التوجهات الاوراسية واستحقاقات التغيير تبقى الهاجس الأكبر: ماهي التحديات التي ستواجهها تركيا بعد انتخاب اردوغان ؟

 

النتيجة التي خلصت إليها الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية التركية بفوز مرشح تحالف الجمهور الرئيس رجب طيب اردوغان، بأغلبية اصوات الناخبين، بنسبة 52 % مقابل 48 % لمنافسه مرشح المعارضة كمال كليشدار اوغلو، أكدت أن الجولة الثانية بالنسبة للاتراك كانت اختيارا مصيريا بين الاستقرار السياسي وعدم الاستقرار، غير أن المعركة بالنسبة لأردوغان لم تنته، فلا يزال امامه الكثير من التحديات التي سيواجهها خلال ولايته الرئاسية الجديدة.
الثورة / تحليل / أبو بكر عبدالله

لم تشهد تركيا في تاريخها هذه الأجواء الانتخابية الشديدة التنافسية منذ 100 عام على تأسيس الجمهورية التركية، فكل الأطياف السياسية حاولت في هذه الانتخابات التعبير عن وجودها وقضاياها ومطالبها بتحالفات سياسية منظمة، ما فسر المشاركة الكثيفة في الانتخابات التي سجلت لأول مرة مشاركة تجاوزت الـ 55 مليون ناخب من مختلف شرائح المجتمع التركي.
والتنافس المحموم في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية والذي منح اردوغان ولاية رئاسية جديدة تستمر حتى العام 2028م على أنه كشف أن كلا الطرفين كانا قويين بما يكفي للحسم إلا أن المزاج التركي انحاز في النهاية لمصلحة تجنب تكرار الأزمات التي خلفتها الحكومات الائتلافية والتي دائما ما كانت تشعل أزمات واضطرابات داخلية يصحبها تراجع في الأداء الحكومي ومشكلات اقتصادية واجتماعية عميقة، وهو الوضع الذي افترض الشارع التركي أن بلادهم ستعود اليه في حال فاز مرشح المعارضة مع وجود ظل اردوغان في اغلبية البرلمان، فتوجه في النهاية لترشيحه.

فوز متأرجح
النتيجة التي خصلت اليها الانتخابات الأخيرة، لم تفضي في الواقع إلى فوز تحالف الجمهور والرئيس اردوغان، فالأرقام تؤكد أيضا أن المعارضة حققت فوزا بهذه النتيجة بعد أن بلغت عتبة الـ 48 % من إجمالي الأصوات في الجولة الثانية بفارق 4 نقاط مئوية عن نسبة الأصوات في الجولة الأولى، ما يعني أن التحالف المعارض كان قويا بما يكفي لبلوغ أهدافه في الفوز بالانتخابات بعد أن تمكن من جذب 4 % من الكتلة الانتخابية لصالحه لولا الأخطاء السياسية الفادحة التي وقع فيها مرشح المعارضة، وعززت التفوق النسبي للتحالف المحافظ وبالتالي فوز غريمه اردوغان.
ونسبة الـ 52 % التي فاز بها أردوغان هي ذاتها التي فاز بها بأول انتخابات قبل عشرين سنة، ما يعني أن الوضع السياسي لحزب العدالة والتنمية شهد تراجعاً كثيرا، وهو التراجع الذي افصحت عنه بجلاء الانتخابات البلدية التي حققت فيها المعارضة فوزا كاسحا في أكبر الولايات التركية.
هذه النتيجة تذهب بنا للإشارة إلى الأخطاء الفادحة التي وقعت فيها نتائج استطلاعات الرأي العام، التي طالما رجحت فوزا كاسحا للمعارضة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية من الجولة الأولى، كونها ركزت على المدن الرئيسية (إسطنبول ـ أنقرة ـ أزمير ـ ديار بكر) والتي تتركز فيها اغلبية للمعارضة وعدم توزان استطلاعاتها في بقية الأقاليم التي نجح فيها تحالف الجمهور بقيادة اردوغان بالحصول على الأغلبية العددية لأصوات الناخبين.
يدلل على ذلك عدد الأصوات التي حصل عليها كل مرشح في الولايات الأربع التي تعد الأكبر من حيث الكثافة السكانية، حيث حصد مرشح المعارضة كمال كليشدار اوغلو في ولاية اسطنبول على 5.08 مليون صوت في حين حصد اردوغان 4.7 مليون صوت، وهي نسبة مقاربة لما حققه كل مرشح في الجولة الأولى، والحال كذلك في أنقرة التي تقدم فيها مرشح المعارضة على اردوغان بحوالي 80 ألف صوت وكذلك في ديار بكر وازمير بأعداد مقاربة للأعداد السابقة.
ومع ذلك فقد حصد اردوغان في النهاية تقدما في 52 ولاية تركية، قياسا بمنافسه الذي حصد أكثرية الأصوات في 29 ولاية.

