إطلاق الحملة الوطنية لمكافحة ذبح إناث وصغار المواشي خطوة استراتيجية لحماية الأمن القومي الغذائي.
مشاريع الإحسان العيدية هي ترجمة عملية لسياسة التكافل الإيماني المستدام.
الثورة / يحيى الربيعي- أحمد المالكي
رغم ما تسجله من تباين طبيعي في مستويات الأسعار بين المحافظات الرعوية المنتجة القائمة على المراعي الطبيعية، وبين المدن الحضرية المستهلكة التي تتحمل أعباءً إضافية ناتجة عن كلفة النقل ورسوم التحسين وارتفاع أسعار الأعلاف، تثبت المعطيات الميدانية في العاصمة صنعاء ومختلف المحافظات الواقعة تحت إدارة حكومة التغيير والبناء، تماسكاً بنيوياً حاسماً في مواجهة تداعيات الحصار الاقتصادي المستمر، وذلك من خلال ما تشهده أسواق المواشي في أمانة العاصمة صنعاء من تدفق غزير للثروة الحيوانية المحلية لتلبية احتياجات المواطنين في موسم عيد الأضحى المبارك لهذا العام.
ووفقاً لبيانات لجان الرقابة وتتبع الأسواق، فإن القيمة التداولية للأضاحي من الخراف والأغنام استقرت في حدودها العامة بين -100 200 ألف ريال يمني، في حين لا تتجاوز مستويات الأسعار العجول سقف 400,000 ريال يمني، بالتزامن مع استقرار نسبي في أسعار الماعز عند 150,000 ريال يمني للرأس متوسط الحجم، ما يؤكد مرونة قوى العرض والطلب وقدرة الإنتاج المحلي على كسر محاولات التضييق الممنهجة.
وتعكس حركة أسواق الأبقار والعجول حجم الثراء الحيواني الذي تتمتع به البيئة الزراعية اليمنية؛ إذ تبدأ مؤشرات الأسعار من مستويات مقدور عليها للأبقار الصغيرة، وتتدرج صعوداً لتصل إلى سقف 2.8 مليون ريال يمني للأبقار الكبيرة والضخمة التي يقبل عليها المضحون عبر آلية الشراكة الجماعية. ما يؤكد أنه، وبتوفر أنواع الماشية وبأوزان وأحجام متنوعة لم تقطع الطريق أمام أي محاولات لافتعال أزمات ندرة في المعروض فحسب، وإنما برز في ذات الوقت فشل استراتيجيات العدوان الاقتصادية التي حاولت مراراً شل الحركة الإنتاجية وإفراغ الأسواق من مقومات صمودها الذاتي.
حزم الرقابة
في السياق، تخوض الجهات الرقابية في العاصمة صنعاء معركة مستمرة لحماية الأمن الغذائي للمواطن وضبط أية محاولات للتلاعب بالأسعار، متجاوزةً التحديات الاقتصادية بفرض معادلات ميدانية حازمة بالتنسيق بين وزارة الصناعة والتجارة والمجالس المحلية ونقابة بائعي اللحوم. وقد قضت الإجراءات الرسمية بتثبيت السقف الرسمي الأقصى لسعر اللحم الغنمي البلدي عند 6,000 ريال يمني للكيلوغرام الواحد، بينما كشفت مؤشرات الرقابة الميدانية عن نجاح ملموس في هبوط الأسعار المتداولة في العديد من أسواق التجزئة لتتراوح بين 4,000 إلى 4,500 ريال، في حين يلتزم بقية التجار بالسقف المحدد، مما يعكس كفاءة لجان التفتيش المشتركة التي تقطع الطريق أمام الجشع والمضاربة.
وامتداداً لهذه السياسة الضابطة لاستقرار السوق الاستهلاكي، فرضت المؤسسة العامة للمسالخ وأسواق اللحوم قيوداً سعرية صارمة على لحم «العجل الفاصل»، محددةً سقفه الأعلى بـ 5,000 ريال يمني، وسط التزام واسع من المسالخ ومحلات الجزارة الكبرى المدعومة برقابة بيطرية مستمرة. وفي جبهة اللحم البقري، حدد التوجيه الرسمي السعر بـ 3,500 ريال يمني، بينما يسجل الواقع الميداني استقراراً يقارب 4,000 ريال في بعض منافذ التجزئة، حيث تتحرك فروع مؤسسة المسالخ في المديريات مسنودة بالشرطة البلدية لضبط المخالفين وإنهاء أي مظهر من مظاهر العشوائية.
