المضائق والممرات المائية واستراتيجية الهيمنة

طاهر محمد الجنيد 

هناك نوعان من الاستراتيجيات في التعامل مع الممرات والمضائق المائية، الأول تمثله الإمبراطوريات الاستعمارية بالاحتلال والسيطرة الباشرة وآخرها الإمبراطورية الأمريكية التي تكرس نهجها اعتماداً على القوة والبطش، والثاني التسلل بهدوء واعتبار المصالح المشتركة أساساً للتعاون والتكامل مع الآخرين، الصين تمثل النموذج الثاني . 

سياسة الأنظمة العربية تتحالف مع الأقوياء وتدفع لهم مقابل أن يبسطوا هيمنتهم وسيطرتهم على تلك الممرات الهامة التي تخص الأمتين العربية والإسلامية، لأنها تتحكم في طرق المواصلات البرية والبحرية.

بعض الأنظمة اختارت التبعية والعمل في خدمة المشاريع الاستعمارية وتنفيذها رغم إدراكها أن هدفها تدمير كل إمكانيات النهوض، كما هو حال المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني، الذي يعمل جاهداً بالتعاون مع الإمبراطوريات الاستعمارية على السيطرة على طرق المواصلات البرية والبحرية والجوية من أجل تعطيل أهميتها الاستراتيجية والاستثمارية لحساب مشاريعه ومصالحه الخاصة من خلال البدائل التي تؤمن سيطرته وتكسّبه مليارات الدولارات .

البدائل جاهزة والأنظمة العربية تتعاون معهم من أجل إتمامها، فقناة بن جوريون بديل لقناة السويس ولأجل ذلك تم تدويل خليج العقبة بتسليم جزيرتي «تيران وصنافير» للسعودية بفضل تعاون مصر والأردن والسعودية .

مصر سلمت والسعودية اشترت والأردن شكلت جبهة الدفاع الأول في حماية كيان الاحتلال من الرد الإيراني على العدوان .

اليمن منعت مرور السفن المتجهة إلى فلسطين المحتلة من مضيق باب المندب، فسيرت الإمارات وغيرها جسرا بريا لإمداد كيان الاحتلال بكل ما يحتاجه من أسلحة وعتاد وغذاء ودواء والآن يبشر مجرم الحرب «النتن» بأنهم سيعملون على إنشاء سكة حديد من الإمارات، ومروراً بالسعودية، وصولاً إلى الأردن وفلسطين المحتلة.

وبينما تريد السعودية مد خط أنابيب للنفط من خلال الأراضي اليمنية التي لم تحتلها حتى الآن، يريد مجرم الحرب «النتن» أن يمد خط أنابيب للنفط من موانئ الإمارات، وصولا إلى الأراضي المحتلة، بعيدا عن المرور من باب المندب أو مضيق هرمز، لكي يؤمن سيطرته على المنطقة والعالم.

وفق رؤية التحالف الاستعماري فإن الأنظمة التي لا تخضع له، يجب تدميرها واستبدالها بغيرها والشعوب التي لا تتبع أساليبهم، يجب تفتيتها وسلب ثرواتها استعدادا -كما يقول مجرم الحرب السيناتور الأمريكي ليندسي غرهام – لخوض حرب دينية ستحدد مصير الشرق الأوسط لآلاف السنين القادمة وفي قاموس المسيخ الدجال (ترامب) إنشاء الإمبراطورة الأمريكية المهيمنة على العالم.

وبينما وقعت لبنان مع كيان الاحتلال على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، فاستغل الصهاينة ذلك ومكن شركاته من استخراج النفط والغاز ورفض الهدنة واستمر في قصف لبنان حتى جعل الرئيس اللبناني يدعو العالم إلى الضغط عليهم لإيقاف إجرامهم، مع أن مستشار بن زايد عبدالخالق عبدالله يصرح بأنه لا أحد يمكنه الضغط على مجرم الحرب وحتى الله استغفر الله العظيم.

يعمل الإجرام على مواصلة إبادة غزة للاستحواذ على المياه الإقليمية لاستكمال مشروع القناة والسيطرة على حقول النفط والغاز، أما الحدود البرية، فيريد استكمال السيطرة من النيل إلى الفرات.

الإمارات استفادت من التحالف واستولت على شبكة الموانئ العالمية من الهند، وصولا إلى أوروبا ودمرت كل إمكانيات التنافس لصالحها ولصالح المشاريع الاستعمارية، فقد شكلت القاعدة المتقدمة لتنفيذ أجنداتهم.

الأنظمة الخليجية وعلى رأسها الثنائي (الإمارات والسعودية) سخرت كل إمكانياتها لتدمير الأنظمة العربية وزرع بذور الخلافات بين الفرقاء السياسيين في اليمن والسودان وليبيا والعراق وسوريا .

تعاونت مع كيان الاحتلال وعملت ولا تزال تعمل على تمهيد كل ما يعيق اليمن عن استخدام باب المندب كورقة لخدمة القضايا العربية والإسلامية، تحالفت الإمارات مع أريتيريا وارض الصومال ومولت الحروب الأهلية في السودان وتمزيقه وذهبت للتعاون مع أثيوبيا لمواجهة مصر.

