نعيش اليوم في أجواء مفعمة بالإيمان والروحانية في رحاب يوم عرفة، والذي يقف فيه حجاج بيت الله الحرام على صعيد عرفة، في مشهدية إيمانية وتظاهرة سنوية يجسدون من خلالها الوحدة الإسلامية التي فشل الساسة في تحقيقها، من كل حدب وصوب، من كل بقاع المعمورة، يقفون على صعيد واحد، بلباس واحد، وهتاف واحد ( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، لا فرق بين غني وفقير، ولا أبيض ولا أسود، ولا عربي ولا أعجمي، الكل يرسمون لوحة الوحدة الإسلامية التي ترهب وترعب أعداء الله وفي مقدمتهم الصهاينة والأمريكان، الذين يعملون ليلًا و نهارُا من أجل الحيلولة دون استمرارية هذه المشهدية الإيمانية، التي تشكل الرد العملي على حالة الخذلان والخنوع والارتهان الذي عليه القادة والزعماء العرب والمسلمين، ممّن أعلنوا الولاء لواشنطن وتل أبيب، وقدّموا لهما قرابين الولاء والطاعة.
يدرك الأعداء أن اجتماع المسلمين من كل أرجاء المعمورة في موسم الحج ووقوفهم المهيب على صعيد عرفة، يشكل ضربةً موجعة لهم، وإعلان فشل لمخططاتهم ومؤامراتهم التي تستهدف الحج ويسعون بكل طاقاتهم وإمكانياتهم لإفراغه من محتواه، ووصولًا إلى اللحظة الفارقة التي يغيب فيها مشهد الوقوف المهيب للحجيج على صعيد عرفة الطاهر، بعد أن نجحوا في استهداف الأمة في قيمها ومبادئها وثوابتها، من خلال إذكاء الصراعات والخلافات وبث السموم الفكرية والثقافية في أوساطها من أجل تهيئتها للقبول بالواقع الجديد الذي يسعون لفرضه عليها بشتى الطرق والوسائل، بأدوات وأيادٍ وأموال عربية إسلامية محسوبة على هذه الأمة وشعوبها المغلوبة على أمرها .
وفي الغد يحل علينا عيد الأضحى المبارك، والذي يطلق عليه الكثير من المسلمين مسمى (العيد الكبير)؛ لارتباطه بفريضة الحج، وهو مناسبة دينية عظيمة، يجب أن نجسّد من خلالها قيم التكافل والتراحم والإحسان في أوساطنا، يجب أن نتلمّس ونتفقد أوضاع بعضنا بعضا، في إطار الأسرة الواحدة، والأحياء والحارات، هناك الكثير من الأسر الفقيرة والمعدمة المتعففة القابعة خلف أسوار منازلها، وهي بحاجة إلى من يطرق أبوابها ويتعهدها بالرعاية والاهتمام، لتعيش مع أطفالها فرحة وبهجة العيد السعيد، وهناك أسر الشهداء والمرابطين والأسرى والمفقودين من يحتاجون إلى مد يد العون لهم وتفقد أحوالهم، فهذه هي الغاية، وهذا هو المقصد من العيد.
هناك من يرفع شعار (العيد عيد العافية)، صحيح العافية أكبر عيد عند الأصحاء، وعند من ابتلاهم الله بالأمراض، ولكن للعيد فرحته التي تكتمل مع العافية، فهنيئًا لما جاد بالعطاء على ذوي الفاقة والحاجة، وتقرّب إلى الله بالصدقات والعطايا والمكرمات على مستحقيها، الله الله في التكافل والتراحم الاجتماعي، إذا ما أردنا أن تتنزل علينا بركات السماء، ويكرمنا الله بخيرات الأرض.
يحل علينا عيد الأضحى في ظل استمرارية تداعيات العدوان والحصار، والتي انعكست سلبًا على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعيشها السواد الأعظم من أبناء شعبنا، نتيجة مماطلة الجانب السعودي في تنفيذ مضامين اتفاق الهدنة معها، ذات الصلة بالاستحقاقات الإنسانية المتعلقة بصرف المرتبات وفتح مطار صنعاء ورفع القيود المفروضة على ميناء الحديدة، وهي مطالب واستحقاقات إنسانية عادلة ومشروعة، يجب الوفاء بها، مع الإشارة إلى المتغير الإيجابي النسبي الذي طرأ على الملف الإنساني، المتمثل في التوقيع على اتفاق تبادل الأسرى مع الطرف الآخر، والذي ينهي معاناة ما يزيد على 1700 أسير ومعتقل من الطرفين، بينهم أسرى سعوديون وسودانيون، وهي خطوة متقدمة، نأمل أن تكون مقدمة لانفراجة مماثلة في ذات الملف فيما يتعلق بالمرتبات، وفتح مطار صنعاء، ورفع الحصار المفروض على الموانئ اليمنية، والتي تمثل أولوية قصوى بالنسبة للقيادة الثورية والسياسية في صنعاء.
وكم كنا نأمل أن تنفذ عملية تبادل الأسرى والمعتقلين قبل حلول عيد الأضحى المبارك، لترسم الفرحة على وجوه أهالي وذوي الأسرى والمعتقلين، وفي مقدمتهم أهالي الأسرى المخفيين في سجون ومعتقلات قوى العدوان، والذي شكل الإفصاح عنهم، وإدراج قرابة الخمسين منهم ضمن قائمة الأسرى والمعتقلين الذين تم التوافق على الإفراج عنهم في العاشر من يوليو القادم، انتصارًا كبيرًا للقيادة وللإخوة في اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى، وفرحة غامرة لأسرهم وذويهم بعدما يقارب عشر سنوات من الغياب والفقدان وانقطاع الأثر والإخفاء القسري لهم، ولكن ما نأمله ونتطلع إليه هو أن تسير إجراءات ترتيب الإفراج عن الأسرى والمفقودين المشمولين في صفقة التبادل، كما هو مخطط له، ومتفق عليه، وفي الفترة الزمنية المحددة، دون أي عقبات أو عراقيل أو اجتهادات تحول دون ذلك، من أجل أن تكتمل الفرحة على وجوه الأسرى والمعتقلين وذويهم، ويلمس الجميع ثمرة هذا الإنجاز الكبير، والذي يمثل انتصارًا إنسانيًا قبل أي اعتبارات أخرى.
والعاقبة للمتقين.
