حول السياسة بمنطق كل شيء ممكن!

عبد العزيز البغدادي

 

 

 

في الممارسة المنسوبة للعمل السياسي يخلط البعض بين مصطلح السياسة وبين مصطلحات أخرى أكثرها شيوعاً في حياتنا السياسية والاجتماعية والدينية -مع الأسف الشديد- مصطلح النفاق الذي هيمن على جوانب كثيرة من حياتنا بصورة لا يدركها الكثير من الناس لأسباب عدة تحولت معها السياسة بالممارسة إلى فعل مجرد من أي بُعد أخلاقي من ذلك مفهوم ( السياسة فن الممكن ) تحول إلى ( في السياسة كل شيء ممكن )، والأغرب من هذا أن من يمارس السياسة أو لعبة السياسة كما يطلق عليها البعض بهذا المفهوم أغلبهم من أصحاب التوجهات التي تدعي الدين ، وأصحاب هذه المدرسة المرعبة لا يترددون عن استباحة واستحلال كل محرم بحجة أن ذلك من مقتضيات السياسة ليثبتوا أنهم من ذوي الكفاءة في إدارة الأمور ويمارسون ذلك بفظاظة ويطوعون فيها القيم الدينية لألاعيب الساسة دون مبالاة مستخدمين بعض الألفاظ المركبة التي تحاول إخفاء النفاق عن طريق وصفه بصفة أخرى مثل (النفاق السياسي ) أو جعله مرادفاً لمصطلح (الدبلوماسية) أو يقولون عن فلان بأنه لا يقطع شَعرَة معاوية في وصف من يبالغ في المداهنة أو يتميز بالحنكة والدهاء وهم يعنون أنه لا يفرق بين الحلال والحرام في ممارسته للسياسة، ورغم أن لكل تلك المصطلحات والعبارات مدلولاتها التي تتصل بالسياسة بمعناها العام ، لكن ما تذهب إليه بعض الاستخدامات المسيِّرة للشأن العام تهدف إلى إغراق السياسة في بحر الأكاذيب بما يجعلها -كما أكرر دائماً- مرادفة لـ (فن الكذب) بدلاً عن ( فن الممكن) ، وهؤلاء ينحدرون بالسياسة من أعلى مكانة لها في الدين والقانون والدنيا إلى الدرك الأسفل من النار وفق كل الأديان والمبادئ والقيم إذ لا خير في سياسة لا ترى الحقَّ حقاً والباطل باطلاً ولا تبالي بأن يحل أي منهما مكان الآخر تلبية لرغبة حاكم ظلوم أو مستبد غشوم.
النفاق يزلزل الإنسان الفرد من داخله، وينخر المجتمعات في كل دولة يديرها المنافقون، ويعصف بالعالم في أروقة الأمم المسماة بالمتحدة ومنظماتها التي تشرف على إدارة الحروب وفق خطة يعدها مستثمرو الحروب والمآسي ومحاصرة الشعوب والتسويق لقهرها تحت عنوان محاربة الإرهاب وحماية حقوق الإنسان ورعاية الأنظمة الفاسدة والإرهابية التي صنعتها الدول المهيمنة على العالم بشكل أو بآخر وتنعتها بأنها أنظمة شرعية مهما كان حجم فسادها وطغيانها.
النفاق سوس السياسة ونواة تكوين هذا الجبروت الطاغي الذي يحكم العالم بدون حكمة ويتحكم فيه بلا ضمير ويرعى ممارسة السياسة تحت مسمى فن الممكن ليحولها إلى مجرد لعبة قذرة يمكن لأي مختل من خلال ممارستها أن يكون على رأس دولة أو منظمة دولية وبكل بساطة سواءً بالعنف أو بالحيلة وتستخدم في بعض البلدان التي تحكم باسم الإسلام الآية الكريمة (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الآية (26) سورة آل عمران ، وهذا الاستخدام الذي يخلط بين الملكية العامة والخاصة ينطوي على تسطيح للمفاهيم ومساس بالدين وهو استخدام يتيح استخدام العنف وكل الوسائل غير المشروعة ، ويجعل من خيانة الأمانة والعمالة للخارج والاستقواء به للوصول إلى السلطة وجهة نظر, ومن محاصرة شعب بأكمله وقتل أطفاله وسيلة مشروعة يدعمها ما يسمى بالمجتمع الدولي وترعاها حضرة الشرعية الدولية التي بإمكانها أن تتقبل دولا داعمة وممولة للإرهاب ضمن أو على رأس بعض منظمات حقوق الإنسان دون أن تهتز شعرة من رأس ضميرها الراعي للنظام الذي يدعي أنه يحكم العالم من واشنطن.
لقد صار النفاق بفضل هذه السياسة المهيمنة يحتل دولنا ويصنع زعماءنا ويتحكم بكل خلايا وتفاصيل حياتنا ونحن نقابل كل ذلك بالتصفيق والهتاف بالنصر دون أن نخطو الخطوة الجادة الأولى نحوه وهي أن ننتصر على ذواتنا وعلى أنانية المتحكمين بمصيرنا، ولا يمكن لهذه الخطوة أن تتم بدون الصدق ونبذ النفاق بكل صوره وأشكاله, والله وحده العالم بما تخفي الصدور وهو نعم المولى ونعم النصير.
مرّت دعاوى امتلاك الحقيقة
مثقلة بالأكاذيب والافتراء
على الله والناس .

قد يعجبك ايضا