عاثت في اليمن والسودان وليبيا واستخدمت كل الأساليب والوسائل لتمزيق النسيج الاجتماعي وسخرت كل الإمكانيات لخدمة مشاريعها وأجندات التحالف ولم تغفل أن تقدم تلك المشاريع بصبغة دينية.

افتراق السعودية والإمارات بسبب اختلاف المصالح وسعي الإمارات لتحقيق المكاسب التي وعدت بها لما قامت به ولتقدمها بعقد ما يقال زورا الاتفاقيات الإبراهيمية، فمازالت السعودية خارج إطارها وهو ما جعل كبريات الصحف اليهودية تشن هجوما عليها لصالح الإمارات، فقد اتهمتها بعرقلة مشروع ممر الهند –الشرق الأوسط –أوروبا الذي لن يتم ما لم توافق عليه لأنه، يمر من خلال الأراضي السعودية والأراضي اليمنية التي تحتلها.

مضيق هرمز وباب المندب يمثلان تحديا أمام استكمال المشاريع الاستعمارية الاستيطانية، فهما المتبقيان في خدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية بخلاف ذلك مضيق جبل طارق وقناة السويس الأول بفعل سيطرة القوى الغربية عليه وأيضا لسيطرتهم على النظم هناك ولكن لأن قناة السويس تمثل خطرا استراتيجيا فانهم يعملون على إنشاء بديل آمن لمواجهة المستجدات الطارئة.

الملاحة الدولية في باب المندب ومضيق هرمز، لم تتأثر والحظر الذي فرض لمنع العدوان وقد فشلت جهود أمريكا في تدويل باب المندب والآن فشلت في تدويل مضيق هرمز فالتحالف يريد بنودا يبرر من خلالها عدوانه على النظام الإيراني بالدعوة إلى تدويله تحت مزاعم حصار النظام وإجباره على التسليم لمطالبهم غير المشروعة وغير العقلانية، بل تكرس الهمجية والغطرسة والاستكبار وتعكس قانون الغاب وشريعة الذئاب.

التمنع السعودي والاندفاع الإماراتي والتعاون الخليجي، يرجعه البروفيسور الصيني جيانغ إلى أن تلك الأنظمة من العائلات اليهودية التي نصبتها الإمبراطورية البريطانية بعد سيطرتها على الجزيرة العربية وذلك مكافأة لقادتها على جهودهم وتعاونهم معها في إسقاط الإمبراطورية العثمانية وهناك وثائق تؤكد ذلك حصلت عليها المخابرات الأمريكية من أرشيف المخابرات العراقية بعد الغزو الأمريكي ومعظم قادة الأنظمة التي أنشأتها بريطانيا هم من اليهود فمعظم الأنظمة تعمل مع كيان الاحتلال وما يشاع أن هناك خلافاً هنا أو هناك، مسرحية لا غير.

المشاريع الاستعمارية يتم الآن تمريرها بواسطة تلك الأنظمة التي كرست الاختلاف بين المجتمعات والدول العربية والإسلامية طائفيا ودينيا ومذاهب وفرقاً وقبائل وأعراق وكل الاختلافات والتباينات يعمل عليها .

المشروع الاستيطاني الاستعماري يستهدف المجتمعات العربية والإسلامية أفرادا وجماعات ووصل الأمر إلى أن كثيراً من العقلاء يهودا وغيرهم، أطلقوا تحذيراتهم بشأنه، فالأكاديمي اليهودي بريطاني الجنسية-حاييم بريشييت قال: انهم يريدون تدمير إيران تدميرا شاملا وكاملا للدولة والثقافة والمجتمع وعلى كل المستويات وحشية وقسوة وجنون ولغاية مدروسة، الأمر لن يقف عند إيران أو غزة، بل انه مشروع للسيطرة على العالم.

المميزات الاستراتيجية إذا لم يحسن استغلالها وحمايتها والدفاع عنها، فإنها تتحول إلى عبء، فالموقع الاستراتيجي لليمن وسيطرته على باب المندب وخليج عدن، كلف اليمن الاحتلال من أكثر من إمبراطورية وقناة السويس جعلت مصر عرضة لتجاذبات المستعمرين.

التحالف الصهيوأمريكي الهندوسي أنشأ القواعد العسكرية واستنزف ثروات كثير من البلدان ولكن الصين دخلت في شراكة مع كثير من الدول والأنظمة وطورت كثيراً من طرق التجارة البرية أو البحرية وأمنت البدائل لمواجهة الأزمات الطارئة وبينما تريد أمريكا من العالم أن يحاصر معها إيران ويثبت أن العدوان حق، نجد أن العالم لم يستجب لمطالب الإجرام والمجرمين، بل أضاف التحالف سوأة أخرى في مسار العلاقات الدولية والإنسانية.

 

قد يعجبك ايضا