تسارعت الماكينات الإعلامية الناطقة بالعبرية والمتماهية معها عربياً إلى عرض وتكرار مشهد هوليودي في جنوب لبنان، مروجة لما وصفته بتقدم وسيطرة جيش الاحتلال على قلعة الشقيف الأثرية وكأنه اختراق استراتيجي سيغير وجه المنطقة.
هذا المشهد يؤكد أن الجمهور أمام حالة من التضليل والتضخيم الإعلامي الممنهج الذي يحاول تصوير المكوث المؤقت بين حجارة معلم سياحي وتاريخي تشرف عليه وزارة الثقافة اللبنانية، كما لو أنه إسقاط لغرفة عمليات عسكرية محصنة.
ويتغافل صانعو هذا المشهد التضليلي عن حقيقة ميدانية وعسكرية بسيطة وهي أن المقاومة لا تدير معاركها من داخل قلاع القرون الوسطى المكشوفة، بل من مواقع عجز العدو عن اكتشافها أو فهم طبيعتها وكيف يتحرك المقاومون وينفذون العمليات رغم كل تعقيدات الميدان.
تمثل الشقيف أو «بوفور» -كما سماها الصليبيون- معضلة جغرافية عصية على الترويض، مبنية على جرف صخري شاهق شاهراً سيفه فوق مجرى نهر الليطاني وسهول مرج عيون، ومطلاً بعين لا تنام نحو جبل الشيخ وفلسطين المحتلة.
ويعود أساس هذا البنيان إلى العهدين الروماني والبيزنطي، قبل أن يحولها الفرنجة إلى واحدة من أحصن قلاع الشرق، لتغدو مع مرور القرون الجائزة الكبرى التي تتقاتل عليها الإمبراطوريات.
شهدت هذه الأسوار جحافل الغزاة من صليبيين وأيوبيين ومماليك وعثمانيين، حاصرها صلاح الدين الأيوبي لعام كامل، ودخلها الظاهر بيبرس مرمماً، وتحصن فيها الأمير فخر الدين المعني الثاني متمرداً، كل تلك الجيوش المدججة بالحديد عبرت من الشقيف، وضعت أثقالها ثم تلاشت تحت تراب التاريخ، بينما بقيت القلعة شامخة، لتؤكد أن المحتل لا بد أن يرحل وتبقى الأرض لأهلها.
المشهد السريالي لجنود الاحتلال وهم يحاولون رفع علم الكيان فوق الأبراج المملوكية والصليبية يقودنا إلى مفارقة تثير السخرية من بؤس الوعي الصهيوني، يقف هذا الكيان الطارئ على هامش التاريخ والذي بالكاد يجمع شتات ثمانية عقود من الوجود المصنوع في دوائر الاستعمار، متفاخراً بالاستيلاء على حجارة تضرب جذورها في الأرض منذ أكثر من ألفي عام، تبدو المحاولة الإسرائيلية للتماهي مع عظمة المكان كمن يبحث عن نسب حضاري مفقود، فمشهد العلم الأزرق فوق جدران الشقيف العتيقة، لم يقدم دليلاً على السيطرة، بقدر ما قدم تعبيراً عن أزمة هوية عميقة لكيان يحاول النيل من لبنان الضارب في عمق التاريخ الإنساني المقاوم، الذي شهد ولادة الأبجديات وموت الإمبراطوريات بينما كان المستوطنون الأوائل يلملمون حقائبهم من أصقاع الأرض.
يتجاوز السلوك العسكري الحالي في الشقيف حدود المناورة الميدانية والتصعيد البري ليدخل في سياق الثأر النفسي، تعود الجذور الحاقدة إلى ليلة السادس من حزيران عام 1982م، حين تقدمت ما كانت تسمى بنخبة لواء «غولاني» نحو القلعة أثناء الاجتياح الكبير في مواجهة وصفها قادة العدو لاحقاً بأنها من أكثر معاركهم دموية وضراوة. كان التقدير الإسرائيلي حينها يرى في إسقاط القلعة شرطاً أساسياً لحماية الخاصرة الشمالية لفلسطين المحتلة، لكن ما حدث كان ملحمة كَسرت قوات النخبة الصهيونية ونسفتها، إذ دار داخل الخنادق والسراديب الضيقة قتال من المسافة صفر بين غزاة مدججين بأحدث الأسلحة وثلة من الفدائيين الفلسطينيين واللبنانيين واليمنيين والعرب الذين رفضوا الاستسلام أو الانسحاب. كان القتال شرساً لدرجة أن القلعة التهمت قادة الوحدة الصهيونية وعلى رأسهم قائد القوة المقتحمة «غوني هيرنيك»، ومنذ تلك الليلة حُفر في الوعي الجمعي للكيان اسم الشقيف باعتباره الوحش الذي يبتلع الجنود ويخرج الجثث.
