لبنان.. بين (السلطة) والمقاومة

عبد الفتاح البنوس

لا سلطة في لبنان سوى سلطة المقاومة، وواهم كل الوهم من يظن، ولو مجرد الظن خلاف ذلك، فالمقاومة هي من أسهمت في إيجاد ( السلطة)  بشقيها الرئاسي والحكومي، ولولا المقاومة والتنازلات التي قدمتها، لما وصل جوزيف عون إلى قصر بعبدا، ولما تبوأ فياض سلام مهام رئاسة الحكومة اللبنانية، فالأول انتخب رئيسًا لكل اللبنانيين، انتخب لقيادة لبنان إلى بر الأمان، والأخذ بيدها لتجاوز الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ومعالجة الاحتقان السياسي القائم، والتصدي للمؤامرات التي تحاك ضد لبنان ومقاومته، وسلاحها الذي هو سلاح للدولة اللبنانية قبل أن يكون سلاحًا لحزب الله،  والوقوف حجر عثرة أمام مشروع دولة إسرائيل الكبرى الذي يبتلع أجزاء واسعة من لبنان وفق الخارطة الجغرافية الخاصة بهذا المشروع التوسعي الاستيطاني الذي يشتغل عليه الإسرائيلي ويسعى جاهدًا لترجمته على الأرض، بالاعتماد على الدعم والإسناد الأمريكي.
والثاني: اختير رئيسًا للحكومة اللبنانية التي تمثل كافة أبناء الشعب اللبناني، لا أن يكون ممثلًا للتيار أو التحالف الذي ينتمي إليه،  ليتحول إلى عدو متربص بلبنان وشعبها ومقاومتها وسيادتها وأمنها واستقرارها، ولم يمنح الثقة ليمارس سياسة الاستقواء واستعراض العضلات على أبناء شعبه، وأصحاب الفضل في وصوله إلى هذا المنصب، ولا لكي يتبنى وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية بشأن نزع سلاح المقاومة وتفكيك حزب الله، وفتح الباب على مصراعيه أمام الكيان الصهيوني ليواصل عربدته وإجرامه وتغوّله وتوغّله في الداخل اللبناني بكل أريحية دون أي معارضة.
يعني أن السلطة اللبنانية (رئاسةً وحكومةً) كان من المفترض أن تكون في الصف اللبناني،  وأن تنتصر للحق اللبناني، وللقضية اللبنانية المحقّة والعادلة، وفي مقدمة ذلك  الوقوف في وجه التغوّل والتوغّل الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية،  وإعطاء الضوء الأخضر للجيش اللبناني للدفاع عن السيادة اللبنانية المنتهكة من قبل الصهاينة، والعمل على اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة الكفيلة بإيقاف العربدة والإجرام والتوحّش الإسرائيلي المتواصل بحق القرى والمدن اللبنانية في الضاحية الجنوبية،  لا أن تذهب للتفاوض مع الإسرائيلي واستجداء رضاه،  نزولًا عند رغبة الأمريكي، تحت إغراءات الدعم المالي والمساعدات التي لن يحصلوا عليها؛ لكونها مجرد طعم يقدّمه الأمريكي والإسرائيلي لهم  من أجل اصطيادهم من خلاله.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي تملكه هذه السلطة الكسيحة لتقدّمه للإسرائيلي من خلال مفاوضات واشنطن؟! وتحت أي سقفٍ ستجرى هذه المفاوضات؟!  وقبل هذا وذاك، من الذي فوّضها للتفاوض باسم لبنان واللبنانيين؟!  وهل تدرك  فداحة ووقاحة ما هي  مقدمة عليه من عار سيظل يلاحقها عبر الأجيال المتعاقبة جيلًا  بعد جيل؟!  وهل تعي أن هذه المفاوضات وما سيسفر عنها لا تعني لبنان ومقاومتها وشعبها لا من قريب ولا من بعيد، وليست ملزمة بتنفيذها،  أو حتى التعاطي معها على الإطلاق؟! وهل تدرك أنها لا تملك ما تقدّمه للأمريكي والإسرائيلي من خلال المفاوضات سوى المزيد من التنازلات، والمزيد من الانبطاح والذل والمهانة، مقابل الوعود الأمريكية بالدعم المالي والإسناد العسكري للحرب الأهلية التي يعمل على تفجيرها بين الجيش اللبناني ومجاهدي حزب الله والمقاومة اللبنانية، تحت يافطة نزع سلاح الأخيرة؟!!
حزب الله يواصل تنكيله بجنود وآليات العدو الصهيوني في المناطق الحدودية اللبنانية التي توغّل فيها، ويبلي بلاءً حسنًا في الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، متسببًا في حالة إرباك غير مسبوقة للكيان المؤقت على مستوى الحكومة والجيش والشارع، والطائرات الانقضاضية المسيرة التي تعمل بتقنية الألياف الضوئية تواصل أداء مهامها الجهادية التأديبية للصهاينة الغزاة البغاة بكل نجاح، وهو واقع في غاية التميّز والروعة وكان الأحرى بما يسمى مجازًا بالسلطة اللبنانية، أن تستغله لممارسة الضغط على الكيان الإسرائيلي لإجباره على ايقاف العدوان على جنوب لبنان،  والالتزام بقرار وقف إطلاق النار،  على اعتبار أن ذلك يندرج ضمن أولويات مهامها المنوطة بها،  والمسؤوليات الموكلة إليها.
خلاصة الخلاصة:  ما ضر ولن يضر المقاومة اللبنانية بإذن الله ما يصنعه جوزيف عون وفياض سلام ومن على شاكلتهما من أبواق العمالة والإرتزاق،  المقاومة بالله أقوى، والمقاومة بلبنان وشعبها الصابر الصامد الوفي أشد بأسًا وأكثر عزيمةً وإصرارًا على المضي في ميدان الجهاد حتى تتحرر الأراضي المحتلة،  لا مساومة ولا مقايضة على ذلك،  لا تفريط بدماء وتضحيات الشهداء العظماء،  ولا تراجع عن مسارهم الإيماني الجهادي الذي سلكوه في حياتهم، لا قبول بأي مفاوضات مع الغازي المحتل،  ولا سلطة لسلطة تتاجر بتضحيات أبناء شعبها، وتقفز على أوجاع ومعاناة النازحين والمهجّرين من أبناء شعبها، اليد اللبنانية التي تمتد لمصافحة نتنياهو يد تلوثت بعهر العمالة والخيانة، يد لا تمثل لبنان ولا تشرّف أي لبناني، ومن أعطى لنفسه الحق في التفاوض المباشر  مع الإسرائيلي،  عليه أن يبلِّل ما ستسفر عنه تلكم المفاوضات في كوب ماء، وليقم بشربه، ومن يدري قد يكون فيه الشفاء له من داء العمالة والخيانة وفيروسات الخنوع والخضوع، والذل والمهانة!!!
والعاقبة للمتقين.

قد يعجبك ايضا