خسارة طبيعية
في الجولة الثانية حاولت المعارضة استغلال نقاط الضعف لدى الرئيس اردوغان، وعلى رأسها ملفات الأكراد واللاجئين السوريين، والأزمات الاقتصادية والقاعدة الانتخابية الشبابية المتطلعة للتغيير، وقد نجحت في جذب نحو 5 ملايين صوت يمثلون القوة الانتخابية التي صوتت لأول مرة لمرشح المعارضة كمال كليشدار اوغلو تعبيرا عن تطلعها للتغيير.
لكن الأخطاء السياسية التي وقع فيها مرشح المعارضة بتقاربه مع الاكراد وفي الوقت نفسه تقاربه مع التيارات القومية المتشددة المناوئة للأكراد، أدت إلى تشتت الأصوات وبالتالي خسارة المعارضة نسبة كبيرة من الأصوات، زاد منها استثمار اردوغان هذا الخطأ وشنه حملة كثيفة اتهم فيها مرشح المعارضة بالتحالف مع حزب العمال الكردستاني، ما أثار مخاوف لدى التيار القومي المتشدد الذي يرى في حزب العمال الكردستاني تهديدا لتركيا.
وثمة معطيات إضافية قلصت فرص فوز مرشح المعارضة في جولة الإعادة، يتصدرها أن الرئيس اردوغان كان يحتاج فقط إلى 1 % من الأصوات لكي يضمن الفوز في الانتخابات، على اعتبار أنه كان متفوقا بخمس نقاط على منافسه كليشدار اوغلو في الجولة الأولى، في حين كان مرشح المعارضة يحتاج إلى 6 نقاط مئوية لضمان الفوز، وهو ما فشل في تحقيقه.
يشار أيضا إلى أن الأغلبية البرلمانية التي حصل عليها تحالف الجمهور بقيادة اردوغان أثرت إلى حد كبير على نتائج الجولة الثانية، بسحبها الأصوات غير المؤدلجة في الشارع الانتخابي التركي لصالح أردوغان، وهذه الأصوات بالغالب كانت تريد أن ترى استقرارا سياسيا في تركيا، كون فوز الرئيس اردوغان في جولة الإعادة سيفضي إلى سلطة منسجمة بين الرئاسة والبرلمان، في حين أن فوز منافسه كمال كليشدار أوغلو يعني دخول البلاد في أزمات ناتجة عن حالة الانقسام بين الرئاسة والبرلمان.
يضاف إلى ذلك ضعف البرنامج الاقتصادي لمرشح المعارضة وانحيازه الكامل للغرب وتخبطه في ملف اللاجئين، وأخيرا هجومه العنيف على روسيا والذي أثار مخاوف من أن يقود ذلك إلى انزلاق تركيا في لعبة التوازنات الدولية التي قد تكرر تجربة أوكرانيا في تركيا.
وأكثر من ذلك القلق الذي أبدته بعض الأوساط التركية من أن يقود فوز مرشح المعارضة إلى خسارة تركيا المكاسب الجيواستراتيجية التي حققتها في سوريا وليبيا وأذربيجان والعراق والبحر الأبيض المتوسط ومضيف البسفور والبحر الأسود، والخوف أيضا من خسارة التقدم والتطور الذي حصل في قطاع الصناعات المدنية والعسكرية.

مرحلة صعبة
رغم التنافس المحموم في الانتخابات الذي قسم الشارع التركي إلى نصفين، مضت الانتخابات بصورة شفافة ونزيهة وفي أجواء ديموقراطية، ساعدت الشعب التركي ليقول كلمته الأخيرة بانتخاب الرئيس رجب طيب أردوغان رئيسا، كما قال كلمته بمنح تحالف الجمهور الذي يقوده أردوغان الأغلبية البرلمانية، مؤجلا طموحاته في التغيير وإعادة النظام البرلماني بدل الرئاسي الذي أسسه اردوغان.
لكن المؤكد أن هذه الانتخابات فتحت الباب لمرحلة جديدة في تركيا، ستُفضي بلا شك إلى اصطفافات جديدة سياسية ومجتمعية، قد تضع التيار المحافظ بقيادة اردوغان أمام امتحان صعب لتغيير سياساته الداخلية والخارجية على السواء، أو إخراج حزب العدالة والتنمية من المعادلة السياسية إلى الأبد.
ذلك أن الرئيس أردوغان سيقود المرحلة القادمة في ظل انقسام واضح للشارع التركي جسدته نتيجة الانتخابات، التي فاز فيها بفارق 3 نقاط مئوية وهي نسبة، قدمت رسالة واضحة بأن الشارع التركي يعيش حالة انقسام غير مسبوقة بين المعسكر المحافظ بقيادة اردوغان والمعسكر العلماني بقيادة تحالف المعارضة، ناهيك عن ظهور معسكر ثالث وهو التيار القومي المتشدد الذي بدا أنه في طريقه إلى التوسع وتسجيل حضور واسع في المشهد السياسي التركي بعد أن حصد نسبة 10 % من اجمالي مقاعد البرلمان.
تزيد من ذلك الحالة السياسية المتغيرة في مناطق الاكراد والتي سجلت حضورا مهما في المشهد الانتخابي بعد أن أبدوا توجها سياسيا منظما بخوض الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية بذات القوة التي منحت مرشح المعارضة نحو 72 % من الأصوات مقابل 28 % تم حصدها لأردوغان.
وهذه النسبة على أنها كانت طبيعية نتيجة القطيعة السياسية بين الأكراد والرئيس اردوغان الذي أظهر طوال الفترة الماضية اجندة سياسية معادية للأكراد تنفي وجود قضية كردية، ناهيك عن زجه بالكثير من السياسيين الكرد في السجون وعزل الكثير من رؤساء البلديات ووضعه أي نشاط يقوم به الأكراد لصالح قضيتهم في خانة الإرهاب، إلا أنها أفصحت عن تيار شعبي مناوئ لحزب العدالة والتنمية يمنح المعارضة فرصا أكبر للفوز في أي انتخابات قادمة.

