الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

القهوة اليمنية.. سيرة البذرة وسفر الفنجان عبر خارطة الشمس

في تاريخ محصولها الذي أحدث مشروبه ثورة فكرية عربياً وعالمياً (2-3)

اهتدى المزارع اليمني لطريقة إحراق المحصول (تحميصه) لتصديره منزوعا من صلاحية الاستزراع خارج اليمن
رغم جدل التاريخ إلا أن المؤكد أن المتصوفة هم من نقلوا البن إلى اليمن خلال الفترة 1418 – 1474م
عرف اليمنيون القهوة وتأثيرها في تنبيه العقل وتخفيف الآلام ففكروا بطريقة تمنحهم الحق الحصري في زراعة محصولها (البن)

في الحلقة الثانية من سيرة البذرة والفنجان (القهوة اليمنية التي لا تغيب عنها الشمس) سنواصل الإبحار عميقا في تضاعيف التاريخ، وتباين الجغرافيا، لمعرفة منشأ القهوة، كمحصول زراعي (البن)، وكيف انتقل من الحبشة إلى اليمن.. ؟ وما هي أول منطقة يمنية زرع فيها، وكيف مر المحصول كمشروب بمحطات من الجدل الفقهي حول مسماه، وتأثيره الذي أحدث زخما من الحركة الفكرية والثقافية وسرّ تفرُّد اليمن بجودة نبتته ؟ ولماذا وكيف احتكرها اليمنيون زمناً طويلاً.. ؟ وكيف انتهى به المطاف إلى العالمية، مشروباً ثم زراعةً..؟ .. فإلى تفاصيل الحلقة الثانية:
الثورة / محمد محمد إبراهيم

