إكثار البذور تصدر قائمة الأولويات التنموية بتمويل وصل إلى 272.5 مليون ريال وبنسبة 15.5%

نهضة استثمارية زراعية بمحافظة الحديدة خلال العام الماضي بتكلفة إجمالية بلغت ملياراً و762 مليون ريال:

 

 

تخصيص 192.5 مليون ريال لقطاع اللوجستيات والطرق الريفية
344 مليون ريال لإعادة تأهيل قنوات الري المتهالكة ورفع كفاءة النقل المائي
إنشاء المختبر المركزي للأسماك والأحياء البحرية بتكلفة 129 مليون ريال
168 مليون ريال خُصصت لمشروع الحزام الأخضر لدعم قطاع تربية النحل وإنتاج العسل اليمني العالمي

تحولت محافظة الحديدة إلى نقطة تحول جوهرية في مسار السيادة الغذائية والتنمية الريفية المتكاملة، حيث لم تعد المشاريع مجرد أرقام في ميزانية الدولة، بل أصبحت ركائز صلبة لهندسة اقتصاد مقاوم. هذا التحول تجسد في تنفيذ حزمة من المشاريع الاستراتيجية التي تجاوزت تكلفتها الإجمالية ملياراً و762 مليون ريال يمني، في استثمار ضخم تديره وتموله وحدة تمويل المشاريع والمبادرات الزراعية والسمكية بالمحافظة، وتعبر هذه الأرقام عن فلسفة اقتصادية جديدة تسعى لتحويل سهل تهامة إلى قاطرة تقود الاقتصاد الوطني نحو الاكتفاء الذاتي، محطمةً الرهانات الدولية التي حاولت عبر سنوات العدوان والحصار تحويل الغذاء إلى ورقة ضغط سياسي.

