أمريكا تتآكل من الداخل
الكونغرس في 2026 لم يعد مكاناً للتسوية وأصبح ساحة لاستعراض القوة وإدارة الأزمات وتعطيل المؤسسات.. القرار الأخير المتصل بإيران أنموذجاً
الثورة / إبراهيم الوادعي
تتناقل وكالات الأنباء ووسائل إعلام دولية وإقليمية باحتفاء كل على طريقته بقرب اتفاق إيراني أمريكي ينهي جولة القتال الحالية ولا ينهي العداء المستحكم بين النظام الإسلامي في طهران ومركز قوة الصهيونية الدولية في واشنطن ، وأيا يكن فحوى الاتفاق ، إلا أن ايران وفقا للتسريبات على أعتاب انتصار جديد في جولة ثانية من القتال المباشر صنع بعوامل عدة بينها القوة العسكرية التي بنتها لعقود الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني واستعادت ايران من حضن الصهيونية إلى حضن الإسلام وتماسك النظام الإسلامي ورسوخ آليات انتقال الحكم في اصعب الظروف ، والتفاف الشعب حول ايران كقومية وحول مكتسبات النظام الإسلامي مقارنة بالنظام البلهوي وأسباب أخرى ترتبط بواقع المنطقة منها تنامي قوة محور المقاومة والحضور اليمني المؤثر من بوابة مضيق باب المندب..
ولكن هناك أسباب أخرى ترتبط بواقع الولايات المتحدة الأمريكية من بينها هزيمة قواتها في معركة البحر الأحمر والضغط الذي أنتجته حرب ايران على الاقتصاد الأمريكي والعالمي ، وسبب آخر يتنامى في الولايات المتحدة وبدأ يستجلب الأضواء إليه، وهو الانقسام السياسي الذي يضغط بشكل كبير على الفرقاء السياسيين داخل الولايات المتحدة وبما يتجاوز المصلحة العامة لأمريكا كبلد إلى مصالح حزبية ومناكفات شخصية تستفيد منها اليوم الدول المستضعفة..
في الأسبوع الماضي كان لافتا اتخاذ الكونغرس قرار يقضي بمنع شن المزيد من الضربات ضد ايران ، ومع أن قرار كهذا يفتقر إلى آليات مؤسسية لتنفيذه لكنه عكس انتقال الخلاف السياسي الأمريكي إلى المؤسسات بحيث تتحول هذه المؤسسات إلى ساحات للمناكفة والصراع وتخرج عن دورها كمؤسسات دولة جامعة ، كما حدث مثلا في اليمن خلال 2011م حين حول مؤسسات الحكومة إلى ساحة للصراع بين عائلة الأحمر الحاكمة آنذاك .
ولفهم ما يجري في الكونغرس الأمريكي بشأن إيران فقد شهدت الأشهر الماضية سلسلة من المحاولات الديمقراطية لتقييد صلاحيات الرئيس دونالد ترامب العسكرية، والتي قوبلت جميعها بالرفض من قبل الأغلبية الجمهورية.
ومنذ بداية العمليات العسكرية ضد إيران في فبراير 2026، سعى المشرعون الديمقراطيون مراراً إلى تفعيل «قرار صلاحيات الحرب» لعام 1973. هذا القانون يتطلب من الرئيس الحصول على موافقة الكونغرس للاستمرار في أي أعمال عدائية تتجاوز 60 يوماً.
وشهد مجلس الشيوخ ومجلس النواب عدة عمليات تصويت على مشاريع قرارات تهدف لإنهاء العمليات أو تقييدها، لكن الأغلبية الجمهورية في الكونغرس واصلت دعمها للرئيس ترامب ورفضت هذه المشاريع.
والتصويت الأخير: في منتصف مايو 2026، حيث صوت مجلس الشيوخ على إجراء إجرائي دفع به الديمقراطيون، ورغم كونه أظهر بعض الانقسام داخل الحزب الجمهوري (حيث انشق عدد قليل من الجمهوريين)، إلا أن المحاولات الجوهرية لإنهاء الحرب فشلت في حصد الأغلبية المطلوبة.
ما تشهده حالياً هو «معركة رمزية» وسياسية أكثر منها قانونية ناجزة. فحتى لو نجح الديمقراطيون يوماً ما في تمرير قرار في الكونغرس، فمن شبه المؤكد أن يستخدم الرئيس ترامب حق الفيتو، كما أن المعارضة لا تمتلك حالياً ثلثي الأصوات المطلوبة في المجلسين لتجاوز هذا الفيتو، ينتظر الديمقراطيون انتخابات نوفمبر النصفية للحصول على هذه النسبة وربما الذهاب الى عزل ترامب..