تحديات كبيرة
ربما يدير حزب العدالة والتنمية والرئيس اردوغان تركيا خلال السنوات الخمس القادمة بشكل مريح استنادا إلى ما حققته الانتخابات البرلمانية من أغلبية بلغت 48 % من مقاعد البرلمان مقابل 35 % للمعارضة، وتفويض شعبي للرئاسة بنسبة 52 %.
لكن من غير المرجح أن السياسة التي انتهجها اردوغان خلال ولاياته الرئاسية الممتدة لعشرين عاما داخليا وخارجيا ستتغير، ما سيضع أمامه الكثير من التحديات التي ستلقي بالضرورة بآثار سلبية على المستقبل القريب للدولة التركية التي طالما حلمت بأن تأتي الانتخابات بجديد ينهض بتركيا من نفق الأزمات.
على المستوى الداخلي ثمة تحديات سيواجهها اردوغان في ظل الأزمة الاقتصادية الكبيرة والوضع الاقتصادي المتدهور والذي فشل حزب العدالة والتنمية في تجاوزه وتفاقم أكثر من الأزمة الاقتصادية العاصفة بالكثير من دول العالم.
تضاف إليها مشكلات سياسية داخلية عميقة لم تفلح سياسة اردوغان في حلها مع الأكراد الذين يصل عددهم إلى حوالي 18 مليون نسمة، وهو بحاجة إلى تنبي مبادرات جديدة مع الاكراد الذين منحوا أصواتهم لغريمه في السباق الرئاسي كمال كليشدار اوغلو.
وبالنسبة للعلاقة مع المعارضة، فالمرجح أنها ستشهد تفاقما في المرحلة القادمة في دوامة اضطرابات وصراعات داخلية في الحكومة، خصوصا في ظل استمرار المعارضة حمل شعار العودة بتركيا إلى النظام البرلماني، وهو السيناريو المخيف الذي ينذر بعواقب وخيمة خصوصا أن الحكومة والمعارضة لم تبديا أي استعدادات لمواجهتها.
وعلى المستوى الخارجي فإن المرجح كذلك أن يواجه اردوغان تحديات في العلاقات مع مصر وليبيا والملف السوري وملف الإخوان المسلمين، وما إن كان سيمضي قدما بسياسته القديمة استنادا إلى التفويض الذي حصل عليه من ناخبيه، أم أنه سيعتبرها من الماضي بعد التوجهات التي كان قد بدأها في نهاية ولايته الرئاسية السابقة بتحسين العلاقات مع الدول الخليجية ومصر وسوريا.
يزداد المشهد قتامة في ظل التوقعات السلبية لآثار الحرب الروسية الغربية في أوكرانيا والتي يتوقع الأتراك أن تزيد من عمق الأزمة الاقتصادية التركية، خصوصا في ظل تمسك الرئيس اردوغان بسياسته المحافظة التي أثبتت التجارب أنه غير قادر على تغييرها بسياسة برغماتية بالمعنى الكامل.
يزيد من ذلك التوجه الاوراسي لاردوغان بالتقارب مع روسيا والصين ومنظمة شنغهاي وتجمع دول البركس، والدول الست الناطقة بالتركية في مقابل العلاقات المتوترة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وهذا المؤشر في التوتر ظهر إلى الواجهة بوضوح في التأييد الغربي الواسع لمرشح المعارضة والذي فهم الأتراك أنه غير بعيد عن محاولات الغرب إقحام تركيا في معادلة عزل روسيا خصوصا وأن حكومة اردوغان لم تشارك في العقوبات الغربية ضد روسيا وتحركت في هذ الملف وفق ما تمليها المصالح التركية التي احتفظت بعلاقات متوازنة مع الشرق والغرب.

قد يعجبك ايضا