الكتابات الفكرية والسياسية والإنسانية للأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن حبتور «موسوعة وطنية وشهادة عصر وإنجاز توثيقي وفكري فريد» (2)
سامي عطا
في زمن تتداخل فيه الأقلام بالسيوف، وتختلط فيه الشهادات بالانحيازات، يطل علينا المفكر والأكاديمي والسياسي الدكتور عبدالعزيز بن حبتور بجزئه الثاني من موسوعته الفكرية الضخمة، ليقدم لنا أكثر من مجرد كتاب؛ يقدم لنا تجربةً وموقفاً وشهادةً من قلب الزمن اليمني الصعب.
اليمن.. سردية من داخلها
لم يكتب بن حبتور من بعيد، ولم يتوارَ خلف استعارات أكاديمية جافة. لقد عاش ما كتب، وقاد حيث حلل، وصنع القرار بينما هو يوثقه. وهذه هي المفارقة العظيمة في هذا الكتاب، إذ ستجد نفسك أمام قلم مفكر، لكنك تشعر بأنك أمام فعلٍ مقاومٍ بالحرف والكلمة.
بين دفتي هذا السفر، يتحول التاريخ اليمني من “ماضٍ يُقرأ” إلى “حاضرٍ يُصارع”. من أزقة عدن التي ينزف جرحها، إلى صمود صنعاء الأسطوري، ينتقل بن حبتور بقارئه انتقالاتٍ سينمائية، تارة بروية المؤرخ، وتارة بحدة الخطيب الثائر.
لغة بن حبتور.. سيف ذو حدين من البلاغة والعاطفة
لا يمكن الحديث عن هذا الكتاب دون التوقف عند أسلوب بن حبتور الفريد. إنه يمزج بين رصانة العالم الجامعي ولهيب العاطفة الوطنية. لغته ليست لغة تقارير جافة، بل هي لغة ملحمية تتميز بما يلي:
* فهو حين يصف العدوان، لا يذكر أرقام الطائرات فقط، بل “ينحت” مشاهد الخراب بقلمه كمن ينقش لوحة حزينة.
* وحين يهاجم الخيانة، لا يكتفي بالوصف، بل “يجلد” بالكلمة، ويُسمع القارئ وقع السوط في مفرداته القاسية (“عمالة”، “ارتزاق”، “فتات”).
* وحين يكتب عن رحيل رفيق درب، يتحول قلمه إلى ناي حزين، يترجم الألم الإنساني بلغة شاعرية تشد الأوصال.
إنها بلاغة الصادق الذي آمن بقضيته، قبل أن تكون بلاغة الكاتب المحترف الذي يبحث عن زينة القول.
لماذا نقرأ هذا الكتاب؟
* لأنه وثيقة: لن تجد في أي مكان آخر شهادة سياسية وعسكرية بهذه التفاصيل، من رجل كان على رأس جامعة عدن ثم على رأس حكومة “الإنقاذ الوطني”. إنه يقدم رواية “الآخر” الموثقة والمدعومة بالوقائع، بعيداً عن الدعايات الإعلامية.
* لأنه مدرسة وطنية: في زمن تغيرت فيه البوصلات، يقف بن حبتور كالصخرة، مخلصاً لوحدة اليمن، مناوئاً للتطبيع، معادياً للتبعية. هو يؤكد، وبكل فخر، أن “الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية”.
* لأنه إنساني: لن يقرأ القارئ هذا الكتاب كسياسي فحسب، بل سيبكي مع الشاعر وهو يرثي “أبوبكر سالم بلفقيه”، وسيغضب مع المواطن على حال “عدن الخرساء”، وسينتفض مع الوطني ضد “صفقة القرن”.
* لأنه معجم أبطال: القسم الثاني من الكتاب (المراثي) هو بمثابة “قاعة مشاهير” لليمن الحديث. يستعيد بن حبتور بعناية فائقة سير مئات الشخصيات التي صنعت النهضة الثقافية والعلمية في اليمن، ويخرجها من غياهب النسيان، ليكون هذا الكتاب بريداً في خلودهم.
خلاصة القول: “الكتابات الفكرية والسياسية والإنسانية” ليس مجرد كتاب يُقرأ؛ بل هو شهادة أمام التاريخ. هو قلم شجاع، وقلب كبير، وعقل محلل، اجتمعا في مئات الصفحات من النور. إذا أردت أن تفهم اليمن بعمقه الجريح وانتصاراته الصامدة، فاجعل هذا الكتاب بوصلتك. فهو ليس تاريخاً لانتصار، بل هو نصرٌ آخر بالقلم والكلمة.
وأخيراً يمكن القول إن الكتاب بجزأيه الأول والثاني الذي تعدت صفحاته الألف صفحة ونيف، مفخرة أدبية وسياسية تستحق أن تكون في مكتبة كل يمني وكل عربي غيور على أمته.
يتبع
