2025م علامة فارقة في مسار سقوط الإمبراطورية الأمريكية

نقل السيطرة على البحار والمضائق إلى قمم الجبال، هكذا قدم اليمن للعالم نظرية عسكرية جديدة، هز من خلالها مركز الولايات المتحدة كزعيمة للعالم منذ 1945م

اعـتـرف الأمريكيون بأن طائراتهم كادت أن تسقط في المواجهة مع صنعاء، فأي مفاجأة تحملها المواجهة المرتقبة والمتوقعة في 2026م

 

تقرير / إبراهيم الوادعي

شكل عام 2025م علامة فارقة في تاريخ الهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم ، وتاريخا فارقا بالنسبة لمسار الزعامة الأمريكية على الصعيد الدولي .

أعاد 2025م إلى الذاكرة الأمريكية ذكريات سبعينيات القرن حين اهتزت صورة الزعيم الدولي الصاعد بالنظر إلى التنافس مع الاتحاد السوفيتي وقتها فيما عرف بالحرب الباردة.

في 29 مارس 1973م انسحب آخر جندي أمريكي مقاتل من فيتنام ، واهتزت الصورة الأمريكية في العالم حي، كقوة عسكرية واقتصادية فرضت نفسها بقوة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهرعت الدول لبمادلة احتياطياتها من الدولار بالذهب، قبل أن تنقذ الأخيرة نفسها، بل انقذها العرب من خلال تسعير البترول بالدولار، وإنقاذ الدولار الأمريكي من الانهيار، ومنذ ذلك الحين ظهر مصطلح البترو دولار كناية عن الزواج بين النفط والعملة الأمريكية .

وللمفارقة فالعدوان الأمريكي المباشر والصريح على اليمن والذي أفضى إلى نهاية مشؤومة لأمريكا ومبهجة بالنسبة لخصومها على مستوى العالم بدأ في مارس أيضا من العام 2025م.

وعلى غير العادة الأمريكية في الحذر والتستر بأسماء تحالفات مخادعة، رغم كون القوات الأمريكية هي العنصر الغالب بنسبة كبيرة جدا، فيحضر اسم التحالف إذا تعثرت عملياته لتحميلة وزر الهزيمة من قبل القادة الأمريكيين، ويبرز النسر الأمريكي والعلم الأمريكي عند تحقيق انتصار، في تجل واضح للجشع والاستحقار الأمريكي للشركاء.

لماذا يمكن اعتبار 2025م علامة فارقة ومحطة في مسار تهاوي الهيمنة الأمريكية على العالم؟

أفرزت الحرب العالمية مع نهايتها العام 1945م الولايات المتحدة كلاعب دولي قوي تحول إلى القوة الأولى والمهيمنة على العالم بعد هزيمة اليابان، بامتلاكها أقوى أسطول بحري يجوب العالم ويمكنه نقل الجنود الأمريكيين إلى ميدان الخصم وقريبا منه .

وللعلم هنا، فاليابان أبرقت رسميا إلى الولايات المتحدة بالاستسلام قبيل أسبوع من القاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناجازاكي، لكن قادة واشنطن تلكأوا حينها في الرد بغية تجربة القنبلتين المصنوعة أحداهما من اليورانيوم المخصب (قنبلة هيروشيما) والقنبلة الأخرى من البلوتونيوم الناتج عن المفاعلات (قنبلة ناجازاكي).

كان حضور حاملات الطائرات الأمريكية إلى أي منطقة في العالم مدعاة لإسقاط أنظمة وفي أحيان كثيرة قبل أن تشرع في اطلاق طائراتها وصب حممها على البلدان المناوئة للولايات المتحدة.

ولعقود شكل حضور حاملة طائرات أمريكية في مياه الخليج عنصر الردع الأكبر في المنطقة لخصوم واشنطن ، وحتى بدايات طوفان الأقصى لنكن منصفين حين تم استدعاء اكثر من حاملة أمريكية وغربية إلى المنطقة للدفاع عن القاعدة الغربية المساه « إسرائيل « وشكل حضورها في حينه ضغطا كبيراً على المحور وقراراته في حجم الإسناد من جبهات عدة باستثناء اليمن الذي قفز فوق تلك الضغوط انطلاقا من حماسة ورغبة الإسناد الأول والمباشر لفلسطين ..

