خارطة وعي في مواجهة ولاية الطاغوت

سند الصيادي

في خطابه بمناسبة ذكرى يوم الغدير ـ يوم الولاية ـ قدّم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي قراءة عميقة لطبيعة الصراع القائم، باعتباره صراعاً ممتداً بين خطين واضحين: ولاية الله في مواجهة ولاية الطاغوت، وعلى هذه القاعدة المركزية انطلق في تشخيص الواقع، وكشف المخططات، وتحديد الموقف، مستنداً إلى الرؤية القرآنية التي تتعامل مع الأحداث باعتبارها حلقات مترابطة في مشروع طغياني عالمي تقوده أمريكا وإسرائيل.
لقد رسّخ الخطاب، بالشواهد والمواقف، أن العداء للكيان الصهيوني والمشروع الأمريكي يمثل موقفاً قرآنياً أصيلاً، ثابتاً في جذوره، ممتداً في أثره، ومتجاوزاً لكل الحسابات الآنية والظروف السياسية العابرة، ومن هنا تكتسب هذه المواجهة بعدها الإيماني والأخلاقي، بوصفها موقف من الظلم والطغيان والاستكبار.
ومن أهم ما يكشفه الخطاب أنه يفضح، بصورة استباقية، آليات التوريط التي يمارسها المشروع الأمريكي بحق شعوب ودول المنطقة، فواشنطن لا تريد من القوى العربية والإسلامية إلا أن تتحول إلى أدوات في خدمة العدو الصهيوني، وأن تُستنزف في حروب بالوكالة لحماية كيانه وتأمين مشاريعه التوسعية، وهذا التورط، سقوط في مسار ولاية الطاغوت، وما يترتب عليه من خسران ديني ودنيوي، ومن عار وخزي وندم.
ويرى القائد أن العدوان على فلسطين ولبنان حلقة في مسلسل المخطط الأكبر المتمثل في مشروع “إسرائيل الكبرى” وما يسمى بتغيير الشرق الأوسط، متحدثا عن الطبيعة التوسعية للعدو الصهيوني؛ ذلك العدو الذي لا يكتفي بحدود، ولا يتوقف عند بلد، ولا يرى في الأمة إلا ساحة مفتوحة للاستهداف والابتلاع، ما يفرض على الأمة موقفاً موحداً وواضحاً؛ لأن الخطر الذي تعيشه غزة أو لبنان أو سوريا، يمتد إلى المقدسات، وإلى هوية الأمة، وإلى مستقبلها ووجودها.
وفي هذا السياق، يأتي حديث السيد القائد عن الجهوزية لأي جولة من جولات التصعيد، باعتباره تعبيراً عن الثقة بالله، والتوكل عليه، والاستعداد المسؤول لمواجهة التحديات، كما أن التنسيق مع محور الجهاد والمقاومة يبرز وحدة الساحات بوصفها حقيقة فاعلة تجاوزت الشعارات، ويؤكد أن جبهة اليمن جزء أصيل من معركة الأمة الكبرى.
يوجّه الخطاب ضربة قوية للسرديات الغربية الزائفة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، من خلال التركيز على الجرائم اليومية في فلسطين ولبنان، وما يرافقها من انتهاكات وحشية تكشف سقوط المنظومة الغربية أخلاقياً وإنسانياً، فالغرب الذي يتحدث عن الحقوق والحريات هو ذاته الذي يغطي جرائم الإبادة، ويدعم القاتل، ويحاصر الضحية، ويمنح العدو شرعية الاستمرار في القتل والعدوان.
ومن هنا تتضح أهمية الخطاب في تحصين الجبهة الداخلية من الاختراق الدعائي والمعنوي؛ التي تتجاوز حقيقة العدو الى تعرية أدواته الإعلامية والسياسية التي تحاول تجميل الباطل، وتزييف الوعي، وتقديم الخضوع باعتباره واقعية، والتنازل باعتباره حكمة.
وكعادته، يحسم السيد القائد الموقف من خيارات الخنوع والاستسلام، وما يسمى بالواقعية السياسية القائمة على التنازل والتطبيع والارتهان، فهذه الخيارات، في حقيقتها، لا تمنح الأمة أمناً ولا تحفظ لها كرامة، بقدر ما تزيد العدو طمعاً وقوة، وتدفع الأمة إلى مزيد من الضعف والابتزاز.
وفي مقابل هذا المسار الخطير، يقدّم الخطاب البديل الوحيد والناجع: التولي لله وحزبه، بوصفه طريق النجاة والعزة والفلاح، التولي هنا كموقف عملي يترجم في الوعي، والثبات، والاصطفاف، ونصرة المظلومين، ورفض الهيمنة، ومواجهة مشاريع الاستكبار.
باختصار، فإن خطاب السيد القائد في ذكرى يوم الولاية يمثل وثيقة وعي استراتيجية في لحظة صراع وجودي. فهو يعيد رسم خارطة الصراع بوضوح: معسكر هدى وعدل وكرامة، في مواجهة معسكر طغيان واستكبار وإجرام، وليس هناك مساحة للحياد.
إنه خطاب تحذير من مغبة الالتحاق بمعسكر الأعداء، وخطاب تثبيت للثقة بوعد الله، وخطاب إعلان متجدد بأن المعركة مستمرة ما دام العدوان قائماً، وأن النصر وعد إلهي حتمي لمن ثبتوا على الحق، وتولوا الله ورسوله وأعلام الهدى، ورفضوا ولاية الطاغوت مهما اشتدت التحديات.

قد يعجبك ايضا