لسنا دعاة حرب، ولا نعشق الدمار أو سفك الدماء، ولا نتمنى أن تمتد دائرة الصراع لتلتهم ما تبقى من أمنٍ واستقرارٍ في المنطقة، فالحروب لا تخلف سوى المآسي، وتدفع الشعوب أثمانا باهظة من أرواحها واقتصادها ومستقبل أجيالها. لكن الشعوب التي تتعرض للحصار والتجويع والاعتداءات المتكررة من جيرانها لا يمكن أن تبقى صامتة إلى ما لا نهاية، ولا أن تقبل بأن تتحول معاناتها إلى واقع دائم.
لقد أعلن اليمن، خلال السنوات الماضية، مرارا استعداده للمضي في مسار السلام، وتعامل بإيجابية مع الهدنة التي أُعلنت قبل نحو أربعة أعوام، على أمل أن تكون بداية لإنهاء الحرب ومعالجة الملفات الإنسانية العالقة. غير أن تلك المرحلة لم تحقق النتائج المرجوة، وظلت القضايا الأساسية وفي مقدمتها رفع الحصار، ودفع المرتبات، وإطلاق الأسرى، وخروج القوات الأجنبية من الأراضي اليمنية- محل أخذ ورد، ومماطلة وتهرب من قبل العدو السعودي.
ومن هذا المنطلق، جاءت معادلة الردع الجديدة التي أعلنت عنها القوات المسلحة اليمنية، والقائمة على فرض حصارٍ بحري على السعودية، باعتبارها تحولًا في مسار المواجهة، ورسالة مفادها أن استمرار الضغوط على اليمن سيقابله انتقال تأثير الصراع إلى مصالح الطرف الآخر. وأعقب ذلك استهداف سفن خالفت التحذيرات المعلنة، ثم إعلان استهداف منشآت نفطية في جيزان وينبع، ردا على قصف محافظة الحديدة وجزيرة كمران، في إطار معادلة الرد بالمثل.
إن معادلة الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد، لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت بعد سنوات من الصبر والانتظار، والمعاناة والحرمان التي تعرض لها أبناء الشعب اليمني. كما أن هذه المعادلة، وإن تأخرت كثيرا مقارنة بما كان متوقعا منذ انتهاء الهدنة، فقد جاءت في ظل تعثر تنفيذ التفاهمات التي كانت مطروحة على طاولة المفاوضات. ويعكس ذلك أن صبر الشعب اليمني قد استُنفد، وأن خيارات الضغط المقابل، أصبحت وسيلة لانتزاع الحقوق، وأن الشعب اليمني لن يقبل بعد اليوم أن يعيش محاصرا ومنزوع السيادة، ولن يتحكم في قراره وحريته أحد.
إن هذه المعادلة تمثل انتقالًا من مرحلة الصبر الطويل إلى مرحلة فرض معادلات جديدة تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، بهدف إعادة التوازن في مسار الصراع ودفع العدو السعودي إلى التعامل بجدية مع استحقاقات السلام. فسلامٌ حقيقي لا يمكن أن يقوم في ظل حصارٍ مستمر، ولا يمكن أن يستقر ما لم تصن سيادة اليمن، وتحترم حقوقه، وتعالج جذور الأزمة معالجةً عادلة وشاملة.
وهكذا، فإن معادلة الردع التي تأخرت لم تكن خيارا ترفيهيا، بل ضرورة فرضتها قسوة العدوان واستمرار الحصار. فاليوم، وبعد أن وضعت القوات اليمنية قدمها على طريق الردع المتوازن، لم يعد أمام السعودية إلا خياران لا ثالث لهما، إما السلام العادل القائم على الاعتراف بحقوق اليمن وسيادته، وإما مواجهة استحقاقات التصعيد الذي قد يخرج عن السيطرة. إن التاريخ لن يرحم من يختار الغطرسة على الحكمة، واليمن اليوم أقوى من أن يكسر، وأعظم من أن يُرهن.