خلال طوفان الأقصى برز اسم اليمن كفاعل على الساحة الإقليمية، لم يكن قادته الجدد والذين يتسمون بالشجاعة والإيمان يرجون أكثر من أن يجبر الكيان الإسرائيلي على وقف العدوان على غزة، بعد السابع من أكتوبر 2023م، وان يكتب لهم شرف المشاركة المباشرة في الدفاع عن فلسطين، وإظهار مصداقيتهم أمام أنفسهم حين تعلق الأمر بفلسطين القضية التي يؤمن بها كل اليمنيين، فجهدوا للتغلب على بعد الجغرافيا وذلك ما قاد إلى التورط الأمريكي والهزيمة المباشرة الثانية بعد فيتنام.

لكن ومن بوابة باب المندب أطل لاعب دولي جديد كتب له خلال العام 2025م، اليمن بقيادة انصار الله، محققا ما تحاشته دول كبرى لعقود، وغير دخوله مسرح العلميات العسكرية في مواجهة الولايات المتحدة وحاملات الطائرات التي لم تخض مواجهة منذ الحرب العالمية الثانية العلوم العسكرية لأجيال قادمة ..

في أكتوبر 2023م طلبت المقاومة الفلسطينية من انصار الله في اليمن أقفال باب المندب في وجه الملاحة الإسرائيلية، كان التحدي كبيرا، مضيق باب المندب يمر منه ثلث تجارة العالم ونحو ثلثي الطاقة المصدرة، الأمر ببساطة يعني مواجهة العالم- كما وصف ذلك شهيد الإسلام والإنسانية السيد حسن نصر الله- أمين عام حزب الله السابق- نجح اليمن وقواته البحرية في فرض الحصار البحري، بعد جهد كبير وفقا للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، مقدمة إلى العالم والعلوم العسكرية إبداعا جديدا تمثل في تطويع الصواريخ الباليستية المصممة أصلا لضرب أهداف ثابتة على الأرض إلى صواريخ تلاحق أهداف بحرية متحركة .

أقفل البحر الأحمر أمام الملاحة الإسرائيلية، وظهر مدى نجاح الحصار البحري اليمني واضحة على ميناء إيلات، ولم يعد ممكنا حينها الإبقاء على سياسة التجاهل الصهيوني تجاه اليمن والوضع الناشئ الذي فرضه، ويبدو وفق ما ظهر لاحقا ووثقته صحف دولية أن الولايات المتحدة طلبت من « إسرائيل» تجاهل الوضع اليمني وعدم التعامل معه رغم أسر القوات البحرية اليمنية للسفينة جلاكسي الإسرائيلية والمقرب مالكها من نتنياهو رئيس حكومة العدو، والتركيز على غزة..

مستويات الحصار اليمني على الكيان الإسرائيلي أفقيا بالتوسع نحو البحر العربي وأطراف المحيط الهندي، ورأسيا بإدراج الدعمين والمتعاملين من شركات الشحن البحري مع العدو الإسرائيلي، وضعت الولايات المتحدة كطرف تكفل بالمواجهة نيابة عن إسرائيل بما تمتلكه من قوة بحرية في المنطقة أمام خيارين لا ثالث لهما إما الضغط على ربيبتها «إسرائيل» لوقف العدوان أو الذهاب نحو مواجهة عسكرية مع اليمن.

أبقت الولايات المتحدة على سياستها الحذرة من التورط الصريح، فشكلت تحالفاً دولياً جديداً «حارس الازدهار» من فاعلين مباشرين وآخرين داعمين – 14 دولة – أعلن عنه وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن في البحرين يوم 19 ديسمبر 2023م عقب زيارة قام بها إلى «إسرائيل»، قال حينها إن الحلف تشكل تحت مظلة القوات البحرية المشتركة وقيادة قوة المهام المشتركة 153 كرد على الهجمات التي تشنها القوات البحرية اليمنية ضد السفن.

وانتهت عمليات « حارس الازدهار» إلى فشل ذريع وفق توصيف باحثين أمريكيين، وبقي ميناء إيلات مغلقا وتوسع الحصار اليمني البحري على الكيان الإسرائيلي إلى أطراف المحيط الهندي.

وفي 19 فبراير 2024م تم الزج بالاتحاد الأوروبي، وشكلت دول أوروبية عملية اسبيدس، أسندت القيادة إلى اليونان الحليفة للكيان الصهيوني، كما ضمت قاعدة التحالف، لكنه الآخر فشل في كسر الحصار البحري اليمني وفتح البحر الأحمر أمام الملاحة الدولية إلى موانئ فلسطين المحتلة.

ومع فشل التحالفين السابقين، تطورت عمليات القوات الصاروخية والمسيَّر لتستهدف عمق الكيان الصهيوني، وارتفاع الصراخ الإسرائيلي، وبعد شهر أو يزيد قليلا من تسلم دونالد ترامب رسميا السلطة هاجمت الولايات المتحدة اليمن وهذه المرة بشكل مباشر ومختلف عن نهجها لعقود بتشكيل تحالفات صورية..