الثورة/ يحيى الربيعي

وأوضح مدير وحدة تمويل المشاريع والمبادرات الزراعية والسمكية بالمحافظة، يحيى الوادعي، أن هذه التدخلات النوعية خلال العام 2025م جاءت كترجمة عملية ومباشرة لموجهات القيادة الثورية والمجلس السياسي الأعلى. وأكد الوادعي أن الخطة لم تكن مجرد رد فعل على الأزمات، بل هي استراتيجية هجومية تهدف إلى استغلال الميزات الجيواقتصادية للحديدة لتقليص فاتورة الاستيراد وتوطين الإنتاج. وأفاد بأن الوحدة ركزت على «المشاريع ذات الأثر المستدام»، حيث وضعت تأهيل قنوات الري وترميم المراكز البحثية ودعم مؤسسات إكثار البذور كأولوية قصوى، باعتبارها الركائز التي تضمن ديمومة الإنتاج في مختلف الظروف المناخية والسياسية، بعيداً عن الارتهان للمدخلات الخارجية التي يتحكم فيها العدو.
ولفت الوادعي إلى أن تمكين الجمعيات التعاونية الزراعية والسمكية مؤسسياً وفنياً كان في صلب هذه المعركة التنموية، انطلاقاً من الإيمان بضرورة تفعيل الدور الشعبي كشريك أساسي في إدارة المشاريع وضمان وصول ثمار التنمية إلى القرى النائية. وأكد أن رفد الهيئة العامة لتطوير تهامة بالمعدات الثقيلة وإنشاء المختبر المركزي للأسماك يمثلان خطوات جوهرية لحماية الثروات الوطنية من الهدر والعبث، مشدداً على أن الوحدة ماضية في ابتكار حلول لاستغلال الأراضي الصالبة وزراعة الكثبان الرملية، بما يضمن تحويل كل شبر من تهامة إلى جبهة إنتاجية.
ثورة البذور
تعتبر السيطرة على «البذرة» هي الخطوة الأولى والأساسية نحو الاستقلال الاقتصادي والقرار السياسي. وفي هذا السياق، تصدرت مشاريع البحوث وإكثار البذور قائمة الأولويات التنموية بتمويل وصل إلى 272.5 مليون ريال ، ما يمثل 15.5 % من إجمالي المخصصات. هذه الخطوة تهدف بشكل مباشر إلى تكريس السيادة الوطنية على البذور وتحسين جودة المحاصيل المحلية، بعيداً عن البذور المستوردة التي غالباً ما تُستخدم كأداة للتبعية الزراعية.
وفي محطتي «الكدن» و«الجرابح» بمديرية الضحي، أعيد الاعتبار للبحث العلمي الزراعي بعد سنوات من الإهمال الممنهج. فبتمويل قدره 113 مليون ريال، تم انتشال محطة الكدن لتصبح مركزاً لأبحاث استراتيجية تشمل تحسين السلالات الوراثية لمحاصيل السمسم، الذرة، والدخن، وتطوير أصناف من المانجو والنخيل تتناسب مع المناخ التهامي الحار. بالتوازي مع ذلك، شهدت منطقة الجرابح مشروعاً نموذجياً شمل حفر خمس آبار وتزويدها بمنظومات الطاقة الشمسية بتكلفة 159 مليون ريال، وهو ما يحرر العملية الزراعية من تذبذب أسعار الوقود الأحفوري ويضمن انتظام الري لإنتاج بذور عالية الجودة تُوزع على المزارعين، لتكون النواة الأولى لتوحيد جودة الإنتاج الوطني.
تأمين الإنتاج
لم تتوقف النهضة التنموية عند حدود المزرعة، بل امتدت لتشمل البنية التحتية اللوجستية التي تضمن وصول المنتج إلى المستهلك بأقل التكاليف. خصصت الدولة 192.5 مليون ريال لقطاع اللوجستيات والطرق الريفية، وعلى رأسها طريق «الزهرة – دير الأخرش» بطول 16.5 كيلومتر. هذا المشروع يمثل شريان حياة يقلل من فاقد ما بعد الحصاد ويخفض تكاليف الشحن، مما ينعكس إيجاباً على دخل المزارع وسعر المنتج النهائي، محطماً العوائق الجغرافية التي كانت تعزل القرى المنتجة عن المراكز الحضرية.
الموارد المائية
وفيما يخص إدارة الموارد المائية، وتحديداً في المربع الجنوبي ووادي زبيد، بلغت تكلفة المشاريع 344 مليون ريال، ركزت هذه المشاريع على إعادة تأهيل قنوات الري المتهالكة لرفع كفاءة النقل المائي ومنع الهدر الناتج عن التسرب الأرضي. إن إعادة التحكم في توزيع السيول لا تحمي الأراضي من الانجراف فحسب، بل تساهم في تغذية الحوض الجوفي، مما يجعل المنظومة الزراعية في تهامة أكثر مرونة في مواجهة فترات الانقطاع المطري، ويحول كل قطرة ماء إلى قيمة مضافة في الناتج القومي.
المختبر المركزي وحماية الثروات البحرية
تمثل محافظة الحديدة عصب الثروة السمكية في اليمن، ولذلك جاء مشروع إنشاء المختبر المركزي للأسماك والأحياء البحرية بتكلفة 129 مليون ريال كخطوة استراتيجية لتعزيز «الاقتصاد الأزرق». يهدف هذا المختبر إلى تحديث منظومة الرقابة والجودة، وهو أمر حيوي لضمان سلامة الغذاء محلياً ورفع القيمة السوقية للمنتجات السمكية في الأسواق الدولية عبر شهادات مطابقة المعايير، مما يعزز من تدفق العملات الصعبة ويدعم استدامة الصيد.
وعلى الصعيد البيئي، خُصص 168 مليون ريال لتنفيذ المرحلة الثانية من مشروع الحزام الأخضر، الذي شمل زراعة آلاف النخيل وأشجار السدر. هذا التوجه لا يعمل فقط كمصدات طبيعية لزحف التصحر وحماية المنشآت الحيوية، بل يمثل دعماً مباشراً لقطاع تربية النحل وإنتاج العسل اليمني العالمي، مما يخلق توازناً بيئياً واقتصادياً يربط بين حماية الأرض وزيادة الإنتاجية.
نموذج التكامل
إن مخرجات تقرير عام 2025م لمشاريع محافظة الحديدة تؤكد أن اليمن يمضي بخطى ثابتة نحو تحويل التحديات التي فرضتها قوى الاحتلال والسياسات الاستعمارية إلى فرص للبناء المستدام. إنفاق أكثر من 1.76 مليار ريال في عام واحد هو استثمار في السيادة الوطنية، حيث تظهر البيانات نجاح نموذج التكامل؛ فالدولة توفر التمويل والإشراف (وحدة التمويل)، والهيئات البحثية تقدم التكنولوجيا (محطة الكدن)، بينما تتولى الجمعيات التعاونية والمبادرات المجتمعية التنفيذ الميداني.
وتشير النتائج الاستراتيجية لهذه المشاريع إلى أن اليمن بدأ فعلياً في بناء «درع اقتصادي» يحميه من التقلبات السعرية العالمية والضغوط الجيوسياسية. ومع التوصيات بالانتقال إلى مرحلة «التصنيع الزراعي والسمكي» لتعظيم القيمة المضافة، وتوسيع تقنيات الزراعة الذكية، تظل الحديدة هي الجبهة الاقتصادية الأهم التي تبرهن أن إرادة البناء والتغيير هي الضمانة الوحيدة لتحقيق الاستقلال الكامل وتثبيت دعائم الكرامة الوطنية.

قد يعجبك ايضا