الدين والتحديث(1)

عبدالملك العجري

في أجواء الانقسامات الدينية والصراعات  السياسية تنشأ بيئة خصبة للجدل الديني  الا ان الجدل حول الدين على مواقع التواصل الاجتماعي في معظمة جدل شعبوى يعتمد على الاثارة فارغ من المضمون وخال من الرصانة و لا يمتلك الأدوات والمعارف اللازمة لتحليل الخطاب الديني ,بعض هذا الجدل يعكس مخاوف أصحابه من ان سيادة القانون الديني يعني حرمانهم من حرية المتعة الشخصية والجسدية التي يتيحها المجتمع الغربي واعتبارها من لوازم الحداثة والمدنية ,ومشكل هؤلاء يتعلق بالحريات الاخلاقية أكثر من أي شيء اخر ويتخذون من ازدراء الدين ,بحجة التخلف, حيلة لتبرير اشباع متعهم الجسدية  ويتسم خطاب هؤلاء بالسفسطة واختزال الحداثة في اللذة والترفيه  والربط غير العقلاني بين إزاحة الدين و التحديث  وكان مجرد التخلص سينقلنا  على بساط الريح الدين نحو فراديس المدنية الحديثة وهي  سفسطة ساقطة لا علاقة لها بأصول التحديث والازدهار حتى في التجربة الغربية.

صحيح هناك نخبة مدنية لديها شكوك حقيقية من تأثير سيادة القانون الديني والطوائف الدينية  على الحريات والمشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية و وغيرها من القضايا الحقوقية الجدلية المتربطة بمفهوم الدولة القومية الحديثة,و نوع اخر من الجدل    من وحي الصراعات التاريخية للكنيسة الكاثوليكية والتي كانت محور النقد التنويري وشكلت لقرون عديدة أكثر اشكال المقاومة الروحانية والاصولية لسيرورات العلمنة والتحديث فقد حاربت الرأسمالية والليبرالية والدول العلمانية الحديثة والاشتراكية ومثلت الشكل النموذجي للدين العام المناهض للحداثة… ومع ذلك فان الكنيسة اعادت تقييم موقفها وعدلت سلوكها للتكيف مع شرعيه العصر الحديث (الأديان العامة في العالم الحديث صـ 20)

هذا المسار المقاوم للتحديث يرتبط على نحو كبير بطبيعة الكنيسة الرومانية الكاثوليكية  فهي لم تكن مجرد فرقة دينة بل مؤسسة سلطوية اقطاعية وبمحاكم التفتيش والنظام الاقطاعي  وثنائية الولاء لله وللقيصر وما تثيره من إشكالات تكاد تكون حصراً على المسيحية الكاثولوكية كما يقول الفيلسوف برتراند رسل , ولذلك لا يمثل  قانونا طبيعيا يحكم حركة التحديث  في كل العالم ,ولا ينسحب بالضرورة على بقية الأديان, وتختلف بحسب السياقات التاريخية من جهة وبحسب مرونة وقدرة الخطاب الديني على استيعاب التطورات التي تحدث في الحياة والقدرة على التكيف مع النتائج العملية للتحديث او التي اثبت الواقع صدقها ,فالواقع والطبيعة هي مصدر  للمعرفة واختبار صدق أي فكرة او نظرية بما في اختبار سلامة وصدق ثبوت النص الديني ومن القواعد الأصولية المعروفة ان النص  يعاد تأويله اذا صادم ظاهره الواقع او الخبرات المستمدة  من التجارب التاريخية المتراكمة .

وبمناسبة شهر رمضان  سنتناول في عدد من المقالات الموقف التاريخي للدين من ظاهرة التحديث باعتباره هدفا وطنيا مرغوبا لكل الشعوب ونقصد هنا  بالتحديث  ما  يشمل انتشار التصنيع وتوسيع التجارة، والازدهار الاقتصادي وارتفاع معدل دخل الفرد وتوسع المدن وانتشار التعليم وحكم المؤسسات والمشاركة السياسية وسيادة القانون العقلاني وغيرها من العناصر والعمليات التي تمثل جوهر عملية التحديث ولا يعني بالضرورة اكتساب الطابع الغربي, وان كان الغرب بحكم السبق وما له من قوة جذب وسيادة عالمية يفرض نفسه على كل مناهج التفكير في العالم ولا يمكن  الحديث عن المدنية الحديثة من تصنيع وتقنية ومؤسسات سياسية واقتصادية  دون الاتيان على تجربة الغرب, لكن سنركز على التفريق بين ما هو كلي وعام في التحديث وبين ما هو عرضي وخاص   .

