قبل موعد السفر بأسبوع، تلقيت اتصالاً من جهة إعلامية أبلغتني فيه أنه تم اختياري ضمن الفريق الإعلامي المرافق للوفد الوطني .
لم أكن أعلم أنها ستتحول لاحقاً إلى واحدة من أهم محطات حياتي .
أبديت موافقتي . . كانت تلك ستكون المرة الأولى التي أغادر فيها اليمن..
استخرجت جواز سفري، وقضيت الأيام المتبقية بين ترتيب أمور السفر، وإنهاء التزامات العمل، ووداع الأهل بصمت، قبل أن أصعد إلى العاصمة مساء الليلة التي سبقت الإقلاع .
وصلتني رسالة تحدد موعد التجمع فجراً.
انطلقت إلى مطار صنعاء، وهناك بدأت أولى فصول الحكاية.
في ساحة المطار الخارجية كان المكان مزدحماً، والانتظار طويلاً، بينما كانت الأسئلة تتزاحم في داخلي أكثر من الناس حولي
كنت أتساءل..أي ذنب اقترفه هذا الشعب حتى يصبح السفر حلماً مؤجلاً ؟
وبأي حق يُحاصر وطن كامل، ويُمنع شعب بأكمله من أبسط حقوقه، حقه في مطار، وحقه في نافذة تطل على العالم؟
وبينما كنت غارقاً في تلك الأسئلة لفت انتباهي وجود امرأتين مسنتين تجلسان بعيداً عن صالة المسافرين.
استغربت حضورهما في تلك الساعة المتأخرة من الليل.
وبعد دقائق، اقتربت مني الكبرى سناً كانت تبدو في العقد السادس من عمرها
ابتسمت ابتسامة متعبة وبلهجة أبناء تعز الدافئة قالت: يا ولدي… معك قارورة ماء زيادة؟
ناولتها قارورتي دون تردد .
عادت إلى مكانها، وبعد لحظات أشارت إليّ بيدها.
اقتربت منهما، فأخرجت من حقيبتها الصغيرة قطعة بسكويت وقدمتها لي وهي تقول:
ـ تفضل يا ابني.
ابتسمت وقلت:ـ تسلمي يا أمي… معي كعك وضعته أمي في حقيبتي قبل أن أغادر المنزل .
ابتسمت هي الأخرى، ثم سألتني:ـمسافر يا ولدي؟
أجبتها: نعم يا أمي… وأنتم أيضاً؟
تنهدت طويلاً، وكأنها أطلقت مع زفيرها سنوات من الوجع ثم قالت: لا يا ولدي… ابني هو المسافر وقد أخبرنا أنه سيصل الليلة جئنا من تعز بالأمس، وبِت عند أختي هذه واشارت بيدها للمرأه بجوارها حتى نستقبله.
سألتها: ولماذا لم يأتِ والده أو أحد إخوته بدلاً عنك؟
اغرورقت عيناها بالدموع، وقالت بصوت مكسور:
ـ لأنه ولدنا الوحيد
سافر قبل ثلاث سنوات إلى إيران لإجراء عملية في عينيه، بعدما أخبروه أن علاج العيون هناك متقدم، وأن تكلفته مناسبة.لكن المطار أُغلق
بقي ابني عالقاً هناك ثلاث سنوات كاملة.
توقفت قليلاً ثم انفجرت بالبكاء وهي تكمل:
ـ أبوه مات العام الماضي ..
أصيب بذبحة صدرية من شدة حزنه على فراقه
لم أجد ما أقوله..كانت الكلمات أصغر من أن تواسي أماً أنهكها الانتظار.
ظل سؤال يدور في رأسي لكنني لم أشأ قوله مباشرة فسألتها : أين تسكنون في تعز؟
أجابت بسرعة : عند الملاعين يا ولدي.
ثم سألتها: ولماذا لم يسافر من هناك؟
قالت:لأن الطريق كانت ستفرض عليه أكثر من رحلة، بينما كان السفر من صنعاء مباشراً.
كانت أختها تمسح دموعها، وتربت على كتفها، بينما كان أذان الفجر يرتفع من المساجد المحيطة بالمطار.
أخبرتهما أنني سأذهب للصلاة، وسأحاول أن أجد طريقة تسمح لهما بالدخول إلى صالة الانتظار.
دخلت المطار بعد إنهاء إجراءات السفر، وكان تعامل الموظفين سريعاً وسلساً.
وهناك شاهدت عدداً من قيادات الدولة وأعضاء الوفد يستعدون لصلاة الفجر جماعة.
صلينا…
وبعد الصلاة اقتربت من أحدهم، وصافحته، ورويت له قصة المرأتين.
سألني عن اسمي.
وحين أخبرته، ابتسم وقال: أهلاً بكاتبنا ..
نهض من مكانه، وأمسك بيدي، واتجهنا معاً إلى أحد مسؤولي المطار.
لم يكتفِ المسؤول بالاستماع، بل خرج بنفسه إلى المرأتين، ودعاهما للدخول إلى صالة الانتظار حتى وصول ابنهما.
نهضتا ببطء…وكانت الدعوات تسبق خطواتهما.
وحين اطمأن قلبي عليهما، عدت إلى مقعدي.
لكنني لم أعد كما كنت .
كان الغضب يكبر في داخلي .
كنت أفكر في وطن يُحاصر منذ سنوات، وفي أمهات تحولت أعمارهن إلى محطات انتظار، وفي مرضى وطلاب ومغتربين يدفعون ثمن حصار لا ذنب لهم فيه.
كل هذا سببه همجية واستكبار انظام السعودي
مرت ساعة أخرى ثقيلة ، قبل أن يقطعها صوت المذيع الداخلي معلناً وصول الطائرة.
بدأ الركاب بالظهور ..رأيت مرضى أنهكتهم السنوات، وطلاباً سرق الحصار أعمارهم، ومسافرين عادوا بعد غياب طال أكثر مما ينبغي.
ثم وقعت عيناي على تلك الأم..
كانت تحتضن ابنها بكلتا يديها، كأنها تحاول أن تعوضه عن ثلاث سنوات من الغياب في لحظة واحدة.
كان جسده نحيلاً، وعيناه تختبئان خلف نظارة طبية، بينما كانت الدموع تسبق الكلمات.
كان يبكي لأنه عاد…
ويبكي لأن أباه لم ينتظره .
كنت أشاهد وجهاً موجعاً آخر للحصار.
وجهاً لا تلتقطه عدسات الأخبار، ولا تكتبه البيانات السياسية.
وقبل أن يهدأ المشهد، دوّى صوت المذيع الداخلي مرة أخرى، طالباً من الجميع مغادرة محيط المطار، بعد ورود بلاغ عن تحليق مقاتلات سعودية في الأجواء.
حينها فقط…أدركت حجم المهمة التي كنا مقبلين عليها.
يتبع…
