العميد راشد لـ ’’الثورة نت’’: بيان السيد القائد رسم الرؤية.. والاعتراف بـ’’أرض الصومال’’ التفاف فاشل على معادلات اليمن

الثورة نت | حاوره ـ ناصر جراده

في أعقاب بيان السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، يحفظه الله، الذي رسم ملامح رؤية استراتيجية واضحة تجاه التحركات الصهيونية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وفضح أبعاد مشروع الاعتراف بإقليم «أرض الصومال» ككيان منفصل، تتعمق الأسئلة حول خلفيات هذا التحرك وتوقيته وأهدافه العسكرية والاستراتيجية.

وفي ظل التحولات المتسارعة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي وتصاعد المواجهة الإقليمية وتداخل المشاريع الدولية، يقدّم الخبير العسكري والاستراتيجي العميد عزيز راشد، في حوار خاص لـ ’’الثورة نت’’، قراءة معمّقة تنطلق من مضامين بيان السيد القائد، وتتناول انعكاسات الاعتراف الصهيوني على أمن المنطقة والملاحة الدولية، مؤكّدًا أن ما يجري يمثل محاولة فاشلة للالتفاف على معادلات اليمن التي فرضتها القوات المسلحة.

إلى نص الحوار:

الاعتراف الصهيوني.. قراءة استراتيجية في التوقيت والدلالات

بدايةً، سيادة العميد، وفي ظل بيان السيد القائد، كيف تقرأون من الزاوية الاستراتيجية والعسكرية إعلان الكيان الصهيوني اعترافه بإقليم “أرض الصومال” ككيان منفصل؟

بدايةً، شكّل بيان السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، يحفظه الله، رؤية استراتيجية متقدمة، وموقفًا مهمًا وصريحًا يدفع الأمة العربية والإسلامية إلى تبنّي خطاب قوي وواضح تجاه العدو الصهيوني، في وقت لم تعد فيه الأنظمة العربية تجرؤ على اتخاذ مواقف مماثلة، بسبب ما لديها من التزامات واتفاقيات تُعامل حسب اعتقادهم وكأنها «كتاب منزل» لا يجوز الخروج عنها.

من الناحية العسكرية، كانت العقيدة القتالية في المنطقة قائمة تاريخيًا، وبنيت على أساس أن الأعداء الافتراضيين وفق التصنيف العسكري ومن المنظور الجيوستراتيجي، هم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني كعدوّين رئيسيين، نظرًا لاحتلال الكيان الصهيوني أجزاءً من الوطن العربي، وانتشار القواعد العسكرية الأمريكية التي تطوق الأمن القومي العربي والإسلامي من كل جانب، إلا أن هذه العقيدة تعرضت لتحريف ممنهج خلال العقدين الأخيرين، وتحولت إلى تحالفات وشراكات متعددة، ومناورات عسكرية تستهدف اليمن وإيران لما يقومان به من دعم القضية الفلسطينية والتصدي للمشاريع الأمريكية في المنطقة، كما تحاول أن ترسل رسائل إلى المنافسين الدوليين مثل روسيا والصين.

بعد أن تناولنا الرؤية العسكرية المباشرة لهذا الاعتراف، ما دلالاته في سياق الصراع الإقليمي والدولي؟

دلالات الاعتراف الصهيوني بـ«أرض الصومال» لا يمكن فصلها عن التحول الاستراتيجي الكبير الذي فرضته القوات المسلحة اليمنية، حيث أن إحكام السيطرة على البحر الأحمر مثّل ضربة قاصمة للعقيدة العسكرية الأمريكية القائمة على استخدام حاملات الطائرات كأداة حسم.. كذلك، استهداف حاملات الطائرات الأمريكية وإسقاط ثلاث طائرات «F-18» بالصواريخ الباليستية الفرط صوتية والطيران المسيّر شكّل سابقة في تاريخ الحروب البحرية، وهو ما اعترفت به القيادة الأمريكية نفسها، وصولًا إلى إعلان واشنطن وقف القتال مع اليمن.

وشاهد على ذلك تصريحات قادة البحرية الأمريكية رداً على تساؤلاتهم: «ماذا تفعل الدفاعات الجوية أمام 30 ثانية من سرعة الصواريخ اليمنية؟ إنها معجزة!»، مع تغيير عقيدتها البحرية بإخراج حاملات الطائرات من أي مواجهة بحرية مستقبلية، خصوصًا مع تقدم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجي في الحروب اللاتماثلية.