ظن ترامب أن تهديداته وتجارب أعدائه معه مثل – اغتيال الحاج قاسم سليماني بشكل واضح وفج، والانسحاب من الاتفاق النووي – إذا ما قرنت بهجمة جوية قاسية ومكثفة، يمكن أن تحقق لأمريكا انتصاراً عظيما بكسر الحصار اليمني، وانتصارا شخصيا له يمكن تجييره في حربه الداخلية مع الديمقراطيين الأمريكيين المتحفظين في التورط العسكري المباشر إلى جانب «إسرائيل»..

يبدو أنه لم يكن لدى ترامب أي فكرة حقيقية عن خصوم الولايات المتحدة الجدد أو عن شجاعتهم أو قيادتهم، وربما جرى تضليله من قبل صهاينة الداخل الأمريكي، توهم الرجل بعد أيام من الهجمات الجوية المكثفة والقاسية أن يطلب اليمنيون التوقف، غير أن المعادلة ذهبت إلى تركه « إسرائيل» في وضح النهار بعد شهرين فقط ويبرم اتفاقا مع صنعاء احرز من خلاله حرية السفن الأمريكية فقط بشرط عدم التوجه إلى موانئ فلسطين المحتلة.

إعلان ترامب التوصل إلى اتفاق مع صنعاء والتغزل بشجاعة انصار الله صدم العالم، وأفزع « الإسرائيليين أنفسهم، وضاعف من اليأس في دويلة الكيان في استعادة السيطرة، فذهبت الأخيرة إلى شن هجمات يائسة دون هدف عسكري غير إيلام المدنيين، قابلها اليمن بضربات أدق واقوى وأكثر عمقا وإيلاما، وترامب والولايات المتحدة كانا في المدرجات إلى جانب الدول العربية التي قعدت عن نصرة غزة أمام العدوان الإسرائيلي.

وخلال زيارة ترامب ممالك الخليج كانت الصواريخ اليمنية تعبر فوق رأسه إلى عمق الكيان الإسرائيلي دون أن ينبس ببنت شفه أو يتفوه كعادته بالعنتريات التي اعتاد العالم منه عليها ، كان الأمر استثنائيا لأمرين نوعية العلاقة التي تربط الولايات المتحدة و» إسرائيل» والآخر أن أمريكا ما التزمت بعهد أبدا إلا مرغمة، وهذا ما كان .

في عملية الفارس الخشن من 15 مارس إلى 6 مايو، استقدمت الولايات المتحدة حاملتي طائرات إلى المنطقة الحمالة الأحدث يو اس اس هاري ترومان التي تمركزت شمال البحر الأحمر، وجرى تعزيزها لاحقا بالحاملة ديفينس والتي تمركزت في أطراف بحر العرب، وكلاهما ظلتا بعيدتين عن الساحل اليمني المستهدف خوف الاستهداف، بعدما تم سحب حاملة الطائرات ايزنهاور والتي خاضت مواجهة صعبه خلال عملية حارس الازدهار- لم يكشف بعد عن الاضرار التي تعرضت لها – وللمرة الأولى تستقدم الولايات المتحدة 3 حاملات طائرات إلى منطقة واحدة في العالم وفي مواجهة خصم واحد ومعركة تكاد تكون واحدة متصلة – طوفان الأقصى وكسر الحصار البحري – وإن اختلفت المسميات من الطرف الأمريكي، بالإضافة إلى فشل تحقيق الأهداف بإخراج اليمن من ساحة الإسناد على غرار لبنان والعراق، كان واضحا بنهاية معركة البحر الأحمر أن الكفة مالت لصالح اليمنيين الذين فاجأوا العالم بتطويع الصواريخ البالستية ضد أهداف بحرية، ومع براعتهم في ذلك تحولت حاملات الطائرات إلى عبء على القوات الأمريكية، والمجموعة القتالية المرافقة لها إلى مجرد خرد تمخر عباب البحر، توجب عليها قتال من نوع مختلف وبكلف باهظة، ووفقا للبحرية الأمريكية اضطرت الحاملة ترومان أكثر من مرة إلى استخدام أنظمتها الدفاعية الذاتية للقتال، بل والمناورة تجنبا للإصابة اليمنية.

ظهر لاحقا أن اليمنيين تمكنوا من إصابة الحاملة ترومان، فيما تتكتم الولايات المتحدة على وضع الحاملات الأخرى ايزنهاور وديفاينس.

اعترف نائب الرئيس الأمريكي جي دفانس خلال لقاء مع القوات البحرية الأمريكية بأن معركة البحر الأحمر يجب أن تكون درسا يستفاد منه، وإلا فسنجد أنفسنا خارج السباق، حسب قوله.. تمت إقالة قائد الحاملة ترومان لاحقا.

