ظنت أمريكا أن المعركة مع ايران عبارة عن نزهة برية، لذلك سارعت إلى إعلانها في اللحظة التي تدير حواراً مع الفريق المفاوض، أما إسرائيل فرأت فيها فرصة وجودية حتى تحقق لها القدر اللازم من التوازن في المنطقة أو الهيمنة، فوجدت نارا تهدد وجودها بالفناء، وكانت تظن أن قوة ايران تكمن في الصف الأول من القيادة الإيرانية، فسارعت إلى اغتيالهم في الضربة الأولى في بادرة جبانة ومستنكرة في العرف العسكري وأخلاق الحروب، فكانت فكرة الاغتيال وبالا على أمريكا وعلى الكيان نفسه، إذ رأت فيه ايران مجالا مفتوحا يمكنها التبرير به في استهداف مصالح أمريكا وإسرائيل في المنطقة والعالم، وقد صرح بذلك الرئيس الايراني في خطاب موجه لدول الخليج .
كان المعتدون على إيران يؤملون على الفراغ الدستوري كثيرا في انفراط العقد واضطراب الشارع، وفي الثورة الشعبية على النظام، وكان السيناريو والخطاب الإعلامي والسياسي يدل على ذلك، وقد عملوا ما بوسعهم على بقاء الفراغ في القيادة قائما، حيث كانوا يستهدفون أي اجتماع لمجلس الحكماء، لكن طهران عصية على الانكسار وملأت الفراغ الدستوري بإعلان المرشد الأعلى للثورة.
انتخاب المرشد الأعلى كان انتصارا سياسيا في حد ذاته في ظل ظروف بالغة التعقيد واضطرابات وحرب مستعرة الأوار، وشكل ذلك ضربة قاصمة للعدوان الصهيوأمريكي على ايران، وأربك حساباتها، وربما تعلن وقف الحرب قريبا، لأنها لم تبلغ منها مآربها، ولم تحقق ما كانت تصبو إليه من تغيير النظام أو إخضاعه، وقد حاول الإعلام أن يقول: إن العملية العسكرية حققت أهدافها، وأصبح النظام الإيراني هشا، وقد تم تدمير قواته البحرية، والجوية، والقضاء على مصانع الأسلحة ومخازنها، وفي المقابل تخرج القيادة الإيرانية لتعلن قدرتها على الاستمرار في الحرب على المدى الطويل والانتصار فيها .
ترتكز إيران على مقومات حضارية وتاريخية وثقافية في البقاء والوجود وهي ليست طارئة ولذلك من المستحيل السيطرة على هذا البلد، قد يضعف بسبب تكالب العالم عليه، لكنه سيقوم من بين الرماد أقوى وأصلف، فالعنصر التاريخي والحضاري والثقافي لإيران قادر على مقاومة أسباب الفناء.
الحرب التي تدار اليوم هي حرب وجود بين دولة ضاربة بجذورها في عمق التاريخ وذات حضور حضاري وتاريخي وثقافي كبير على مستوى الوجود الإنساني وبين دولة حديثة طارئة تبحث عن وجود في خارطة العالم الحديث وتريد تحقيق القدر اللازم من الوجود، ومنطق الوجود يحتم استحالة الفناء للدولة التاريخية العميقة مع احتمال زوال الطارئ وفنائه.
مؤشرات الواقع اليوم بعد مرور أكثر من عشرة أيام من الحرب، تقول باستحالة هزيمة إيران — وهي دولة محاصرة اقتصادياً منذ عقود ويفرض المجتمع الدولي عليها قيودا، فإيران تشعر بقوتها من خلال العنصر التاريخي وهو عنصر قوة وبقاء، كما أن الحرب بين الحضارتين الفارسية والرومانية حرب سجال عبر التاريخ، وهي تتجدد مع تجدد الحياة على هذا الكوكب.
في قادم الأيام سوف تضطر أمريكا إلى إعلان وقف الحرب، وقد بدأت تمهد لهذه الفكرة بالقول إن العلميات العسكرية حققت أهدافها، وقد تم القضاء على مصادر التهديد، ومثل ذلك هروب واضح من الشعور بعدم القدرة على تحقيق بنك الأهداف المعلن من وراء الحرب، وقد كان الهدف الرئيسي تغيير النظام في إيران، وبدأ باغتيال قادته أملا في أن يساهم ذلك في التغيير ولم يحدث.
