أســر هجرت منازلها واتخذت من ساحات الحرية والتغيير وطنا ومسكنا

حين قاد الشباب التغيير في فبراير 2011م كان مجتمع الأعمال منقسم بين مرحب ومعارض لها رغم الترحيب العاطفي الذي بدا على الكثير من رجال الأعمال آملاٍ أن تنتج نظاما جديدا يحقق الأمن والاستقرار ويبني دولة النظام والقانون فحين كانت قلوبهم مع الثورة كانت شركاتهم ومصانعهم تتعرض للخسارة نتيجة لانعدام المشتقات النفطية وتفاقم مشاكل الأمن وعدم الاستقرار والتقطعات لكنهم صبروا وفضلوا الصمت أملا في نجاح أحلام الشباب.
الرأس المال الوطني بشكل عام أنقذ الاقتصاد الوطني من الانهيار فتماسكه كان أساسا لبقاء الأعمال والشركات والمصانع مفتوحة رغم تحديات تفوق الخيال فكان هو المستحق للتكريم.

مثلما تصدر شباب اليمن طلائع الدور النضالي السلمي وقادوا الشرارة الأولى لثورة التغيير فوهبوا أنفسهم وقدموا أرواحهم رخيصة من أجل الوطن كان لهم الفضل أيضا في تأسيس ساحات الحرية والتغيير وفي إقناع أسرهم بعد ذلك للمشاركة معهم في الاعتصامات والمسيرات الاحتجاجية التي شهدتها مختلف عواصم المحافظات اليمنية للمطالبة بالتغيير ورغم المخاطر التي كانت تحيط بالساحات والدماء التي نزفت والأرواح التي سقطت كانت ساحات وميادين الحرية والتغيير تشهد كل يوم إقبالا متزايداٍ من قبل الرجال والنساء بمختلف شرائحهم وتوجهاتهم.. أسر بأكملها سواء في صنعاء أو عدن أو تعز أو إب أو ذمار وغيرها هجرت منازلها واتخذت من ساحات الحرية والتغيير ملجأ ومسكنا واعتبرته وطنها الجديد وهناك نصبت عائلات وأسر الخيام وسط جموع المعتصمين وقضت الأيام والليالي والشهور مرابطة في الساحات ولم تغادرها وأسر أخرى كانت تحرص على الحضور إلى الساحات منذ الصباح ولا تعود إلى منازلها وخصوصا الأمهات والأخوات وبعض أرباب الأسر إلا عند حلول الظلام فيما كان بقية أفراد الأسر مقيمين في مخيمات الاعتصام لا يبرحونها وفي اليوم التالي كان بقية أفراد الأسر يعودون إلى الساحات للمشاركة في الاعتصامات والمسيرات والفعاليات التي كانت تقام بشكل يومي.. ومثل التواجد والنسيج الأسري داخل الساحات مشهدا خلاقا وبديعا من مشاهد الثورة الشبابية الشعبية السلمية التي أدهشت العالم…
جميلة أحمد غالب خرجت مع زوجها وأبنائها إلى ساحة التغيير يفترشون الأرض ويلتحفون السماء يجمعهم هدف واحد هو إحداث التغيير ولم تكتف السيدة جميلة بأنها خرجت مع أبنائها إلى الساحة بل حملت على عاتقها منذ وقت مبكر مسؤولية الإسهام بإعداد المأكولات للمئات من الشباب المرابطين في ساحة الجامعة كل يوم.. ورفد المطعم الميداني بكميات كبيرة من الأرز والقمح والسكر والزيوت و… وقالت إنما قامت به هو أقل الواجب للشباب الذين يصنعون مستقبل اليمن ويتعرضون للكثير من الأخطار والأذى ويتلقون الرصاص الحي بصدورهم العارية.. وكانت كل يوم تستقطب من حاراتها ومن الأحياء المجاورة أعدادا من النساء للحضور إلى حيث المعتصمين والانضمام إلى فصيل النساء المتواجدات هناك سواء في المخيمات أو تحت لهيب الشمس.

