في ظل التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة والعالم، لم يعد الصراع مع العدو الإسرائيلي محدوداً بالمواجهة العسكرية فقط، بل أصبح صراعاً شاملاً يتطلب تحركاً واسعاً في مختلف الميادين، يمتد إلى مختلف الميادين السياسية والإعلامية والثقافية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، أي إن الصراع في بعده العسكري ليس سوى أحد وجوه المعركة، بينما تدور معارك أخرى لا تقل أهمية، بل تكون ميادين أكثر تأثيراً، بل وكثيراً ما تكون حاسمة في تحديد اتجاهات الصراع ومستقبله.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الحروب الحديثة كما تُحسم في ساحات القتال هي تُدار أيضاً في العقول والوعي، وفي قدرة المجتمعات على الحفاظ على هويتها وبناء عناصر قوتها الشاملة، ومن هنا تتضح أهمية إدراك أن الصراع مع العدو الإسرائيلي هو صراع شامل وواسع، تستخدم فيه صناعة الوعي وتوجيه الرأي العام والتحكم في مسارات الاقتصاد والمعرفة.
فمن هذه الزاوية، اتخذت المعركة أبعاداً أوسع وأكثر تعقيداً مع الكيان الصهيوني، بحيث تتداخل فيه معارك الإعلام والثقافة والاقتصاد والوعي، ففي عالم تُصاغ فيه الحقائق عبر المنصات الإعلامية وتُعاد فيه كتابة الروايات، بما يخدم مصالح القوى النافذة، أصبحت معركة الوعي واحدة من أخطر جبهات الصراع في العصر الحديث، إذ بسعى الأعداء إلى توظيف منظومات إعلامية وثقافية واقتصادية ضخمة لتوجيه الرأي العام العالمي وإعادة تشكيل المفاهيم، بما يضعف الرواية العربية والإسلامية ويحدّ من قدرتها على التأثير.
كل هذه الأبعاد تؤكد أن الصراع مع الكيان الإسرائيلي هو صراع شامل، يتطلب رؤية استراتيجية واسعة، يستدعي بناء القوة في مختلف المجالات: العسكرية والفكرية والاقتصادية والعلمية والثقافية، لأن أي خلل في أحد هذه الميادين قد ينعكس على بقية الجبهات.
ومن هنا تبرز أهمية معركة الوعي بوصفها الركيزة الأساسية لأي مشروع مقاومة حقيقي، فالشعوب التي تدرك طبيعة الصراع وأبعاده تكون أكثر قدرة على الصمود، وأكثر استعداداً لبناء عناصر القوة الشاملة، أما الشعوب التي تُحجب عنها حقيقة الصراع، فإنها تصبح عرضة للتضليل وفقدان الاتجاه.
إن الأعداء يدركون جيداً أن إضعاف الأمة يتحقق عبر المواجهة والعمل المتواصل في مختلف الميادين لإرباكها وتشتيت طاقاتها وإبعادها عن مصادر قوتها الحقيقية، ولهذا فإن مواجهة المشروع الصهيوأمريكي تتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على بناء القوة في مختلف المجالات.
وفي ضوء ذلك- كما تحدث السيد القائد- “طبيعة الصراع مع الأعداء ليس مجرد صراع عسكري، فهم يتحركون بشكل واسع لإضلال الأمة على كل المستويات،” “ميدان الصراع مع الأعداء ساخن وواجب الأمة أن تتجه في كل مجال من المجالات كميدان جهاد ومواجهة مع اليهود.”
وبعد أن جرب العرب والمسلمون العديد من الرؤى السياسية والفكرية المستوردة، والتي لم تسهم في معالجة أزمات الأمة أو حماية قضاياها الكبرى، يبرز القرآن الكريم بأنه البوصلة القرآنية التي تمثل الخطوة الأساسية في فهم رؤية شاملة لطبيعة الصراع وأبعاده، وبناء موقف واعٍ وقادر على مواجهة التحديات في مختلف الميادين.
