ما جرى داخل الجزيرة الأمريكية لم يكن انحرافاً عارضاً، كان منظومة رذيلة مكتملة الأركان، استغلال للقاصرات، تجارة بالجسد، تواطؤ بالنفوذ، وصمت تحكمه المصالح، تحولت الجزيرة إلى فضاء مغلق يُدار خارج رقابة القيم، حيث تُشترى الحماية بالمال، ويُشترى السكوت بالعلاقات، وتُختزل الضحية إلى رقم فاقد للوجه والاسم.
لم تعد مجرد جزيرة، بل صارت سؤالاً أخلاقياً مفتوحاً: كيف يمكن لمنظومة مال ونفوذ أن تبني فضاءً مغلقاً للانتهاك، ثم تحميه بالصمت والعلاقات والتواطؤ.
لا تُقرأ الجزيرة إلا بوصفها صورة مكثفة لصراع قديم يصفه القرآن بلغة القيم، صراع بين الحق والباطل، بين الاستقامة والفساد، بين حماية الضعفاء أو افتراسهم، والقرآن لا يسرد وقائع جزيرة بعينها، لكنه يكشف آليات الفساد حين يتحول الإنسان إلى أداة، ويُشترى الضمير، وتُقلب القيم، ويُزيَّن الباطل، ويُدار الظلم كأنه عمل طبيعي داخل منظومة نفوذ.
بهذا المعنى، تتجسد الجزيرة رمزاً لمنظومة تبدأ بجريمة مباشرة عنوانها الاستغلال والانتهاك والاتجار، ثم تتسع داخل بيئة حاضنة من النفوذ والوسطاء والصمت، قبل أن تُحاط بغطاء تبريري يُسطّح الجريمة ويحوّل الضحايا إلى أرقام، ويغرق الحقيقة في تفاصيل جانبية،هذه هي الرذيلة حين تبلغ ذروتها، حين تُمارس كمؤسسة لا كخطأ فردي.
ولذلك فإن ما كُشف من وقائع لم يكن فضيحة جنائية عابرة، بل مشهداً مكثفاً من مشاهد الصراع الأزلي الممتد بين الفضيلة والرذيلة، بين الشيطان والإنسان، صراع قديم بقدم الإنسان نفسه، يتجدد بأسماء مختلفة، لكنه يظل صراعاً على روح الإنسان وكرامته ومعنى وجوده.
غير أن الرذيلة لا تنمو في الفراغ، إنها تتمدد حين تغيب منابر الفضيلة، حين تضعف سلطة القيم، ويتحول الدين إلى طقس بلا أثر، وتفقد المنابر جرأتها في مواجهة الانحراف، ويُقدَّم المال على الأخلاق.
والقرآن حين تحدث عن “الفساد في الأرض” وصف هذا النمط تحديداً، فساداً منظماً يُمكَّن له ويُزيَّن ويُحمى، وحتى إذا انكشف يكون قد التهم ضحايا كثيرين.
وفي عالم اليوم حضرت القوة المادية بقوة غير مسبوقة، وغابت معها مرجعية الضبط الروحي. فصار ممكناً أن تُدار “جزر” كثيرة، بعضها سياسي وبعضها إعلامي وبعضها أخلاقي، تتجلى قيمة القرآن الكريم لا كنص وعظي، بل كمشروع إقامة للفضيلة في الأرض، فالقرآن الكريم لم يكتفِ بتحريم الانحراف، بل أقام منظومة متكاملة تضبط الغريزة بالعفة، وتحمي الضعيف بالتشريع، وتجرم الاستغلال، وتفرض المحاسبة، وتربط السلطة بالأخلاق.
لقد بنى بيئة تمنع الانحراف قبل وقوعه، بيئة تقوم على التقوى والعدل والرقابة المجتمعية وحرمة الإنسان، ولو فُعّلت هذه المنظومة لما أمكن لجزيرة كهذه أن تنشأ، لأن الفساد كان سيُحاصر في مراحله الأولى، لا يُترك حتى يتحول إلى شبكة.
في خطابه الأخير، أشار السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي إلى أن ما انكشف من وثائق إبستين يحمل دروساً كبرى، وأنه يكشف محاضن انحراف تُستخدم للتأثير على النخب وصناعة القرار، وأن ما جرى فيها يمثل سعيًا منظماً في الأرض بالفساد، في انسجام مع التوصيف القرآني {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا}.
وفي خضم هذا الغياب، تبرز قيمة الموالاة لمنهجية أهل البيت عليهم السلام بوصفها الامتداد الحي لمنهج القرآن في إقامة الفضيلة، فهذه المدرسة لم تقدم الدين كطقس منفصل عن الحياة، بل كمشروع إصلاح شامل يقوم على نصرة المظلوم، ومواجهة الطغيان، وصيانة العرض والكرامة، وبناء الإنسان أخلاقياً، وربط العبادة بالعدل.
وهكذا تبقى “جزيرة إبستين” مرآة تكشف ماذا يحدث حين تنتصر الرذيلة في مساحة من العالم، لكنها في الوقت نفسه تذكير بالطريق المقابل، إحياء القيم القرآنية في السلوك، وتفعيل منابر الفضيلة، والاقتداء العملي بمنهجية أهل البيت عليهم السلام، عندها فقط لا تبقى للرذيلة جزر تنمو فيها، لأن فضاء العالم نفسه يصبح محكوماً بمنظومة تحرس الإنسان من السقوط، وتعيد ضبط البوصلة نحو الفضيلة من جديد.