لبيك يا وطن
عبدالسلام الحداد خرج مع أولاده إلى ساحة التغيير وشارك في الاعتصامات والفعاليات التي كانت تقام في الساحة منذ الأيام الأولى للثورة ولم يكن يرجع إلى البيت إلا عند الثامنة وأحيانا التاسعة ليلا وبعد مرور قرابة شهر أصحب بقية أفراد الأسرة (الزوجة والبنات) إلى الساحة ونصبوا لهم خيمة فيها وكانوا معظم الوقت يبتون فيها هاجرين منزلهم معظم أيام الأسبوع وظلوا كذلك حتى مطلع العام 2012 يستنشقون نسائم الحرية والأمان الذي افتقدوه طويلا ويشاركون في صنع مستقبل أفضل للوطن.. يقول عبدالسلام الحداد “انتظرت سنوات طويلة لليوم الذي سيعلن فيه الناس بمختلف شرائحهم وفي مقدمتهم الشباب رفضهم لهذا الواقع المرير ويطالبون بتغييره وكنت أقول متى سيأتي هذا اليوم وعندما جاء اليوم لم أتردد لحظة في الخروج والمشاركة ومعي أبنائي لنقول للظلم كفى وللطغيان ارحل وللوطن لبيك خرجنا لم نخشِ المخاطر والمواجهات لم نخش الموت لأننا نبحث عن الحرية ونبحث عن الكرامة المفقودة فنذرنا أرواحنا من أجل أن نستعيد للوطن كرامته المنتهكة من أجل استعادة الحقوق المسلوبة من أجل الحرية ومن أجل المواطنة المتساوية ومن أجل حياة كريمة وحقوق مصانة من أجل عزة الوطن وأمنه واستقراره ومن أجل مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة”.

حضور ومشاركة
وهذه إحدى الأمهات اتخذت من ساحة التغيير مسكنا هي وزوجها وأولادها طيلة فترة الاعتصام وكانت تبيت مع زوجها وأبنائها في الساحة خلال أيام الإجازات
تقول إحسان أحمد: كنا منذ بداية ثورة التغيير أنا وأولادي وزوجي في ساحة التغيير وكنا نحرص على الحضور بشكل يومي إلى الساحة وأحيانا نبيت فيها وخصوصا أيام الإجازات..
وتضيف: كان هدفنا في الخروج إلى الساحة مشاركة الشباب والرجال والنساء في الاعتصامات من أجل تغيير النظام.. وصنع حياة أفضل ومستقبل جديد لأولادي.. وتضيف شاركنا وصمدنا في الميدان طوال تلك الشهور لتغيير واقعنا المؤلم. وكنا عندما ندخل إلى الساحة نشعر بالحرية والاعتزاز وبالمواطنة المتساوية..

تضحيات
عبدالله أحمد هو الآخر واحد من الأشخاص الذين سكنوا ساحة الحرية بتعز مع أسرهم وعاشوا أجمل الأيام والليالي هناك رغم أحد أبنائه تعرض لخطر الموت إثر إصابته بطلق ناري في إحدى المسيرات التي كانت تخرج من الساحة ويتم مواجهتها بشراسة من قوات النظام السابق كما جرح ابن آخر له عشية جريمة محرقة ساحة الحرية وتعرض هو للإغماء..
يقول: “خرجنا إلى ساحة الحرية من أجل التغيير رغم أننا كنا ندرك حجم المخاطر التي ستلحق بنا وأن حجم التضحيات ستكون كبيرة وأننا قد ندفع أرواحنا ولكن لكل ثورة لا بد من تضحيات وفعلا كانت المخاطر كبيرة وأصيب أحد أبنائي بإصابة خطيرة ومع ذلك كانت الفترة التي عشناها في ساحة الحرية من أجمل الأيام والليالي التي لن تنسى شكلنا نسيجا اجتماعيا واحدا رغم توجهاتنا المختلفة وتلاحما وطنيا خلاقا كأننا أسرة واحدة رغم تبايناتنا في مشهد وحدوي تلاحمي ثوري تماهت فيه كل الأنا والمصالح الضيقة أو الشخصية أو الفئوية أو…. لأن هدفنا كان واحدا وهو تغيير النظام وبناء يمن جديد..

نماذج
جميلة وعبدالسلام وعبدالله وإحسان نماذج لأسر يمنية خرجت بكامل أفراد أسرتها إلى ساحات وميادين التغيير رفضا للظلم وللواقع الأليم الذي عاشوه وعشناه معهم طوال عقود مضت وعندما حانت الفرصة ولاح في الأفق بوادر للتغيير لم تتوان هذه الأسر عن الخروج ولم تظل قابعة في منازلها تراقب الحدث عن بعد بل سارعت للمشاركة في صنع الحدث الكبير الذي سيغير وجه التاريخ في اليمن وما سردناه عن هذه الأسر هو مجرد لمحات من تاريخ النضال الذي خاضته في دروب الحرية والتغيير مع عشرات بل مئات الأسر الأخرى التي هجرت منازلها وخرجت بكل إصرار وعزيمة متسلحة بالإرادة إلى الساحات في مختلف المحافظات تفترش الأرض وتلتحف السماء كانت حرارة الشمس الحارقة وقت الظهيرة وهي تلفح وجوههم تمنحهم المزيد من الإصرار على البقاء والاستمرار في النضال السلمي مثلما كان البرد القارس والأمطار التي كانت تنهمر والسيول التي كانت تتدفق إلى الميادين والساحات والمخاوف والمخاطر التي كانت تحدق بهم من كل صوب.. كلها كانت حافزا كبيرا لهم للبقاء هناك والمضي نحو الهدف الأكبر الذي خرج الجميع من أجله.

قد يعجبك ايضا