قراءة في لب الحاضر

يكتبها اليوم / محمد أحمد الشامي

 

تتجلّى الذكرى السنوية للسادس من مايو 2025م، كوقفةٍ تأملية في جوهر الصراع الوجودي الذي أعاد تعريف موازين القوى في المنطقة، فهي ليست مجرد استعادة لحدث عسكري عابر، بل هي قراءة في “لب الحاضر” الذي تشكّل بمداد الإرادة اليمانية الصلبة. في ذلك اليوم، لم يكن البحر ساحةً للمواجهة المادية فحسب، بل كان مختبراً أخلاقياً سقطت فيه أساطير القوة المتغطرسة أمام إنسانٍ قرر أن يجعل من جغرافيا بلاده درعاً للحق.

إن ما شهده العالم من فرار “جحيم البحار” الأمريكي وتداعي أسطورة التفوق التقني، كان في حقيقته تجلياً لفيزياء جديدة تؤمن بأن العقيدة الراسخة قادرة على خلخلة أعتى المنظومات الحديدية.

هذا الاتصال اليمني التاريخي بالبحر، وهذا الاندفاع الجسور الذي كسر رتابة الصمت الدولي، لم يكن نابعاً من رغبة في الاستعراض، بل كان نبضاً صادقاً ومناصرةً وجودية للأهل في غزة الجريحة، والتزاماً مقدساً بقضية فلسطين وتحريرها من براثن الاحتلال. لقد تحولت الصواريخ والمسيّرات اليمنية إلى رسائل فلسفية عابرة للحدود، تؤكد أن كسر الحصار عن الشعب الفلسطيني لا يمر عبر أروقة المفاوضات العقيمة، بل عبر فرض معادلات الألم التي تجعل الغزاة يدركون أن أمنهم مرتبط برفع الظلم عن المظلومين. إن وحدة الساحات هنا لم تكن شعاراً، بل أصبحت حقيقة دموية ومقدسة، حيث امتزجت دماء التضحية في مياه البحر الأحمر بآلام الصمود في أزقة غزة، لتصنع أفقاً جديداً للتحرر.

إن فلسفة الهروب التي جسّدتها القوات المعادية في ذلك اليوم التاريخي، كانت بمثابة اعترافٍ كوني بأن “الزمن العربي” بدأ يستعيد أنفاسه من رئتَي اليمن، وأن القضية الفلسطينية لم تعد عبئاً بل أصبحت المحرك الأساسي للتاريخ المعاصر. لقد برهن اليمنيون أن السيادة الحقيقية لا تكتمل إلا بالانحياز التام للحق الإنساني المطلق المتمثل في تحرير فلسطين، وأن كل قطعة سلاحٍ أُشهرت في وجه الأساطيل لم تكن تدافع عن السواحل المحلية فحسب، بل كانت تطوي المسافات لتمسح غبار الخذلان عن وجه القدس. هكذا يبقى السادس من مايو علامةً فارقة في الوعي الجمعي، تؤكد أن الحق إذا استند إلى إرادة يمانية لا تلين، فإنه قادر على تحويل “الجحيم” الموعود إلى سرابٍ يتبدد تحت أقدام طلاب الحرية.

يا بَحْرُ أَنْبِئْ كَيْفَ بَعْثَرَ مَوْجُنَا

كِبْرَ الغُزَاةِ وَأَدَّبَ الطُّغْيَانَا

فِي السَّادِسِ المَيْمُونِ مِنْ أَيَّارِنَا

هَرَبَ الجَحِيمُ وَجَرَّرَ الأَذْقَانَا

أَسْطُولُهُمْ لَمَّا رَأَى بَأْسَ الوَغَى

أَسْرَى بِلَيْلٍ يَشْتَكي الخِذْلَانَا

مَا كَانَ ذَاكَ النَّصْرُ إِلَّا نَخْوَةً

لِتَظَلَّ غَزَّةُ فِي المَدَى عُنْوَانَا

مِنْ أَجْلِ مَسْرَى أَنْبِيَاءِ اللهِ قَدْ

صُغْنَا المَنَايَا لِلْعِدَا قُرْبَانَا

قُلْ لِلْأُلَى جَاءُوا بِجَمْعِ حَدِيدِهِمْ:

هَيْهَاتَ نَحْنُ نُزَلْزِلُ الأَكْوَانَا

إِيْمَانُنَا جَبَلٌ أَشَمُّ، وَعَزْمُنَا

سَيْفٌ صَقِيلٌ يَفْلِقُ العدوانَا

والإزدهارُ مضى انكسارَ تحالُفٍ

شرِبَ الردى من بأسنا ألوانا

قد يعجبك ايضا