ولأن تماسك الجبهة الاقتصادية الداخلية يتطلب تكاملاً وثيقاً بين الأجهزة الرسمية والوعي المجتمعي، فقد ضعت الوزارة قنوات تفاعلية حاسمة تتيح للمواطنين دور الشريك الفاعل في الرقابة والضبط المباشر؛ حيث دعت الجمهور إلى الإبلاغ الفوري عن أي تجاوزات سعرية عبر الرقم المجاني لعمليات وزارة الصناعة والتجارة (174)، إلى جانب تخصيص أمانة العاصمة خطوطاً ساخنة مباشرة عبر رقم عمليات الأمانة (01-284444) لقطاع المسالخ، ورقم عمليات مكتب الصناعة بالأمانة (01-253223) لقطاع اللحوم، مما يضمن تحويل بلاغات المواطنين إلى إجراءات عقابية رادعة تؤمن استقرار الأسواق.
ديناميكية السوق
ترسم حركة البيع والشراء في أسواق العاصمة صورة واضحة لمعادلة العرض والطلب المحكومة بتداعيات الحرب الاقتصادية الجائرة؛ حيث تسيطر حالة من الركود التجاري الناتجة عن شحة السيولة وتآكل المداخيل بفعل قطع مرتبات موظفي الدولة من قبل العدوان، مما أوجد وفرة كبيرة في المعروض مقابل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين. ورغم محاولات المربين وتجار الماشية المطالبة بأسعار عالية لتغطية الكلف المرتفعة للأعلاف والرعاية البيطرية والنقل، والتي تقابل بعروض المشترين التي لا تتجاوز قدراتهم الشرائية المستمدة من مستويات الدخل المتدنية، إلا أن الرغبة في فرض استمرارية ما تجود حركة السوق التجارية من عوائد للمشتغلين في حلقات سلسلة قيمة اللحوم، وحماية الأسر الريفية التي تعتمد على تسمين المواشي كمورد رئيسي لتغطية نفقات العيش الحيوية دفع الأطراف إلى المقاربة والرضي بالحدود الدنيا من العوائد.
علاوة على أنه، وأمام هذه التحديات، برزت في أوساط المجتمع اليمني أنماط استهلاكية واعية واستراتيجيات بديلة تعكس عمق التلاحم الاجتماعي؛ إذ اتسع نطاق إقبال المواطنين على شراء اللحوم البلدية بالوزن كبديل تكتيكي يضمن إحياء مظاهر العيد بمرونة مالية، إلى جانب التوسع الملحوظ في استهلاك الدجاج المحلي المجمد الذي بات يشكل رافداً أساسياً للأمن الغذائي المنزلي بفضل تنامي مشروعات الإنتاج الداخلي.
وتتجلى عظمة الروح اليمنية في شهادات المواطنين بأسواق العاصمة، حيث يؤكد الناشطون في سوق نقم للمواشي أن عجلة الحياة لم ولن تتوقف، وأن قيم التكافل والإيمان تدفع الميسورين للمبادرة بإدخال الفرحة إلى قلوب الفقراء عبر توزيع ثلثي الأضاحي كهدايا وعطايا. وهو ما تجسده الخمسينية «أم مريم» التي تعول تسعة أيتام، مؤكدة أن قسوة الظروف الناتجة عن الحصار وانقطاع الرواتب تتبدد أمام رعاية الله وتكامل الهيئات الرسمية والمحسنين الذين يؤمنون متطلبات العيش للأسر الأشد حاجة، لتتحول مناسبة العيد من مجرد طقس استهلاكي إلى جبهة تكافلية متماسكة تُسقط مراهنات الأعداء على إضعاف الروح المعنوية للشعب اليمني.
شبكات الأمان والتكافل
تنفيذاً لتوجيهات قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، وتحت إشراف حكومة التغيير والبناء، نشطت الهيئات والمؤسسات الرسمية والأهلية في تبني مشاريع إنسانية وتكافلية واسعة النطاق لامتصاص وطأة الأزمة الاقتصادية عبر مسارات تكافلية متكاملة، جاء في مقدمتها تدشين الهيئة العامة للزكاة مشاريع إحسان واستقبال العيد وضخ سيولة نقدية ضخمة بلغت 26 مليار ريال يمني، استهدفت تقديم العون المباشر لـ 583,000 أسرة محتاجة في العاصمة وبقية المحافظات لتعزيز الأمان الاجتماعي والقدرة الاستهلاكية.
وفي ذات السياق الحمائي، بادرت المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية إلى الصرف المسبق لمعاشات مستفيدي التقاعد والعجز والوفاة في القطاعين الخاص والمختلط عبر بنك التسليف التعاوني والزراعي «كاك بنك» وفروعه، بهدف توفير حياة كريمة لأسر المؤمَّن عليهم وإعانتهم على تلبية متطلبات العيد بصورة مستقرة ومنتظمة.
