بين داوود وجالوت… وتحولات القضية الفلسطينية

د. محمد إبراهيم المدهون

في مسار التاريخ تتكرر مشاهد الصراع بين القوة المتغطرسة والإرادة المؤمنة، بين من يملك أدوات البطش ومن يملك عزيمة التحرير. ولعل قصة داوود وجالوت تمثل نموذجًا خالدًا لهذه السنّة الربانية؛ إذ لم يكن النصر يومها رهين العدد أو العتاد، بل رهين الإيمان والثبات والقدرة على تحويل الضعف الظاهري إلى قوة فاعلة. قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وفي ضوء هذه السنن يمكن قراءة التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد المواجهة مجرد صراع عسكري محدود، بل تحوّلت إلى محطة استراتيجية أعادت تشكيل كثير من المعادلات.
لقد أسهمت المواجهة الفلسطينية، ولا سيما في غزة، في إعادة الاعتبار للشعب الفلسطيني ولمشروعه التحرري بعد سنوات طويلة حاولت فيها قوى إقليمية ودولية تهميش القضية أو دفعها إلى هامش الأولويات. فقد أعادت المقاومة طرح فلسطين في قلب الوعي العربي والدولي، وفرضت حضورها بوصفها قضية تحرر وطني حيّة، لا ملفًا سياسيًا قابلاً للإغلاق. ويذكّرنا هذا التحول بسنّة قرآنية ثابتة، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
كما شكّلت هذه المرحلة بداية طور جديد في تطور المقاومة الفلسطينية، إذ انتقلت من طور الدفاع المحدود إلى طور أكثر تعقيدًا في بناء أدوات القوة وتطوير منظوماتها العسكرية والسياسية والإعلامية. فالمقاومة لم تعد مجرد حالة ردّ فعل، بل أصبحت مشروعًا متكاملًا يسعى إلى بناء كيانية فلسطينية مقاومة، قادرة على إدارة الصراع وإنتاج معادلات جديدة. وقد أشار النبي ﷺ إلى قيمة القوة في صيانة الحقوق بقوله: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف».
ومن أبرز التحولات كذلك تشكل ما يمكن تسميته بمحور القدس، وهو محور تتقاطع فيه قوى متعددة حول دعم مشروع المقاومة ومواجهة مخططات تصفية القضية. وقد أسهم هذا المحور في كسر حالة العزلة التي حاول الاحتلال فرضها على الشعب الفلسطيني، وربط المعركة الفلسطينية بسياق إقليمي أوسع. وفي هذا المعنى يتجلى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
غير أن هذه التحولات الإيجابية تقابلها تحديات عميقة في الواقع الفلسطيني الراهن؛ إذ يعاني النظام السياسي من حالة انقسام برامجي حاد، بينما يواجه الفلسطينيون حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة تسعى إلى تسريع مشاريع الضم وتهويد القدس، مستفيدة من بيئة إقليمية شهدت موجات من التطبيع ومحاولات التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني. وقد حذّر القرآن من عواقب التنازع بقوله: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، تتجدد أهمية استحضار السنن التاريخية التي بشّر بها القرآن الكريم. فقد شهد المسلمون في زمن النبي ﷺ لحظة فرح حين انتصر الروم – وهم أهل كتاب – على الفرس عبدة النار، كما أخبر الوحي قبل وقوع الحدث. قال تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ وَلِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾. وهذه القصة القرآنية تعكس أن حركة التاريخ ليست خطًا ثابتًا، بل تخضع لتقلبات وتبدلات تفتح أحيانًا نوافذ غير متوقعة لصالح قضايا العدل.
انطلاقًا من ذلك، فإن متطلبات المرحلة المقبلة تفرض جملة من الأولويات الاستراتيجية؛ في مقدمتها الثبات في الميدان، وبناء وحدة وطنية على أساس برنامج مقاوم واضح يعيد الاعتبار لمشروع التحرير، ويعمل في الوقت ذاته على إقامة علاقات إقليمية متوازنة ترفض التطبيع وتمنع تمرير مشاريع تصفية القضية، وفي مقدمتها ما عُرف بصفقة القرن. ويؤكد القرآن الكريم على قيمة الوحدة بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾.
كما أن بناء منظومات القوة في هذه المرحلة لا يقتصر على القوة العسكرية فحسب، بل يشمل ثلاثية متكاملة: الهوية، والوحدة، والقوة. فالهوية تحفظ الرواية الفلسطينية من التشويه، والوحدة توفر الحاضنة السياسية للشعب، بينما تمكّن القوة من حماية المشروع التحرري واستمراره. وقد قال النبي ﷺ: «يد الله مع الجماعة».
وفي هذا السياق تبرز الضفة الغربية بوصفها الساحة الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة؛ إذ تمثل قلب الجغرافيا الفلسطينية ومفتاح أي تحول استراتيجي في الصراع. وإذا ما اشتعلت الضفة بالمقاومة الشعبية والمنظمة، فإن ذلك سيعيد رسم معادلات القوة على نحو عميق، ويضع الاحتلال أمام تحديات غير مسبوقة. وفي هذا المعنى يتردد صدى الوعد الإلهي: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾.
وفي المحصلة، فإن القضية الفلسطينية تقف اليوم عند مفترق تاريخي بالغ الأهمية؛ فإما أن تتحول التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب الفلسطيني إلى رافعة استراتيجية تعيد توحيد المشروع الوطني وتدفعه نحو التحرير، وإما أن تضيع هذه اللحظة تحت وطأة الانقسام والضغوط الإقليمية والدولية. غير أن سنن التاريخ، كما سنن القرآن، تشير إلى أن الشعوب التي تمتلك الإرادة والوعي والصبر قادرة في النهاية على قلب الموازين. قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
*رئيس مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

قد يعجبك ايضا