تذهب الروايات المسطورة في “تاج العروس” –للزبيدي- إلى أن أول من وقف على خواص قهوة (البن) هو نبيَّ الله داوود–عليه السلام- فيما يشير كتاب “شذرات الذهب” –للحنبلي- أن نبي الله سليمان –عليه السلام- هو من اكتشف القهوة بوحي من السماء، وروايات أخرى تعيد ذلك إلى أحد رؤساء أديرة شبه الجزيرة العربية، وتعيد بعض الأساطير الشعبية اكتشاف مفعول شجرة البن، إلى راعٍ من أسلاف شعب الأورومو -قطنوا المنحدرات والهضاب الجنوبية الغربية للوادي المتصدع بأثيوبيا (6ق.م)- لاحظ تيساً (ذكر الماعز) يتصرف بطريقة غريبة من الحركة والنشاط، فظل يراقبه في المرعى فوجده يأكل أوراق وحبوب شجرة البن، فتذوق ثمارها، فأدرك خواصها، ومن وقتها تناولها الأحباش مضغاً، ثم تحول تناولها بعد زمن طويل إلى شراب منقوع.
وفيما يُعاد أول ذكر لمحصول القهوة باسم (البن اليمني) إلى الطبيب العربي ابن الرازي في عام 900م.. تشير بعض المخطوطات إلى أن المتصوف «علي بن عمر الشاذلي» -المتوفى بالمخا عام 1418م- هو أول من نقل بذور القهوة من جنوب غرب الحبشة إلى اليمن، وأول من احتساها كمشروب في مجالس البدو، وليالي الذكر والعبادة بـ”الشاذليَّة”، وذكر الحنبلي في كتابه «عمدة الصفوة في حل القهوة» إن المتصوف جمال الدين الذبحاني المتوفى سنة 1470م هو أول من زرع محصول القهوة في اليمن، بعد خروجه من عدن إلى بر العجم –أفريقية أو إثيوبيا حالياً – فوجد أهله ينقعون ثمر البن فيشربونه، فشرب منه، فوجده يهدئ الآلام، ويقاوم النعاس ويمنح الجسم خفة وحضورا ذهنياً، لينقل النبتة إلى اليمن فزرع أول شجرة بن في وادي الدور الشهير في مديرية العدين بمحافظة إب وسط اليمن،
وفي مطلع القرن الخامس عشر كان متصوفة اليمن وطلابهم ومريدو مجالسهم، يحتسون القهوة كمشروب يحفزهم على الذكر والدراسة، والموالد النبوية والحضرات الصوفية، وكانت هذه بداية الانتشار الحقيقي على المستوى المحلي اليمني، ليتحول محصول القهوة إلى سلعة طُرحت في الأسواق لغرض التبادل التجاري، ثم تطور الحال إلى أن خصصت لها أسواق، سميت “أسواق القشر أو البن”، تركزت في المدن الرئيسية والثانوية، عبر مناطق اليمن المشهورة بزراعة البن، ثم حضرت هذه السلعة بقوة في الأسواق المشهورة التي كانت تعقد في الموانئ التجارية، مثل موانئ “المخا” و”الحديدة” و”اللحية” و”عدن” و”شقرة” وغيرها، حيث يتم تسويق محصول القهوة محليا عبر هذه الموانئ، فصارت تبعاً لذلك عملية زراعة البن وإعداد ثمارها وتجهيزها وتقشيرها وتحميصها للأسواق المحلية جزءا لا يتجزأ من نشاط اليمن الاقتصادي الداخلي، وبحكم موقع اليمن الجغرافي التجاري والملاحي، الذي جعلها ممراً للرحالة الأجانب والتجار الجوَّابين لبلدان الشرق والغرب، فقد بدأ الإقبال يتزايد على شراء القهوة، ليأخذ محصولها طابعاً تجارياً واسعاً كسلعة..
ومع تنامي إدراك اليمنيين للقيمة الاقتصادية للقهوة والمستقبل الذي ينتظرها شرقا وغرباً، استشعروا خطر إمكانية نقل زراعتها إلى خارج اليمن، ما دفع السلطات إلى إحكام السيطرة على زراعة محصولها، بفرض قوانين صارمة تصل فيها عقوبة من يحاول تهريب البذور إلى حد حكم الإعدام، مبتكرين آليات دقيقة، لإبطال صلاحية النواة للزراعة خارج اليمن، إما بالغلي أو التقشير (فصل القشرة عن النواة) ثم تحميص النواة، أي إحراقها وتحريكها على نار تتراوح درجتها ما بين 180 – 240 درجة مئوية، ولمدة 20 دقيقة..
ويترتب على هذه العملية إبطال صلاحية النواة للزراعة، والحصول على الجودة والنكهة المطلوبتين، والتلوين المتدرج من اللون السُّكّرِي المائل للأخضر (البيج)، إلى البُنِّي الفاتح، إلى البُنِّي المائل للرمادي، إلى البُنِّي الغامق، إلى البُنِّي القريب من السواد، كما يمكن التحكم في درجة الطحن بين دقيق ناعم، ومحبب متوسط، ومحبب عال، ويكون التحميص إما منزلياً يقوم به المزارع، أو تجارياً بواسطة أيد عاملة بسيطة تقليدية، لتحتكر اليمن زراعة القهوة طيلة ثلاثة قرون هي: (15م- 16م-17م).
وكانت أول محطة تصلها القهوة اليمنية كمشروب خارج اليمن، هي مكة المكرمة عام 1490م وبكميات قليلة للاستخدام الشخصي عبر الحجيج، ثم تحولت بعد ذلك إلى مشروب يتسابق عليه النساك والعباد، لتنتقل بعد ذلك إلى الحجاز، وعلى أيادي طلبة العلم اليمنيين، وصلت القهوة إلى جامع الأزهر ، ومن الأزهر انتشرت إلى مصر كلها عام 1500م، فيما نقل اوزدمير باشا -والي السلطات العثمانية في اليمن- القهوة إلى إسطنبول عام 1517م في عهد السلطان سليم الأول (1501 – 1520م) لتصل بعد ذلك إلى أوروبا، على أيدي الأتراك، لكن مراجع أخرى تعيد وصول القهوة اليمنية إلى أوروبا عن طريق البرتغاليين الذين غزوا السواحل الغربية لليمن عام 1507م، واستضافهم شيخ مدينة المخا (470 جنوب غرب صنعاء) بشراب القهوة التي أراحت أذهانهم فكانوا أول من نقلها إلى أوروبا، عبر ميناء المخا، الواقع على مسافة 40.5 ميل بحري شمالاً من باب المندب.

