الثورة / يحيى محمد
في مشهدٍ يعيد رسم خارطة الولاءات الاقتصادية العالمية، شهد الأسبوع الأول من فبراير 2026م زلزالاً تجارياً كانت العاصمة الهندية نيودلهي مركزه بامتياز، حيث تقاطعت المصالح الجيوسياسية مع لغة الأرقام الصارمة لتكشف عن استراتيجية هندية بالغة التعقيد في مواجهة النهج «الترامبي» المتذبذب. فبينما كانت بروكسل لا تزال تحتفي بتوقيع «أم الاتفاقات» مع الهند في السابع والعشرين من يناير، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثاني من فبراير ليعلن، عبر مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي، عن إطار عمل لاتفاق تجاري مؤقت يكسر حدة التوتر التي خيمت على علاقة التبادل التجاري بين البلدين.
مناورة »الضغط الأقصى«
جاء التراجع الأمريكي في خفض الرسوم الجمركية من 25 % إلى 18 %، كتتويج لشهور من الضغوط الفجة التي مارستها واشنطن ضد نيودلهي. فمنذ أغسطس 2025م، استخدمت إدارة ترامب سلاح التعريفات العقابية التي وصلت في ذروتها إلى 50 %، في محاولة صريحة لجر الهند بعيداً عن موسكو، وهو ما أكدته وكالة الصحافة الفرنسية بربط هذه الإجراءات باستمرار الهند في شراء النفط الروسي.
وتظهر التحليلات أن واشنطن حاولت مقايضة «السيادة الطاقية» للهند بامتيازات تجارية، حيث زعم ترامب أن مودي تعهد بوقف شراء النفط الروسي والتحول نحو الخام الأمريكي والفنزويلي؛ وهي «صفقة كبرى» يسعى من خلالها البيت الأبيض لتجفيف منابع التمويل الروسية وتقويض حياد الهند الاستراتيجي. ومع ذلك، يظل الصمت الرسمي الهندي تجاه هذه الالتزامات النفطية المزعومة مؤشراً على احتمالات تمسك نيودلهي بهامش مناورتها، ورفضها الانصياع الكامل للإملاءات الأمريكية التي تحاول تحويل التجارة إلى أداة لخدمة أجندات واشنطن العسكرية في أوكرانيا.
الهند تلعب بورقة »البدائل«
في المقابل، كشفت الدبلوماسية أن الهند لم تكن لتنتزع هذا التنازل من ترامب لولا «ضربة المعلم» التي وجهتها عبر بروكسل؛ فاتفاق التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، الذي يغطي سوقاً يضم ملياري نسمة ويمثل ربع الناتج المحلي العالمي، مثّل رسالة تحذيرية شديدة اللهجة لواشنطن بأن الهند تملك بدائل كبرى. ويرى خبراء، من بينهم بيسواجيت دهار من مجلس التنمية الاجتماعية، أن تسارع الخطى الهندية نحو أوروبا جاء كاستجابة مباشرة للعقوبات الأمريكية، حيث أدركت نيودلهي أن الارتهان للسوق الأمريكي في عهد ترامب هو مغامرة غير مأمونة العواقب.
الانفتاح الهندي لم يتوقف عند أوروبا، بل امتد ليشمل اتفاقيات مع المملكة المتحدة، وسلطنة عُمان، ونيوزيلندا، في إطار ما وصفه «أجاي سريفاستافا»، مؤسس مركز «غلوبل ترايد ريسيرتش إينيشاتيف»، باستراتيجية «توزيع المخاطر». فالهند تسعى للارتباط بكل الاقتصادات الكبرى لتفادي الابتزاز الذي تمارسه القوى المهيمنة، محولةً الضغوط الأمريكية إلى محفز لنمو قطاعات المنسوجات والأدوية التي تتأهب الآن لمضاعفة صادراتها نحو السوق البريطانية والأوروبية، بعيداً عن شبح الرسوم الجمركية الأمريكية المتقلبة.
استقلال استراتيجي أم تبعية مقنعة؟
بينما تعد واشنطن بفتح سوق بقيمة 30 تريليون دولار، وتطالب الهند بشراء سلع أمريكية بقيمة 500 مليار دولار تشمل الطاقة والتكنولوجيا، يبدو أن الثمن الحقيقي يتجاوز الدولارات إلى المواقف السياسية. فالاتفاق الأمريكي يفرض على الهند تحولاً جذرياً في قطاع الطاقة، بينما يركز الاتفاق الأوروبي على المعايير التنظيمية وسلاسل التوريد المرنة. وتبرز هنا براعة مودي في استخدام الحاجة الغربية لموازنة نفوذ الصين كدرع يحمي المصالح الهندية، حيث تدرك واشنطن أن الضغط الزائد على الهند قد يدفعها أكثر نحو المحور الأوراسي؛ وهو تحالف جيوسياسي واقتصادي ناشئ يضم بشكل أساسي روسيا والصين، مع أدوار متنامية لإيران، الهند، وكوريا الشمالية، يهدف إلى تعزيز التعددية القطبية ومواجهة النفوذ الغربي. يرتكز هذا المحور على توطيد الشراكات الاستراتيجية، الطاقة، والنقل عبر أوراسيا (قلب العالم) لتشكيل نظام عالمي جديد.