فشل الرهان الصهيوني وتحول أدوات الاستهداف

إلى أي مدى يمكن اعتبار هذه الخطوة الصهيونية تحولًا نوعيًا في أدوات الاستهداف للمنطقة، وليس مجرد موقف سياسي عابر؟

هذه الخطوة الصهيونية تمثل تحولًا نوعيًا في أدوات الاستهداف للمنطقة، لكنها ليست جديدة في جوهرها.. فالمخططات الصهيونية أُعلنت منذ عقود على ألسنة قادة الكيان أنفسهم، ’’شمعون بيريز’’ تحدث عن «الشرق الأوسط الجديد» عقب اتفاقية أوسلو، ’’وغولدا مائير’’ أعلنت رؤيتها العنصرية تجاه العرب.. هذه التصريحات لم تكن آراء فردية أو تصريحات صحافية لمتطرفين صهاينة، بل سياسات تبنتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

ابتداءً من خمسينيات القرن الماضي بمبادرة الرئيس الأمريكي أيزنهاور، مرورًا بريغان وبوش وصولاً إلى ترامب وبايدن، ظل الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني ثابتًا باعتباره أداة لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة، وهو ما يجعل هذا الاعتراف جزءًا من مشروع طويل الأمد لا موقفًا سياسيًا عابرًا.

الكيان، وبعد فشله في كسر الحصار اليمني، حاول بناء علاقات مباشرة مع أدوات محلية بدعم إماراتي لدفعها إلى مواجهة القوات المسلحة اليمنية نيابة عنه، مقابل وعود بتغطية جوية، إلا أن هذه الرهانات سقطت سريعًا.

«أرض الصومال».. في سياق مشروع تفكيك المنطقة

البيان وصف هذا التحرك بأنه جزء من مؤامرات تغيير الشرق الأوسط، كيف تفسرون ذلك؟

فعلاً، البيان وصف التحرك بأنه جزء من مؤامرات تغيير الشرق الأوسط، وهذا ينسجم مع المشاريع الصهيونية–الأمريكية السابقة في المنطقة.. هناك أهداف سابقة صرح بها ’’شمعون بيريز’’ في مذكراته عام 1993–1995 عقب اتفاقية أوسلو المشؤومة، حيث أعلن الهدف كجس نبض للعرب بدمج الكيان الصهيوني (اقتصاديًا وسياسيًا) في المنطقة تحت مصطلح «الشرق الأوسط الجديد» كمشروع أمريكي–صهيوني.

ثم جاء إعلان جورج بوش الابن عام 2004 تحت مصطلح «الشرق الأوسط الكبير» بذريعة تشكيل المنطقة من جديد لتشمل دولًا إسلامية. كذلك، أعلنت الخارجية الأمريكية عام 2006 على لسان كونداليزا رايس مصطلح «الشرق الأوسط الجديد» أثناء مواجهة حزب الله مع الكيان الصهيوني، وقالت بالحرف الواحد: «آلام المخاض لولادة شرق أوسط جديد».

تصريحات المجرم نتنياهو في 2010 حول التطبيع والشراكة الأمنية، وتصريحات نتنياهو في 2020 وترامب مع توقيع اتفاقية أبراهام مع دول خليجية، تشير إلى استمرار هذا المشروع.

كذلك، تصريحات أحد الصهاينة يقول: «لقد أخطأنا في اتفاقية سايكس بيكو عندما قسمنا العرب إلى أقطار، ونحن اليوم نسعى إلى تقسيمهم على أساس مذهبي وعرقي وطائفي، من أجل أن نفتت المفتت ونقسم المقسم ونجزئ المجزأ، ونحن نتمنى ألا تقوم الدولة اليهودية الكبرى إلا والعرب خمسة آلاف دولة».

كيف تفسرون الانقسام الإماراتي–السعودي الحاصل؟

يسعى الطرفان من خلال هذا الانقسام إلى فرض تسوية وواقع تقاسم نفوذ، شرط أن تحقق المصلحة الأمريكية والصهيونية في تأمين الممرات البحرية في البحر الأحمر والعربي وخليج عدن.

الخاسر الوحيد في هذه المعركة هم أدوات المرتزقة، وانتهت ما يسمى بـ«الشرعية»، لأنها أصبحت شرعنة قتال بين فريقين، وهذا خارج إطار الرؤية الأممية لليمن، فلا معنى للشرعية بعد اليوم إلا شرعية الداخل.

