طهران.. مشكلة نووية أم عقدة خليجية

د. فاضل الشرقي

 

 

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران وإلى اليوم، برزت (إيران) دولة إسلامية حضارية تسير في طريق العلم والمعرفة والتقدم والازدهار والاقتدار، والمنافسة التقنية والتكنولوجية، وحققت إنجازات مذهلة، ولو لا تأثير العقوبات والضغوطات الأمريكية والغربية والعربية لوصلت إلى أعلى المستويات، ومع هذا تعدّ أقوى دولة حضارية تقدمية في المنطقة، بقدراتها وجهودها الذاتية، وطاقات وخبرات علمائها وشبابها المبدعين، وصولا لتحقيق الاكتفاء الذاتي الشامل.
وهنا، لا أقصد التركيز على جانب التقدم العسكري فقط، أو البرنامج النووي السلمي، أو المنافسة في علوم الفضاء، والأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، وإنما تقدمها العلمي والمعرفي والبحثي والتكنولوجي والصناعي والاقتصادي والزراعي والصحي والإنتاجي، وعلوم الإبداع والابتكار الإيراني الخالص، وتقديمها نموذجا إسلاميا حضاريا مشرقا ومتميزا ومزدهرا، رغم كل الضغوطات والعقوبات، مقارنة بضعف الدول العربية والإسلامية، وفي المقدمة جوارها الخليجي على وجه الخصوص، الذي لا يعاني من أي ضغوطات وعقوبات، ويمتلك المال والثروة، والاقتصاد، والعلاقات الحرة.
نعم، نهضت إيران وازدهرت، بحريتها وإرادتها وجهودها الذاتية، وحققت تقدما بارزا، ونماءً شاملا، في جوار عربي خليجي، متخم بالمال والثروة، ويمتلك كل مقومات التنمية الشاملة، إلا أنه -وللأسف- لا يزال يعاني من الفشل والإخفاق والغباء والانحطاط العلمي والمعرفي والحضاري، ولذا يرى في تقدم طهران وازدهارها الإهانة والإذلال، الذي أصابه بعقدة النقص والاحتقار، وأظهر هشاشته وضعفه، وبدا -معه- عاجزا عن منافستها أو اللحاق بها، حتى غدا لا يطيق سماع اسمها، ولا يقدر على تحمل ازدهارها ونهضتها، مع اعتماده الكلي على أمريكا والغرب، حتى فيما يتعلق بأمنه ووجوده وبقائه.
ومنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، سعت أمريكا والدول الغربية، لكبح جماح نهضتها العلمية والحضارية، وضغطت للحد من حضورها البحثي والمعرفي، والتقني والتكنولوجي، وعملت على إضعافها بكل الطرق والوسائل، وفي هذا الموقع تموضعت دول الخليج العربي، وتحالفت لإضعاف طهران وإسقاطها، لأنها ترى فيها العدو اللدود، الذي ولَّد لديها عقدة النقص والاحتقار والصّغار، التي تكبر مع كل منجز تحرزه طهران، حتى باتت لا تتحمل بقاءها ووجودها المزدهر والحضاري، وترى في ذلك خطرا كبيرا على وجودها واستمرارها في الحكم والسلطة، مالم تضعف طهران، أو تعمل على إسقاطها، فعملت بكل جد واجتهاد في التآمر عليها، وتمويل كل الأعمال العدائية ضدها، وسخرت أموالها وطاقاتها لهذا الأمر، واستغلت أمريكا الانتهازية هذا الغباء والشعور، لاستنزافها واستفراغها في بحر من الأوهام والآمال التي لا نهاية لها، وصولا لتحميلها كل كلف الفتن والحروب الباهظة.
ومن حينه تعرضت (طهران) -ولا تزال- لأشد الضغوطات وأقسى العقوبات، وأعمال العنف والفوضى، والاختلالات، والاغتيالات، والتفجيرات، ولكل ما من شأنه زعزعة أمنها واستقرارها، وتمويل وتوجيه للثورات (الملونة) ضدها، لغرض تحقيق الأهداف التي التقت عليها الصهيونية بكافة أجنحتها وأذرعتها المسيحية واليهودية والعربية، وعلى رأسها يتموضع كيان الاحتلال الإسرائيلي بكل خبث ومكر .
ومن هذا المنطلق الأعمى، منطلق الحقد الشديد، والعداوة الكبيرة، والبداوة والغباء، ومشاعر النقص والحقارة، تواجه اليوم حربا عدوانية ظالمة تشترك فيها الصهيونية بأذرعها الثلاثة، تستهدف قياداتها وعلماؤها بالاغتيالات الجوية، وتتعرض مؤسساتها العلمية والبحثية، وجامعاتها، ومصانعها، وموانئها، ومطاراتها، والبنية التحتية العلمية والتنموية والتكنولوجية والتقنية والعسكرية للتدمير الممنهج، من قبل أمريكا وإسرائيل، وبتمويل عربي خليجي سخي، بدافع الانتقام الذي تثيره عقدة الشعور بالنقص والحقارة.
والخلاصة أن مشكلة (إيران) ليس البرنامج النووي، ولا دعوى السعي لامتلاك أسلحة دمار شامل، فهذا ليس إلا ذريعة يعلمها الجن والإنس، وإنما في (عقدة نقص) الجوار اللئيم والجبان، الذي يتآمر عليها، ويمول كل الأنشطة العدائية ضدها، منذ أربعة عقود ونيف، بلا مبرر، ولا مروءة ولا شرف، ولا شهامة ولا إباء، لإرضاء نزوات الملوك والأمراء الفاشلين، الذين استصعبوا العيش والبقاء جوار بلد حر، مستقل، حضاري، متقدم، مزدهر، منتج، مكتف، موارده بيده، يوظفها في خدمة شعبه وبلده، ممسك بزمام العلوم والمعارف والتكنولوجيا، ينافس أرباب الحضارة والازدهار، ويزاحم مصافهم، وأحيانا يحتل أعلى المراتب، ومن حين لآخر يتقدم إلى الأمام، رغم كل الضغوطات والعقوبات، والفتن والمؤامرات، فيشتاطون غيظا وغضبا، وهم ينحدرون بأنفسهم وشعوبهم إلى حضيض الفشل والإخفاق والانحطاط، لم يفيدوا أوطانهم وشعوبهم بشيء، ولا بصناعة أعواد الكبريت.

قد يعجبك ايضا