة الحراثة المجتمعية لمشروعه؟ أجاب العريجي: وحدة الحراثة تقدم تسهيلات في مجال الحراثة بأسعار 7500 – 8000 للساعة حراثة بنقص 40 % عن أسعار الحراثات الخاصة، لكن أراضي مدرجات والحراثات لا تصلح لحراثتها فأستخدم الثور والحمار، أما فرسان التنمية واللجان الزراعية فيقومون مشكورين بعمل الجلسات التوعوية بأهمية الزراعية وضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي من منطلق أن من لا يملك قوته لا يملك قراره، وقد حققوا الكثير في جانب رفع مستوى المجتمع الريفي وعملوا على إحياء الكثير من العادات والأعراف الحميدة التي كانت قد اندثرت داخل المجتمع في مجال المشاركة المجتمعية في التنمية من خلال العانة والغرم والجايش والهبة والنكف القبلي في مجالات استصلاح الأراضي وإعادة تأهيل البرك والسدود والحواجز وكرفانات حصاد مياه الأمطار، وأعادوا إلى الناس الثقة بالنفس والتوكل على الله.

قد يعجبك ايضا