(موكا كافي).. وانتشار القهوة
تشير الباحثة اليمنية أروى الخطابي، في كتابها “تجارة البن اليمني” الذي نالت بموجبه رسالة الماجستير من جامعة صنعاء- إلى أن العثمانيين عندما تمكنوا من طرد البرتغاليين من سواحل البحر الأحمر كاملة في عام 1538م، وبدأوا عهدا جديدا من التجارة المزدهرة، عبر موانئ البحر الأحمر وبالتحديد “ميناء المخا”، وهو الاسم الذي تحول إلى ماركة عالمية: ( MOCKA COFFEE ) وقد ظهر في اللغة الإنجليزية في عام 1598م وتعني “بُن المخا”، وفي عام 1609م زار المخا الرحالة الأوروبي “جور داين” وتوقع تجارة أكثر رواجاً لمحصول القهوة اليمنية، فيما نبّه التاجر الهولندي “بيتر فان دن بروكه” الهولنديين إلى الأهمية التجارية للبن اليمني في عام 1616م، ووصف الرحالة الإيطالي البرتغالي “جيرونيمو لوبو” -الذي أبحر في البحر الأحمر عام 1625م- ميناء المخا بأنه مرفأ لجميع السُّفن العابرة في مياه البحر الأحمر ومركز دفعها لضريبة العبور.
وفي عام 1628م أبحرت أول شحنة من محصول القهوة اشتراها الهولنديون من المخا إلى مراكزهم التجارية في شمال غربي الهند وبلاد فارس، وفي أواخر 1633م بعث التاجر الهولندي “يوهن كرستزون” رسالة هامة إلى مدير شركة الهند الشرقية في سورات الهندية “فيلبو لوكس” واصفا له ازدهار تجارة القهوة وتصديرها إلى العالم من أهم مرافئ البحر الأحمر المخا، فبدأت الشركة استيراد القهوة إلى مستعمرات هولندا غرب الهند وفارس.. ورغم أن إنجلترا عرفت القهوة في 1650م، إلا أن محصول القهوة (البن) لم يظهر في قوائم الشركة كسلعة تجارية في أسواق لندن إلا في العام 1660م، وفي العام 1661م وصلت القهوة هولندا بكميات غير تجارية، إذ لم تشهد أسواق العاصمة الهولندية أمستردام، القهوة إلا في العام 1662م.
انتشار “بن المخا” ذات الجودة العالية، في الأسواق العالمية أشعل المنافسة على الميناء من قبل الشركات الهولندية والفرنسة والبريطانية، فقام الهولنديون بإنشاء معمل للبـُّن في مدينة المخا عام 1708م، وفي العام 1720م أنشأ الفرنسيون معملا آخر، ما خلق نشاطاً اقتصادياً بفعل الحركة التجارية بين ميناء المخا، وموانئ الهند ومصر وبور سودان وإسطنبول واوديسا في روسيا، واستمر على ذلك الحضور التجاري العالمي حتى أواخر القرن التاسع عشر مع ازدهار ميناء عدن الذي اهتم به البريطانيون، إضافة إلى الحروب التي شهدتها سواحل البحر الأحمر. وتراجعت زراعة القهوة في اليمن بسبب ظهور منتجين جدد للقهوة، وهي اليوم تعيش تراجع غير مسبوق في التاريخ، إلا أنها لم تزل رغم ذلك شراب البدو والحضر ورمز طبعهم المضياف بالكرم، واحتساؤها في مجالسهم يعني دلالات التسامي والتسامح والقبول بالآخر.

استزراع القهوة عالمياً
بعد أن عرف الأوروبيون جدوى زراعة القهوة الاقتصادية قياساَ على ما ينفقونه على استيراد القهوة سنوياً، وقياساً على الفجوة القائمة بين العرض اليمني من محصول القهوة والطلب العالمي عليها، ظل شغلهم الشاغل محاولة تهريب القهوة كزراعة، وفشلت كثير من المحاولات، حتى تمكن الهولنديون من تهريب كمية بسيطة من البذور الصالحة للزراعة ا في قطعة قماش عبر ميناء المخا، إلى مستعمراتهم، في أرخبيل أندونيسيا وسيرلانكا، فزرعوا القهوة لأول مرة في سيرلانكا عام 1658م، وفي أندونيسيا (جاوه) عام 1696م، وفي عام 1711م تم تصدّير أول شحنة لمحصول القهوة المزروع خارج اليمن، إلى أوروبا، بعد ذلك تمكنوا من زراعة شتلات القهوة في بيوت زجاجية تحفظ الحرارة، في أمستردام، وفي عام 1714م، قدم عمدة المدينة ثمار هذه النبتة هدية لملك فرنسا لويس الرابع عشر، وفي 1715م زرعت القهوة في هاييتي وسان دومنجو، وفي 1718م فزرعت في “سورينام”، كما استزرعت فرنسا شجرة القهوة في مستعمراتها، في جزر المارتينيك وفي البرازيل في عام 1723م، وفي كوبا 1748م وفي المكسيك سنة 1790م وفي جزر هاواي سنة 1825 وفي السلفادور سنة 1840م..