إن المشهد الراهن، الذي تُجبر فيه الهند على الموازنة بين «صداقة» ترامب المشروطة بوقف النفط الروسي وبين «شراكة» أوروبا الساعية لتنويع سلاسل إمدادها بعيداً عن الصين، يضع نيودلهي في قلب إعادة تشكيل جيوسياسي غير مسبوق. ورغم التشكيك الذي يبديه بعض المصدرين في قدرة الأسواق الجديدة على تعويض «العملاق الأمريكي» بالكامل، إلا أن المؤشرات الاقتصادية لشهر نوفمبر 2025م، التي سجلت ارتفاعاً في الصادرات بنسبة 19 %، تعزز من موقف الهند التفاوضي، مؤكدةً أن سياسة «أمريكا أولاً» قد تنتهي بجعل «الهند أولاً» في حسابات العديد من القوى الدولية الأخرى.
سلاح «الترهيب الجمركي»
وفي مشهدٍ يعيد صياغة التوازنات الجيوسياسية في القارة الآسيوية، دخلت العلاقات الهندية الأمريكية في «مقامرة» اقتصادية كبرى تجلّت بوضوح في مطلع فبراير 2026م، حيث جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خفض الرسوم الجمركية بمثابة «ثمن» باهظ دفعه مودي لفك حصار الرسوم العقابية التي فرضتها واشنطن بأسلوب لا يخلو من الابتزاز السياسي. فبينما كانت الرسوم الجمركية على السلع الهندية تترنح تحت وطأة «الضغط الأقصى» لتصل إلى ذروة 50 %، جاء الاتفاق الجديد ليهبط بها إلى 18 %، فاتحاً الطريق أمام تعهد هندي بشراء منتجات أمريكية بقيمة تبلغ 500 مليار دولار، في خطوة يراها المراقبون محاولة أمريكية مفضوحة لربط الاقتصاد الهندي بعجلة التبعية لواشنطن بعيداً عن تحالفاتها التاريخية.
وبالنظر إلى الحركة الرقمية لبوصلة التجارة الهندية، يبرز التباين الصارخ في استراتيجية نيودلهي التي باتت ترجح كفة «الواقعية القاسية» على حساب «الوفاء الاستراتيجي»؛ ففي الوقت الذي بلغ فيه حجم التبادل التجاري مع الولايات المتحدة نحو 129 مليار دولار في العام المنصرم، مع فائض تجاري هندي تجاوز 45 مليار دولار، وجدت الهند نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في مواجهة التعريفات الترامبية التي تخنق صادرات المنسوجات والأدوية، أو الانصياع للمطالب الأمريكية بقطع شريان الطاقة الروسي. وتكشف البيانات أن واردات الهند من النفط الروسي، التي كانت تشكل ثلث احتياجاتها بوقع 1.9 مليون برميل يومياً، قد بدأت بالفعل في التراجع الحاد لتصل إلى حوالي 1.16 مليون برميل في يناير 2026م، مما يشير إلى احتمالية نجاح واشنطن في استخدام سلاح «الترهيب الجمركي» لإجبار الهند على التحول نحو الغاز والنفط الأمريكي.
ففي سياق القراءة النقدية لهذا التحول، تظهر تداعيات الاتفاقية على العلاقة الهندية الروسية كشرخٍ عميق في جدار «الشراكة الاستراتيجية الخاصة»، حيث لم يعد بمقدور نيودلهي إخفاء حقيقة أن التكنولوجيا الغربية والاستثمارات الأمريكية باتت تمثل «إغراءً» يفوق الخصومات النفطية التي تقدمها موسكو. فالولايات المتحدة، ومن خلفها الأجندات الصهيو-أمريكية الساعية لعزل القوى المنافسة، وضعت الهند أمام مقايضة صريحة: الحصول على تقنيات الذكاء الاصطناعي والدفاع المتقدمة مقابل التخلي عن «الدب الروسي» في أوج أزمته الدولية. وبذلك، برزت أسباب ترجيح كفة واشنطن ليس فقط في فتح سوق بقيمة 30 تريليون دولار أمام المصدرين الهنود، بل في تجنب «الموت السريري» لقطاعات عمالية واسعة كانت ستنهار تحت وطأة رسوم الـ 50 % التي شهرها ترامب كسيف مصلت على رقبة الاقتصاد الهندي.
وعلى الرغم من محاولات مودي تصوير الاتفاق كـ «منفعة متبادلة»، إلا أن الشواهد تؤكد أن الهند باتت تتحرك في حقل ألغام جيوسياسي، حيث إن استبدال النفط الروسي الرخيص بآخر أمريكي مرتفع التكلفة سيؤدي حتماً إلى تآكل الميزان التجاري، ويدفع نيودلهي نحو تبعية تكنولوجية وأمنية كاملة للمحور الغربي. إن هذا الالتفاف الهندي عبر بروكسل وواشنطن يظهر كيف تُستخدم التجارة الدولية كأداة قمعية لإعادة رسم خارطة الولاءات، مما يضع «الاستقلال الاستراتيجي» للهند في اختبار هو الأصعب منذ عقود، في ظل بيئة عالمية لا تعترف إلا بلغة القوة وفرض الإرادات.