وعلى صعيد الدعم العيني المباشر، دشنت مؤسسة بنيان التنموية مشروع «اللحوم العيدية والأضاحي» بتوزيع 41 طناً من اللحوم البلدية الطازجة على 41 ألفاً من الأسر الأشد فقراً في أمانة العاصمة، وأجزاء من محافظات صنعاء، ومدينتي عمران والمحويت، ومديرية وشحة بحجة، بالتزامن مع مشاريع مؤسسة رعاية أسر الشهداء والمفقودين التي تولت توزيع الأضاحي العينية على عائلات الشهداء. وتكاملت هذه الجهود المعطاءة مع تنظيم «معارض كسوة العيد» التي استهدفت تقديم ملابس العيد لـ 75,000 فقير ومحتاج بتكلفة إجمالية بلغت 475 مليون ريال يمني، مما أسهم في تخفيف كاهل التجهيزات العيدية عن الأسر المعدمة.
الاكتفاء الذاتي
توضح البيانات الرسمية لوزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية أن قطاع الثروة الحيوانية يمثل ركيزة استراتيجية بنسبة مساهمة تصل إلى 23 % من الناتج المحلي الإجمالي، حيث يمتلك اليمن ما يزيد عن عشرين مليون رأس من الماشية تعتمد عليها نسبة هائلة من السكان في الريف والحضر.
وفي إطار حماية وتنمية هذا القطاع من الإهدار والذبح الجائر، دشنت اللجنة الزراعية والسمكية العليا والمؤسسة العامة للمسالخ مراحل متقدمة من «الحملة الوطنية لحماية الثروة الحيوانية ومكافحة ذبح إناث وصغار المواشي»، والتشديد على تفعيل الأطر القانونية والإجرائية لمنع ذبح الإناث والصغار الصالحة للتكاثر بما يضمن استدامة وتنمية القطيع الوطني.
وتتكامل هذه الحملة القانونية مع استراتيجية تسويق المنتج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد؛ حيث بدأت وزارة الزراعة بتنفيذ المرحلة الثانية من إنتاج وتسويق 2,500 طن من الدجاج اللاحم المجمد محلياً كبديل للمستورد، وتشجيع صغار المربين عبر تنظيم عمليات البيع بالوزن وإقرار الزراعة التعاقدية بين الجمعيات التعاونية والتجار ومسالخ الدواجن، مما يوفر خيارات اقتصادية آمنة وصحية للمستهلكين والمنتجين على حد سواء.
وعلى الصعيد الصحي والبيئي، كثف فرع مؤسسة المسالخ حملات التوعية والإرشاد حول الطرق السليمة والنظيفة لتداول ذبائح العيد، مع استكمال تجهيز المسالخ المركزية النموذجية المخصصة للذبح والفحص البيطري للتأكد من خلو الأضاحي من الأمراض المعدية، بالإضافة إلى المسالخ الفرعية. وتستهدف هذه المنظومة استيعاب أكثر من 15,000 ذبيحة خلال أيام العيد، للحد من الذبح العشوائي في الشوارع العامة وحماية البيئة من التلوث والأوبئة، مسنودة بلجان رقابية متخصصة لضبط المخالفات القانونية وبشكل خاص بحق من يقومون بذبح الإناث دون مسوغ قانوني.
الخلاصة
يكشف المشهد العام لأسواق اللحوم والأضاحي في العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة عن إدارة اقتصادية وميدانية حازمة تديرها السلطات الرسمية بكفاءة عالية للتخفيف من وطأة تداعيات الحرب الاقتصادية الخانقة. ورغم نجاح السياسة النقدية الصارمة لحكومة التغيير والبناء في كبح جماح التضخم السعري الكارثي وتثبيت أسعار الصرف واللحوم البلدية عند سقوف عادلة، إلا أن معضلة تراجع القدرة الشرائية وغياب السيولة النقدية نتيجة احتجاز رواتب موظفي الدولة يظلان التحدي الأبرز الذي يواجهه المواطن اليمني في الأسواق المحلية.
إن نشوء الأنماط الاستهلاكية الجديدة كشراء اللحوم بالوزن والاعتماد على البدائل المحلية كالدواجن المجمدة، يبرز وعياً مجتمعياً متقدماً وقدرة عالية على التكيف لكسر أهداف الحصار الاقتصادي. وفي ذات الوقت، يثبت التنسيق المؤسسي والتعاوني ومشاريع التكافل الاجتماعي الرسمية والخيرية نجاحه في توفير شبكة أمان غذائي متماسكة تحمي مئات الآلاف من الأسر الأشد فقراً وتصون كرامتها.
ويؤكد المسار العام لواقع الاستهلاك في اليمن أن استعادة عافية الأسواق بشكل كامل وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين يرتبطان ارتباطاً حتمياً ومباشراً بانتزاع الحقوق الاقتصادية والخدمية المشتركة، وفي مقدمتها استئناف صرف مرتبات موظفي الدولة وتيسير حركة النقل والتجارة الداخلية بين مختلف المحافظات اليمنية.