بخروج الذراع البحري كقوة ردع ضاربة في يد الولايات المتحدة على أيدي اليمنيين، تبقى للولايات المتحدة عنصر ردع عسكري أخير وهو التفوق الجوي.

نهاية نوفمبر الماضي، وحسب البيان الرسمي للبحرية الأمريكية، كرم الطيار المقدم باركس تقديراً لـ”شجاعته الاستثنائية وتصميمه الذي لا يتزعزع” خلال مهمة قتالية خطيرة في أوائل عام 2025م ضمن منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية، في إشارة إلى عملياتها التي نفذتها خلال العدوان على اليمن.

ووفقا للبحرية الأمريكية والتفاصيل الرسمية للحدث، والتي نشرت على الموقع الإلكتروني للقوات الجوية الأمريكية، فإن المقدم باركس قاد خلال تلك المهمة التي وصفت بـ”الحاسمة” تشكيلاً جوياً ضخماً مكوناً من 21 طائرة هجومية، بينما كان يقود شخصياً مجموعة قتالية مكونة من أربع مقاتلات F-16.

ولمدة 15 دقيقة متواصلة، واجه التشكيل الجوي الأمريكي ما يمكن وصفه بـ”العاصفة النارية”، حيث تعرض لوابل مركز من صواريخ الدفاع الجوي ونيران المدفعية المضادة للطائرات، أطلقتها قوات الدفاع الجوي اليمنية.

وقد بلغت كثافة النيران حداً انفجرت فيه الصواريخ على بعد أمتار قليلة من مقاتلة باركس، مما اضطره لقيادة مجموعته في سلسلة من المناورات العنيفة وتدابير الإعاقة المضادة لتفادي الإصابة المؤكدة، حسبما نشرته القوات الجوية.

ولم تكن صواريخ الدفاع الجوي اليمنية التهديد الوحيد الذي واجهه الطيارون الأمريكيون، فبعد انتهاء مرحلة التفادي، وجد التشكيل نفسه على حافة كارثة أخرى، حيث انخفض الوقود في طائراتهم إلى مستويات خطيرة جراء المناورات المستمرة والهرب من النيران.

وبحسب القوات الجوية، فإن باركس تمكن تحت الضغط وفي ظروف قتالية بالغة التعقيد من تنسيق لقاءين طارئين ومعقدين مع ناقلتين للوقود في الجو، مما ضمن إعادة تزود كافة طائرات التشكيل بالوقود وأنقذها من السقوط.

“أنقذها من السقوط” يأتي هذا الاعتراف الصادم من كشف آخر لا يقل أهمية، حيث اعترف قائد السرب المقاتل 34 في القوات الجوية الأمريكية بأن مقاتلات “إف-35” الشبح المتطورة تعرضت أيضاً لإطلاق نار مباشر فوق الأجواء اليمنية خلال عمليات سابقة.

ولعل الأكثر إثارة في هذا الاعتراف، هو تأكيد القائد الأمريكي أن الحادثة التي تعرضت لها مقاتلات إف-35، تمثل المرة الأولى التي تتعرض فيها هذه الطائرة المتطورة لإطلاق نار مباشر خلال مهمات “قمع الدفاعات الجوية” منذ 20 عاماً.

مقاتلات ستيلث بي 52 والتي استخدمت في قصف المفاعل النووي الإيراني” فوردو” وتعد فخر الصناعة الجوية الأمريكية – تمتلك الولايات المتحدة 20 قاذفة منها فقط، هي الأخرى كادت أن تصاب، ومرت صواريخ الدفاع الجوي من جوارها..

وهذا الاعتراف من الجانب الأمريكي، يؤكد ما تحدث به السيد القائد بأن مقاتلات أمريكا الخفية لم تعد بخفية، وأن قوات الدفاع الجوي اليمنية كادت أن تنال منها، ووعد بتحقيق ذلك في المرات القادمة..

وبعدما سبق .. يكون السؤال محقا.. هل يكون عام 2026م عام إسقاط التفوق الجوي الأمريكي؟ بما يحمله ذلك من تأثيرات لن تتوقف عن حدود المنطقة بل تتعداه إلى قلب موازين الهيمنة الدولية؟

يؤكد القادة اليمنيون أنهم يعكفون على تطوير القدرات، ويؤكد العدو الإسرائيلي أنه لن يصبر أمام تطور القدرات اليمنية..

نحن على أبواب مواجهة مرتقبة.. والأيام القريبة حبلى بالمفاجآت السارة للمؤمنين.

قد يعجبك ايضا