يمكن قراءة التحركات الديمقراطية في الكونغرس ضمن استراتيجية سياسية مزدوجة؛ فهي من جهة تعبر عن قناعات أيديولوجية وقانونية تجاه قضايا منها ازمة الشرق الأوسط، ومن جهة أخرى تعد مناورة انتخابية ذكية استعداداً لدورات انتخابية قادمة، ويمكن فهم هذا المسعى «للنأي بالنفس» في النقاط التالية:
1. صناعة «سجل تصويت» ضد الحرب
يسعى الديمقراطيون إلى توثيق مواقفهم في السجلات الرسمية للكونغرس. عندما يصوتون لصالح مشاريع قرارات تقيد الحرب أو تنهيها، فهم يبنون «سجلاً» يمكنهم العودة إليه في حملاتهم الانتخابية.
الهدف: أن يقولوا للناخبين: «لقد حذرنا من التكلفة المالية، ومن مخاطر التصعيد الإقليمي، ومن تجاوز السلطات الدستورية». هذا الموقف يمنحهم «طوق نجاة» سياسي إذا ساءت الأمور عسكرياً أو اقتصادياً، وهي ذاهبة في هذا الاتجاه أمام غموض أهداف ترامب في الحرب على إيران مقارنة بوضوح الأهداف الإسرائيلية
2. وضع العبء على عاتق الجمهوريين
من خلال طرح مشاريع قوانين «محرجة» لتقييد الحرب، يضع الديمقراطيون الجمهوريين أمام اختبار صعب:
إذا صوت الجمهوريون بـ «لا»، فإنهم يتحملون المسؤولية الكاملة والمنفردة عن أي تدهور أو خسائر بشرية أو مالية مستقبلية مرتبطة بالعمليات العسكرية.
هذا يحول الحرب من «قرار أمريكي عام» إلى «حرب ترامب والجمهوريين» في المخيلة الشعبية والإعلامية، مما يعفي الديمقراطيين من تهمة التواطؤ في «مغامرة» قد تنتهي بنتائج كارثية.
3. استغلال الانقسام داخل المعسكر الجمهوري
يراهن الديمقراطيون على أن استمرار الحرب لفترة طويلة سيؤدي بالضرورة إلى تآكل الدعم داخل الحزب الجمهوري نفسه، خاصة من الجناح الذي يميل إلى «الانعزالية» (أمريكا أولاً) والذي قد يجد في التكاليف الباهظة للحرب تناقضاً مع شعاراته.
بإثارة هذه النقاشات، يضغط الديمقراطيون على «النواب المعتدلين» من الجمهوريين في المناطق التي قد تكون فيها الحرب غير شعبية، مما قد يؤدي إلى شروخ داخل الحزب الحاكم.
4. التكتيك السياسي: «المعارضة المسؤولة»
هذا التوجه يمنح الديمقراطيين دور «المعارضة المسؤولة» التي تحاول كبح جماح السلطة التنفيذية دون أن تبدو «خائنة» أو «مناهضة للمصلحة الوطنية ولاتصطدم باللوبي العميق « الصهيوني» « إذا ما حدث هجوم إيراني ضد القوات الأمريكية. هم يطالبون بـ «ترشيد» الحرب لا «وقفها فوراً» بطريقة قد تضر بالجنود في الميدان، مما يجنبهم تهمة «خذلان القوات المسلحة».
في المحصلة:
نعم، هناك محاولة واضحة لتحميل الإدارة الحالية والجمهوريين «التبعات السياسية» لأي فشل أو إطالة أمد لهذه الأزمة. إنهم يغرسون بذور سردية انتخابية مفادها أن: «الجمهوريين قادوا البلاد إلى مستنقع، بينما حاول الديمقراطيون دق ناقوس الخطر في الوقت المناسب».
وانطلاقا من هذا المستوى من الصدام يمكن الإشارة إلى أن الصراع السياسي داخل الولايات المتحدة في مايو 2026 بلغ مستويات توصف بأنها «استقطاب حاد» يهدد الأعراف الديمقراطية التقليدية، والحالة الراهنة لم تعد مجرد خلاف بين حزبين على السياسات، بل هي حالة من «العداء الوجداني التي تجاوزت النقاش العقلاني لتصل إلى اعتبار الطرف الآخر «عدواً وجودياً».