القهوة والحركة الفكرية العالمية
أحدث ظهور القهوة، وانتشارها، وخروجها من الخاصة إلى العامة، حركة فكرية وثقافية عربية وعالمية، فعندما كانت محصورة في الخاصة ألهبت أذهان المتصوفة اليمنيين والعرب، وأذكت هواجسهم وخواطرهم الفكرية فكتبوا أجمل القصائد، وألفوا أروع المؤلفات، وعندما انتشرت خارج اليمن أشعلت السوق العالمية صراعا ومنافسة تجارية وصناعية وزراعية، وعندما خرجت إلى العامة كمقاه في الساحات العامرة بحركة الناس خصوصاً في المدن الكبرى، هيأت عادات احتسائها بيئة تواصلية اجتماعية حافلة بوجوه النخب الفكرية والأدبية والثقافية والمهنية، لتثير جدلاً فقهياً محتدماً، دفع السلطات إلى قيادة حروب مفتوحة ضد القهوة، باطن هذه الحروب سياسية، تتضمن قطع أسباب تجمعات الناس حفاظا على الاستقرار السياسي، وظاهرها منع المحرمات التي تؤدي إلى انحراف سلوك المجتمع كالمسكرات التي أدخلت القهوة ضمنها، في التباس مفاهيمي محمول على التقارب بين مصطلحي “الخمر” و”القهوة” كشراب..
وكانت حادثة مكة أولى هذه الحروب، ففي إحدى أماسي العام 1511م خرج ناظر الحسبة في مكة “خاير بك المعمار” فمر بمجموعة من الناس يحتسون شراباً في الحرم الشريف أثناء أداء بعض الشعائر الدينية، وحين سأل عن نوع الشراب، قيل له: “إنه شراب القهوة (البن) وهو جديد على المجتمع، صار يباع في أماكن على هيئة الخمّارات ويجتمع عليه بعض الناس من رجال ونساء… فرفع بالأمر إلى سلطان قانصوه الغوري (1510 – 1516م) -آخر سلاطين دولة المماليك في مصر- فأصدر مرسوماً سلطانياً بمنع القهوة.
وهذه الحادثة تشير إلى ظهور القهوة في الأسواق العربية والإسلامية لأول مرة، أما في إسطنبول فلم تظهر على شكل مقاه ومحال تجارية إلا في عهد السلطان مراد الرابع (1612-1640م) الذي أمر بمنع القهوة، وهَدْمَ المقاهي، وأعدم من لم يمتثل لأمر المنع، لكن ما لبثت المقاهي أن عادت بأمر من السلطان محمد الرابع (1642-1693م)، إذ شهدت إسطنبول في العام 1683م افتتاح أول مقهى أدبي ثقافي من قبل رجلين من قهاوجة الشام: “حكم الحلبي” و”شمس الدمشقي”، أما أوروبا التي عرفت القهوة بعد الأتراك فسبقت العالم العربي والإسلامي، في إنشاء المقاهي الأدبية والثقافية، حيث تشير المراجع إلى أن أول مقهى أدبي وثقافي افتتح في إنجلترا كان في عام 1652م، وفي 1672م شهدت باريس أول مقهى، وتلتها مرسيليا في العام 1679م، لتشهد فيينا افتتاح أول مقهى 1683م، على إثر هزيمة الأتراك الذين تركوا وراءهم مخزوناً كبيراً من محصول القهوة(البن)، وفي 1721م، شهدت برلين افتتاح أول مقهى، وفي1750م بدأت المقاهي في أوروبا بافتتاح فروع لها في مدن أو بلدان الأخرى، وفي 1763م أصبحت فينيسيا الإيطالية تمتلك ما يزيد عن (2000) مقهى، وشهدت بوسطن الأمريكية افتتاح أول مقهى للقهوة (البن) في 1689م.
هذا الانتشار تسارع في ظل جدل فقهي إسلامي بدأ في مكة ولم يقف عند شمول العواصم الإسلامية بما فيها عاصمة (الإمبراطورية العثمانية)، بل تجاوز ذلك ليشمل أوروبا حيث اعتبر متطرفو أوروبا وقساوستها القهوة مؤامرة إسلاميّة لتدمير المسيحية، مطلقين على محصول القهوة ”حبّة محمد“، وتذكر المراجع أن رئيس أساقفة كانتربري الأسقف ”لاند“ تقدم عام 1637م بمذكرةٍ لمجلس العموم البريطاني طالب فيها بتحريم القهوة، فصدر تشريعُ بذلك، فيما أشار بعض الدارسين إلى أن أوروبا كانت تحارب الحبوب السمر (القهوة) لأنها منافس قوى كاد يقضي على محصول الشاي.. غير أن ذلك لم يحمل القهوة على التقهقر، بل انتصرت على الجدل العالمي لتفضي مقاهيها إلى نهضة فكرية ثقافية وصناعية وزراعية في أنحاء العالم.

قد يعجبك ايضا