مما لا شك فيه أن هناك هوة عميقة تفصل بين واقع الرياضة اليمنية اليوم وبين واحدة من أهم ركائزها، إنها ألعاب القوى هذه اللعبة المعروفة عالمياً بأم الألعاب التي سقطت عمداً من قاموس الأنشطة والبرامج على مستوى الساحة، فلا الاتحادات تذكرها ولا الجهات المنظمة تضعها في حساباتها، وكأن هناك اتفاقاً غير مكتوب فيما بينها على تغييبها.
ربما يعود السبب الجوهري لهذا التغييب إلى الغياب التام للاتحاد العام للعبة الذي يغط في نوم عميق، مفضلاً الابتعاد عن وجع الرأس وتنظيم البطولات التي قد تجلب المتاعب الإدارية، إنها عقلية السلامة التي قتلت الإبداع وحولت الاتحاد إلى مجرد هيكل ورقي لا أثر له في الميدان، وبالتأكيد أن اللوم هنا لا يقع على عاتق الاتحاد وحده، بل يمتد ليشمل الأندية الرياضية وإدارات الأنشطة المدرسية والجامعية التي استسهلت تغييب ألعاب القوى عن أجنداتها، أما وزارة الشباب والرياضة، فقد اكتفت بدور المتفرج وهو الدور الذي شجع الاتحادات على التمادي في نومها الطويل بعيداً عن أي رقابة أو محاسبة على التقصير.
المفارقة العجيبة أن ألعاب القوى هي الأقل كلفة والأسهل تنظيماً، فبطولة متكاملة يمكن أن تقام في يوم أو يومين وبإمكانيات بسيطة، تخيلوا لو أن الاتحاد فكر في تنظيم تصفيات في المحافظات، وصولاً لنهائي العاصمة صنعاء، أو لو أن اللجنة الأولمبية اليمنية تخلت عن تقاعسها ونظمت ماراثونات جماهيرية واسعة، كيف سيكون صدى ذلك ومردوده على الصحة العامة واكتشاف المواهب؟ لكن حين يتخلى الجميع عن مسؤولياتهم تصبح العشوائية هي العنوان.
بينما تنفق الدول الملايين لصناعة بطل أولمبي واحد، تمتلك اليمن خامات بشرية استثنائية، تمتلك الجينات والقدرة الفطرية على التميز في أم الألعاب لكن هذه الثروة الوطنية تظل اليوم مشاريع أبطال معلقة، ليس لنقص في الكفاءة، بل بسبب غياب الإرادة والقرار لدى الجهات المسؤولة التي تركت هؤلاء النجوم يواجهون التهميش وحدهم، فنحن نمتلك في اليمن خامات بشرية مذهلة ومواهب فطرية لكنها بحاجة فقط إلى إدارة تؤمن بهم وللأسف فإن البرامج العقيمة مثل برنامج الواعدين في اللجنة الأولمبية، لم تقدم شيئاً يذكر للمبدعين، بل دفعت الكثير منهم للتفكير في الهجرة إلى بلدان أخرى تقدر مواهبهم وتوفر لهم لقمة العيش الكريمة بعد أن أيقنوا أن أحلامهم في وطنهم منسية ومؤجلة حتى إشعار آخر.
ألعاب القوى من أهم الألعاب التي يفترض أن تكون في طليعة الألعاب التي تقام لها المسابقات والبطولات والمنافسات وعلى كافة الأطراف أن تعي دورها ومهمتها، بدءاً من وزارة الشباب والرياضة، مروراً باللجنة الأولمبية، وصولاً إلى الاتحاد العام للعبة وفروعه والأندية الرياضية وذلك من أجل أن نعيد لألعاب القوى اليمنية مكانتها وسمعتها، فنحن بالتأكيد نمتلك المواهب والخامات المتميزة في هذه اللعبة ومسابقاتها المختلفة وبحاجة فقط إلى من يرعاهم ويدعمهم بشكل أفضل.
إن ألعاب القوى اليمنية تستغيث، ليس طلباً للمستحيل، بل بحثاً عن مضمار عادل وقلب مخلص يرعى إبداعها.. فهل ننتظر حتى نرى أبطالنا يرفعون أعلام دول أخرى لنذرف دموع التماسيح على ضياعهم؟ وهل ستبقى ألعاب القوى اللعبة اليتيمة؟.
