في مشهدٍ يكاد يختصر ملامح هذا العصر بكل ما فيه من انحدارٍ أخلاقي، تُقدِم دولة الاحتلال على إصدار قانونٍ تعسفي يُجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين، في انتهاكٍ صارخٍ لكل الشرائع السماوية، والقوانين الدولية، والأعراف الإنسانية.
لم يعد الأمر مجرّد ممارسات تُرتكب في الخفاء، بل تحوّل إلى نصوصٍ مكتوبة، تُوقَّع بدمٍ بارد، وتُعلَن أمام العالم بلا خجل.
أيُّ سقوطٍ هذا الذي يجعل قتل الأسير—وهو في قبضة سجّانه—أمرًا قانونيًا؟!
وأيُّ زمنٍ هذا الذي يُكافأ فيه الجلاد، وتُدان فيه الضحية؟!
لكن الأكثر إيلامًا من الجريمة ذاتها… هو الصمت الذي يلفّها.
هنا تتجلّى المفارقة الصادمة:
قلّةٌ تقف بثباتٍ في وجه طغاة العصر، تحمل شرف المواجهة، وتدفع كلفة الموقف دمًا وتضحيات، بينما تقف كثرةٌ في صفوف المتفرّجين؛ تُحسن الصمت حين يجب الكلام، وتُتقن التراجع حين يجب التقدّم.
إنه ليس قانونًا، بل رخصةٌ مفتوحة للقتل، وتوقيعٌ رسمي على جريمةٍ مكتملة الأركان، يُراد لها أن تمرّ بلا حساب، في ظل صمتٍ عربيٍّ مريب—بل مخزٍ—يرتقي إلى مستوى التواطؤ.
تُقدِم دولة الاحتلال على تشريع إعدام الأسرى الفلسطينيين، لا لذنبٍ اقترفوه، بل لأنهم قالوا: ربُّنا الله، ولأنهم ثبتوا في وجه جلادٍ لا يعرف إلا لغة الدم.
أيُّ قانونٍ هذا الذي يُجيز قتل الأسير وهو في قبضة سجّانه؟!
أليس الأسير—في كل الشرائع، بل في أبسط القيم الإنسانية—له حق الحياة؟!
أليس ما يُسمّى بـ”القانون الدولي” يجرّم تصفية الأسرى؟!
لكن الحقيقة التي لم تعد تخفى:
أن هذا العالم الذي يتغنّى بالحقوق… هو ذاته الذي يصمت حين يكون الضحية فلسطينيًا، والمجرم صهيونيًا.
في الوقت الذي يُفترض فيه أن تهتزّ عروش العرب غضبًا، وأن تُستدعى كل أوراق القوة نصرةً للأسرى، نرى مشهدًا يبعث على الخزي:
حكّامٌ هرولوا نحو التطبيع، وفتحوا الأبواب للعدو، ومدّوا له جسور العلاقات، بينما يُمعن في قتل أبناء الأمة وسلب حقوقهم.
لم يكتفوا بالصمت… بل اختاروا موقع المتفرّج البارد، وكأن القضية لا تعنيهم، أو كأن الدم الفلسطيني لا يمتّ إليهم بصلة.
بل إن بعضهم—بصمته وتواطئه—يوفّر الغطاء السياسي والمعنوي والمادي لتمادي الاحتلال في جرائمه.
أيُّ خذلانٍ أعظم من أن يُقتل الأسير، ولا يُسمع لصوتٍ عربيٍّ رسميٍّ صدى؟!
وفي الجهة الأخرى، يبرز مشهدٌ مختلف، يفيض كرامةً وعزة:
قادةٌ لم يبدّلوا ولم يساوموا، بل ثبتوا على الموقف، وجعلوا من القضية الفلسطينية محورًا حيًا في وجدانهم وخياراتهم.
من السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي-يحفظه الله-، الذي يصدح بموقفٍ قرآنيٍّ واضح، ويجعل من نصرة فلسطين قضيةً مركزيةً لا تقبل التراجع، إلى شهيد الإسلام السيد حسن نصر الله، الذي رسم معادلات الردع، وأثبت أن العدو يفهم لغة القوة، وصولًا إلى شهيد الأمة الإمام علي خامنئي، الذي أعلنها صراحة: فلسطين قضية أمة لا شعب وحده.
لم تكن مواقفهم شعاراتٍ تُقال، بل أفعالًا تُترجم دعمًا وإسنادًا، سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، ودفعوا أثمانًا، حصارًا وضغوطًا وتضحيات، لكنهم لم ينكسروا، ولم يغيّروا بوصلتهم.
فنحن اليوم بين معسكرين لا ثالث لهما، معسكرٌ يشرعن القتل، ويصمت على الجريمة، ويهرول نحو العدو، ومعسكرٌ يقاوم، ويصمد، ويرفض أن تُغتال الكرامة.
بين من باع القضية بثمنٍ بخس، ومن حملها أمانةً ودمًا…
بين من اختار الراحة في ظل الذل، ومن اختار المواجهة في درب العزة.
ختامًا…
إن قانون إعدام الأسرى لن يكون مجرد سطرٍ في سجل الاحتلال الأسود، بل شاهدًا على زمنٍ انكشفت فيه الوجوه، وسقطت فيه الأقنعة، وعُرف فيه الرجال ومن أشباههم.
وسيبقى السؤال معلّقًا في ضمير الأمة:
هل نرضى أن نكون شهودًا على ذبح إخوتنا… أم نكون جزءًا من معركة إنقاذهم؟
فالتاريخ لا يُكتب بالأماني… بل بالمواقف، والمواقف اليوم، إمّا أن ترفع أصحابها إلى مصاف الكرامة، أو تهوي بهم إلى قاع الخزي الذي لا قرار له.