ويتلخص ذلك في عدة نقاط:
1. من «اختلاف الرأي» إلى «العداء الوجداني»
تشير الدراسات (مثل بيانات ANES لعام 2026) إلى أن الاستقطاب الشعبي وصل إلى مستويات تاريخية. لم يعد المواطن الأمريكي يكتفي بمعارضة الطرف الآخر، بل أصبح يشعر بعدم الثقة والكره تجاهه.
تآكل الأعراف: فقدت السياسة الأمريكية الكثير من قيم «التسامح المتبادل» التي كانت تضمن تداول السلطة بسلاسة. الطرف «الآخر» في نظر الكثيرين لم يعد منافساً وطنياً، بل أصبح «منافقاً» أو «جاهلاً».
الفقاعات المعلوماتية إذ تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مركزياً في تعميق هذا الشرخ، حيث تعمل الخوارزميات على عزل المستخدمين في «فقاعات» لا يسمعون فيها إلا ما يؤكد قناعاتهم، مما يجعل النقاش الوطني حول قضايا مثل الحرب مع إيران مستحيلاً عملياً.
2. مؤسسة «الكونغرس» كساحة معطلة
لم يعد الكونغرس في 2026 مكاناً للتسوية، بل أصبح ساحة لاستعراض القوة وإدارة الأزمات وتعطيل المؤسسات إذ شهدت السنة الماضية أطول إغلاق حكومي في التاريخ الأمريكي (43 يوماً)، مما يعكس عجز المؤسسة التشريعية عن الاتفاق حتى على الميزانيات الأساسية.
وهناك مخاوف متزايدة من «تسييس القانون»، حيث يُتهم كل طرف الآخر باستخدام الأجهزة الحكومية (مثل وزارة العدل) لملاحقة الخصوم سياسياً، مما يضعف ثقة الجمهور في نزاهة المؤسسات مثال ماشهدنا في انتقائية النشر في ملفات قضية أبستين.
3. ضغوط الحرب مع إيران كوقود للصراع
منذ اندلاع الصراع العسكري المباشر بين أمريكا ومعها إسرائيل ضد إيران في ما يعرف بالجولة الأولى فبراير 2026 زادت حدة الاحتقان الداخلي حيث ظهر أن هناك استياء شعبي واسع من الحرب لعدم وجود «خطة خروج» واضحة أو تفسير مقنع للأهداف. هذا أدى إلى بروز سرديات (مثل تورط إسرائيل في جر أمريكا للحرب)، مما يخلق انقسامات حتى داخل التحالفات السياسية التقليدية.
وأظهرت الاستطلاعات أن الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) يعانيان من مستويات غير مسبوقة من عدم الشعبية، حيث لا يحظى أي من الطرفين بتأييد أغلبية مريحة، مما يعزز حالة من عدم الاستقرار السياسي نتحدث هنا عن فقدان ثقة.
التهديد الدستوري وهنا يرى خبراء (مثل فيليب بوبيت وغيرهم) أن أكبر خطر لا يكمن في الخلافات الحزبية، بل في «تآكل سيادة القانون». هناك ممارسات مثل: التجاوزات التنفيذية كاتجاه الإدارة لتجاوز صلاحيات الكونغرس في التمويل والقرار العسكري , تسييس القضاء والتحول نحو ما يسميه البعض «حكم القضاة» أو الطعن في شرعية المحكمة العليا، مما يجعل المرجعية النهائية للقانون في مهب الريح.
وفي المحصلة:
الصراع في أمريكا اليوم ليس مجرد «أزمة عابرة»، بل هو أزمة نظامية. الولايات المتحدة تدخل عام 2026 وهي تعاني من انقسام اجتماعي ومؤسسي عميق يجعل من الصعب التوافق على أي ملف استراتيجي كبير. الحرب في إيران، بدلاً من أن توحد الأمريكيين خلف هدف وطني « افتراضا»، أصبحت «اختبار ضغط» كشف هشاشة الجبهة الداخلية وأظهر أن القوى السياسية مستعدة للمقامرة باستقرار الدولة من أجل تسجيل نقاط انتخابية
• تحذير موغريني
إن توصيف فيديريكا موغيريني عام 2016 للانقسام الأمريكي بأنه «عمودي وأفقي» كان استشرافاً دقيقاً لما آلت إليه الأمور في عام 2026. فما كان يُنظر إليه كاستقطاب سياسي حينها، تحول اليوم إلى حالة من التشرذم الاجتماعي والمؤسسي الذي يمس صميم النسيج الأمريكي.