حين انكفأ العدو عام 1985م إلى ما سمي بالشريط الحدودي تحولت القلعة إلى موقع عسكري متقدم ومعزول تحصن فيه الجنود داخل دشم إسمنتية تحت قصف يومي واستنزاف لا يرحم، حتى أصبح الطريق المؤدي إليها يُعرف في الصحافة العبرية باسم «الطريق الدامي» بفعل العبوات الناسفة والكمائن القاتلة التي جعلت حياة الجنود هناك جحيماً مستداماً.
وتتبدى ذروة السخرية اليوم في تصوير السيطرة على حجارة الشقيف وكأنه انتصار ميداني، بينما جيش العدو نفسه هو من فجر مواقعه الإسمنتية بأطنان المتفجرات في أيار عام 2000م، حين قرر الهروب المذعور من جنوب لبنان تحت ضربات المقاومة الإسلامية. كان الانسحاب سرياً ومهيناً تحت جنح الظلام لأن البقاء في حضن «الوحش» كان يعني تدفقاً لا يتوقف للتوابيت نحو تل أبيب، تلك الهزيمة النفسية والميدانية ما زالت ندوبها محفورة في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية حتى هذه اللحظة وأظن أنها ستستمر طويلاً.
ما لا تقوله وسائل الإعلام الصهيونية والعربية المتصهينة وتحتفظ به جدران القلعة في طياتها، هو أسرار التلاحم العروبي والقومي الذي جسده الفدائيون اليمنيون الذين غادروا بلادهم نصرة للقضية الفلسطينية ودفاعاً عن البقاع والجنوب اللبناني ضمن كتيبة الجرمق الطلابية، حيث امتزج الدم اليمني بتراب فلسطين ولبنان في زمن لم تكن فيه جبهات المحور قد تأسست بعد، بل كانت تقاد بعقيدة الدم الواحد والجهاد المقدس.
وفي الشقيف برز اسم الشهيد البطل عبدالكريم الكحلاني- نائب قائد حامية القلعة ومعه يمنيون آخرون كشواهد حية على هوية إيمانية، رأت في فلسطين ولبنان خط الدفاع الأول عن كرامة الأمة. ارتقى الكحلاني ورفاقه في ذات الخنادق التي أوجعت لواء جولاني، زارعين في ثرى الشقيف حقيقة تاريخية تقول إن اليمني يحارب حيثما تكون الأمة في خطر، ليبقى ضريحه هناك مزاراً رمزياً يعلن أن لجبهات الإسناد جذوراً ضاربة في التاريخ قبل أن تصبح مصطلحاً عسكرياً معاصراً.
هذا الإرث الفدائي القديم يتصل مباشرة بالإسناد ووحدة الساحات والجبهات، وثمة خيط رابط يمتد من الاشتباكات مع المجموعات اليهودية في القدس منذ العام 1946م إلى خنادق الشقيف عام 1982م إلى منصات الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة التي انطلقت من اليمن لتربك حسابات الكيان في عمق الأراضي المحتلة، وهو ما يؤكد أن الموقف اليمني الراهن المساند عسكرياً وسياسياً وإعلامياً للمقاومة في لبنان وفلسطين امتداد طبيعي لدماء الكحلاني ورفاقه. بالأمس كان الإسناد اليمني يتم بالجسد والبندقية والدافع الإيماني الجهادي وبإمكانيات محدودة تحت حصار الجغرافيا، واليوم يتجسد في صواريخ بالستية وفرط صوتية وطائرات مسيَّرة من فخر الصناعات اليمنية تقطع الآلاف من الكيلومترات لتفرض معادلات ردع جديدة في البحر الأحمر وعمق الكيان.
عودة الصهاينة اليوم إلى الشقيف تسجل تكراراً أحمق لتجربة مجرّبة، ولم تكن تحذيرات الباحثة الصهيونية والمسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي «أورنا مزراحي» من مغبة الاستغراق في نشوة السيطرة على القلعة إلا انعكاساً لمخاوف حقيقية من وقوع جيش العدو مجدداً في «المستنقع اللبناني» الذي اعتاد على أن يلفظ الغزاة، كما أن هذا الاعتراف الضمني يقدم دليلاً إضافياً على أن الوحش في القلعة لا يزال جائعاً، وأنياب المقاومة لم تفقد حدتها.
والثابت أن قلعة الشقيف ستبقى شامخة كما كانت لألفي عام وستواصل صخورها العتيقة ابتلاع الغزاة جيلاً بعد جيل، أما أولئك الواقفون فوق أبراجها المملوكية حاملين علمهم الأزرق، فليسوا سوى ضيوف ثقلاء على حجارة ألفت لفظ الطامعين، وتاريخ القلعة يشهد أن كل من دخلها غازياً خرج منها إما في نعش أو هارباً يجر أذيال الهزيمة في عتمة الليل