الأبعاد العسكرية للوجود الصهيوني في القرن الإفريقي

ما الذي يعنيه عسكريًا سعي الكيان لإيجاد موطئ قدم له في إقليم مطل على البحر الأحمر؟

الأهداف متعددة، أبرزها:

ـ حصار اليمن والتحكم بالسفن المتجهة عبر باب المندب.

ـ مراقبة وتفتيش السفن، ومعرفة حركة التبادل التجاري والعسكري.

ـ حصار مصر من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وبالتالي إكمال تطويق مصر من جنوب البحر الأحمر إلى شمال شرق سيناء عبر ما يسمى «أنصار بيت المقدس» وغربًا عبر التنظيمات الإرهابية التكفيرية في ليبيا وخطر الأمن القومي من الاقتتال جنوبًا في السودان.

ـ استهداف مصر اقتصاديًا عبر تهديد المصبات المائية ممثلة بسد النهضة الإثيوبي الصهيوني.

كل تلك الضغوط تهدف لإجبار مصر على التنازل إذا لم يتحرك مع الموقف اليمني، خاصة بعد إعلان الكيان على لسان نتنياهو مشروع «إحياء الشرق الأوسط الجديد»، وفي المقدمة ’’صوماليا لاند’’، وصولًا إلى مرتزقة الانتقالي الذين أعلنوا انفصالهم ثم سرعان ما تبخر.

ما تأثير ذلك على القوات المسلحة اليمنية؟

ستتأثر القوات المسلحة بنصب رادارات تجسس وتشويش على الصواريخ والطيران المسيّر والأقمار الصناعية، وهذا أهم جانب عسكري يستفيد منه الكيان إذا وطأت قدماه هناك.. لكننا نؤكد أن أي تحرك من هذا النوع سيكون مكشوفًا، والقوات المسلحة اليمنية قادرة على استهدافه قبل أن يباشر بأي عمل من هذا النوع.

تهديد الملاحة والأمن الإقليمي

ما حجم التهديد الذي يشكله أي وجود عسكري أو استخباراتي صهيوني محتمل في “أرض الصومال” على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية؟

هذا الوجود يشكل تحكمًا بمصير الأمن القومي العربي والإسلامي والغربي والأممي اقتصاديًا وعسكريًا ومعلوماتيًا، وجمع قاعدة بيانات عسكرية واقتصادية وسياسية من خلال حركة السفن والحاويات والصفقات العسكرية، وكشفها قبل أن تصل إلى بلدان الطلب.

كما ستفرض في المستقبل كيانات ومليشيات قرصنة تدخل من خلالها إلى مآرب كبرى.. مع اعتقادي أنه بدون شراكة الولايات المتحدة، وإذا لم يكن للدول الكبرى أو دول الإقليم دور، فإن أمن المنطقة معرض للخطر، خاصة الوطن العربي والمحيط الإقليمي، وسوف تتوغل هذه القوى إلى أفريقيا وتطبق أساليب استعمار واحتلال متعددة كما فعلت القوى الأوروبية سابقًا.

بيان السيد القائد رسالة ردع

أخيرًا، سيادة العميد، كيف ينظر الكيان الصهيوني إلى تصريحه بالاعتراف بـ«أرض الصومال» بعد بيان السيد القائد؟

بيان السيد القائد كان رسالة ردع واضحة للكيان الصهيوني وكل الأطراف الداعمة له، مؤكّدًا أن أي محاولة للتسلل أو فرض النفوذ على «أرض الصومال» أو السيطرة على البحر الأحمر وبحر العرب كممرات استراتيجية ستصطدم بمعادلات اليمن التي فرضتها القوات المسلحة وقوى المقاومة.”

وأن الاعتراف الصهيوني يمثل محاولة فاشلة للالتفاف على هذه المعادلات.. العدو، الذي قد يراها فرصة في الانقسام الإقليمي، وجدها في الواقع نقطة ضعف أمام إرادة اليمن وشرعية الداخل والموقف الشعبي والعسكري.

بيان السيد القائد رسم الرؤية الاستراتيجية بوضوح، وأوضح أن أي تحرك عدائي سيكون محسوبًا ومكشوفًا، ما يحمي أمن اليمن والمنطقة ويجعل أي مشروع صهيوني محكومًا عليه بالفشل.

قد يعجبك ايضا