طوفان الساحات فجر الأمة الجديد

عادل حويس

تراءت خيوط الفجر الأولى فوق أفق غزة مثقلة بوعود لا تشبه سوابقها وفي تلك اللحظة الممتدة بين سكون الليل وانبثاق الضوء انزاح الستار عن مشهد لم تدونه دفاتر العسكرية التقليدية من قبل كان السابع من أكتوبر مخاضا عسيرا للتاريخ ولحظة فارقة تكسرت عندها أوهام التفوق والمنعة، حيث اندفعت أمواج طوفان الأقصى هادرة جارفة معها عقودا من الركود والجمود الاستراتيجي لتعيد رسم خارطة المنطقة بمداد من الإرادة الجسورة .
في ذلك القطاع المحاصر بالحديد والنار كانت السواعد السمراء تحول سنوات التضييق إلى طاقة إبداعية صامتة فاستحالت الأرض من تحت أقدام الغزاة شبكة من المفاجآت وتحول الحصار إلى قوة دافعة اخترقت الحجب والتحصينات، لم يكن الأمر مجرد فعل عسكري مباغت، بل كان قيامة لوعي جمعي عصي على المحو وإعلانا صريحا بأن القضية الفلسطينية ليست ملفا منسيا في أدراج السياسة الدولية بل هي جوهر الصراع الاستراتيجي في الشرق الأوسط .
ولأن الفعل الاستثنائي يستدعي بالضرورة صدى بمستواه، لم يبق الطوفان حبيس جغرافيته الضيقة وسرعان ما تحركت تروس وحدة الساحات في تناغم استراتيجي عكس عمَّق الترابط العضوي بين قوى المقاومة في المنطقة، فمن روابي جنوب لبنان، ارتفع صوت الميدان صاخبا عبر اشتباك استنزافي دقيق، فرض على الاحتلال معادلة تهجير متبادل وشل جبهته الشمالية بالكامل واضعا منظوماته التكنولوجية والدفاعية تحت وطأة ضربات متواصلة بعثرت أوراق القيادة العسكرية للعدو .
وفي امتداد جيوسياسي غير مسبوق تحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة، فرضت فيها القوات اليمنية حظرا بحريا صارما على السفن المتجهة إلى الموانئ المحتلة وكان هذا التحول بمثابة خنق لشريان الاقتصاد الصهيوني وبرهانا حيا على أن البعد الجغرافي تذيبه وحدة الموقف العقدي والسياسي وفي ذات السياق كانت المقاومة في العراق تكمل هذا الطوق الاستراتيجي بمسيَّراتها وصواريخها الباليستية التي دكت عمق الحصون المحتلة، لتؤكد أن المعركة لم تعد حكرا على فصيل أو رقعة أرض، بل هي مواجهة شاملة تديرها جبهات الإسناد بعقل بارد وتنسيق محكم .
لقد وضع هذا التكامل العسكري والسياسي القوى الدولية الداعمة للاحتلال أمام معضلة حقيقية، إذ أدرك الجميع أنهم لا يواجهون بقعة معزولة، بل يقفون أمام تحالف صلب يمتلك القدرة على إدارة معركة النفس الطويل وتوزيع الأدوار بكفاءة عالية ومع كل تضحية قدمتها غزة وكل قذيفة أطلقتها جبهات الإسناد كانت موازين القوى تتبدل لتكتب هذه الملحمة باحترافية وبسالة سطر النهاية لزمن الاستفراد وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها أن الدم العربي إذا تلاحم صنع فجرا لا يمكن حجبه .

قد يعجبك ايضا