ويمكن تلخيص مؤشرات هذا الانقسام اليوم في النقاط التالية:
1. الانقسام العمودي (على مستوى النخب والمؤسسات)
يظهر هذا الانقسام في حالة «الشلل التشريعي» وانهيار الثقة بين السلطات:
تعطيل المؤسسات: هناك صراع حاد بين الإدارة التنفيذية والكونغرس، وصل إلى حد التهديد المتكرر بإغلاق الحكومة (أكثر من 70% من الوزارات كانت مهددة بالإغلاق مطلع 2026)، مع عجز عن تمرير الميزانيات الأساسية بسبب الخلافات الحزبية.
تآكل «دولة المؤسسات»: الصراع لم يعد حول السياسات، بل حول شرعية المؤسسات ذاتها. هناك استخدام متبادل للقضاء والأجهزة الفيدرالية كأدوات في الصراع السياسي، مما أدى إلى انهيار شبه تام في الثقة بين المواطنين (خاصة في الولايات ذات الغالبية الديمقراطية) والأجهزة الأمنية والفيدرالية.
2. الانقسام الأفقي (على مستوى المجتمع والناس)
لم يعد الخلاف سياسياً فحسب، بل أصبح «وجدانياً» و»قيماً»، حيث يرى كل طرف في الآخر عدواً أخلاقياً كما بات واضحا في كثير من حالات الصدام التي يصعب تفسيرها.
• تمزق النسيج الاجتماعي: أظهرت بيانات عام 2026 أن أكثر من 60% من الأمريكيين يجدون صعوبة بالغة في الحديث مع من يختلفون معهم سياسياً. لم يعد الانقسام مقتصراً على الصناديق الانتخابية، بل امتد إلى «شبكات الصداقة»؛ حيث تزايدت نسبة من أنهوا صداقاتهم أو قاطعوا أقاربهم بسبب التوجهات السياسية.
• القيم الجوهرية: تشير دراسات حديثة (مثل تقارير IGC لعام 2026) إلى أن الأغلبية في الحزبين الديمقراطي والجمهوري يعتقدون الآن أن الطرف الآخر لا يشترك معهم في القيم الأساسية، بل ويصفونهم بأنهم «أكثر فساداً أو عدم أمانة» مقارنة ببقية المواطنين.
• التقوقع الجغرافي والإعلامي: أصبح المجتمع الأمريكي مقسماً إلى أشبه بدوائر أو «فقاعات» لا يتواصل أفرادها ولا يتشاركون مصادر المعلومات، مما جعل التوافق الوطني على قضايا كبرى (مثل الحرب مع إيران) أمراً شبه مستحيل، حيث يُنظر لكل قضية من منظور «حزبي بحت».
3. مؤشرات إضافية في 2026:
الانتخابات النصفية: أصبحت هذه الانتخابات بحد ذاتها عاملاً مفجراً للتوتر، حيث تعيق التوازنات الهشة في الكونغرس أي قدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية، مما يجعل السياسة الخارجية الأمريكية (مثل ملف إيران) رهينة للمزايدات الانتخابية الداخلية.
انهيار الولاء الوطني: لم تعد هناك ثقة بقدرة النظام السياسي على إدارة الأزمات أو تجاوز الخلافات، مما عزز مشاعر التشاؤم لدى الطرفين (74% من الديمقراطيين و60% من الجمهوريين يعبرون عن نظرة تشاؤمية للمستقبل السياسي للبلاد).
بالمختصر، لقد انتقلت أمريكا من مرحلة «الاختلاف في وجهات النظر» التي تحدثت عنها موغيريني قبل عقد، إلى مرحلة «التعايش في عوالم متوازية» لا تتقاطع إلا في ساحات الصراع والاحتجاج.
وفي المحصلة العامة فان النظام السياسي الأمريكي الذي تغنى به الكثيرين كنظام لا يعرف الأفول يتأكل اليوم ، وأمريكا التي جمعها نهم الاستيلاء على ارضي الهنود الحمر وثروات العالم لاحقا ، توشك أن تتقاتل فيما بينها وهي تقف على أعتاب ذلك وفقا لتحقيق استقصائي على شكل وثائقي نفذته شبكة dw أن الأحقاد انتقلت من البقة السياسية إلى المناصرين على مستوى العامة وبات كل يرى في الآخر عدو أسوأ من النازية وفق توصيف احد مناصري ترامب ، وما يهم أن هذا الأمر سينعكس إيجابا على الشعوب المستضعفة و مع تآكله من الداخل وضربات المجاهدين في العالم من الخارج، نحن نشهد عمليات تسارع لسقوط صنم الشيطان الأكبر والذي عبده البعض وإلى وقت قريب رأوا سقوطه مستحيلا..