اما  الدين فنعني به الدين كظاهرة تاريخية واجتماعية و ليس الدين  كمحتوى عقدي او لاهوتي بقصد صدار احكام نقدية او تقويمية للمنظومات العقدية والتحقق من سلامتها  واخضاعها للفحص البرهاني والتي تشكل مادة المباحث الإلهية والمدونات الكلامية والفلسفية في كل العصور والتي مثلت محور اهتمام النقد التنوير  في العصر الحديث وهي لا تهمنا هنا لأنها أولا تتعلق بالقناعات الفردية, وثانيا لان الدارسات العملية الحديثة قد تجاوزت النقد التجريدي لفلاسفة التنوير الذي اتسم بالثورية والحماسة   الى دراسة الدين نظام اجتماعي ودور وظيفي و تاريخي والصلات المعقدة بين الدين التحولات الحديثة .

ان التحديث بالمعنى السابق هدفا مرغوبا تسعى له كل شعوب العالم بل ان الحداثة الغربية وتوسع اوربا الاستعماري خلقت معضلة حادة عند المسلمين فاذا كان الإسلام هو الدين الحق فكيف يمكن تبرير هذا التفوق الغربي في الدنيا؟

لكن  التحديث كهدف وطني من شأنه ان يؤثر على  عموم  المجتمع  وكل بناه السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية  ويحتاج لمساندة المجتمع وليس موقفا يتعلق بقناعات الافراد الشخصية لذلك فان التصور الذي ساد لدى بعض  الجيل الأول من الحداثيين العرب عن الدين كعائق امام حركة الشعوب والدول نحو المدنية الحديثة ,وتحميل الدين مسؤولية التخلف هكذا بكل بساطة لا يلقى بين أيدينا إجابة سحرية للتخلف والنهوض تضللنا عن الأسباب الحقيقية للتخلف والتحديث فقط ,الأخطر من ذلك انه يدفع الشعوب المتمسكة بدينها الى تطوير موقف سلبي من التحديث ويضعها امام اختبار صعب يقايض الشعوب بين راس ماله الرمزي وراس ماله المادي دون ضرورة لذلك وتطرف مدني يولد تطرف ديني نحن في غنا عنه .

ان دراسة أصول التحديث من المواضيع التي تناولها بالدرس علماء وفلاسفة من مختلف الحقول العملية سيما علم الاجتماع الذي نشأ بالأساس في سياق دراسة أصول التحديث ودراسة التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا في العصر والعوامل التي ساهمت فيها وظروف تشكلها وتطورها ومن ذلك العلاقة بين الدين والمؤسسة الدينية والتحديث ومن بين أشهر علماء الاجتماع الذين تخصصوا في دراسة مساهمة الدين في المدنية الحديثة العلامة ماكس فيبر أحد اساطين علم الاجتماع في اطروحته  (روح الرأسمالية والأخلاق البروتستانتية)ثم توسع الى دراسة الأديان الأخرى والأديان الشرقية بما فيها الإسلام ,و من منطلق الابتعاد عن الجدل الشعبوي والتصورات الانطباعية سنتخذ من اراء هذا المفكر الكبير مدخلا لدراسة أنماط الصلات المقعدة والمتعددة للدين بالتحولات الحديثة كما حدثت في التاريخ  واذا كان ماكس فيبر قد حاول ان يدرس مساهم  حركة الإصلاح الديني من خلال تتبع  تاريخ تطور الرأسمالية الغربية  كظاهرة منجزة ,فإننا في حال العرب والمسلمين للأسف لم ينجزوا حداثتهم بعد  فان السؤال يتحول من ماذا حدث الى لماذا لم يحدث ؟ وعليه سنحاول من خلال دراسة المحاولة الإصلاحية لمحمد على باشا (المؤسس الحقيقي لما يسميه الأمير شكيب أرسلان النهضة الشرقية العربية في القطرين المصري والشامي) ان نعثر فيها على ما يساعدنا في القاء الضوء على أسباب تعثر محاولات التحديث الشرقية العربية والإسلامية وكيف كان دور وموقف المؤسسة الدينية في تلك الإصلاحات  .

 

قد يعجبك ايضا