إبستين .. من فوكوياما “نهاية التاريخ” إلى هنتنجتون “صراع الحضارات”

محمد المنشاوي

 

دفعت فضيحة جيفري إبستين، وما ارتبط بها من سقوط نخبوي لم تتخيله أكثر أفلام هوليوود إثارة، إلى حالة غريبة من عدم اليقين لدى كثير من الأمريكيين، الذين يتساءلون ويستغربون: كيف لدولة عظمى تقود العالم في أغلب المجالات العلمية والتكنولوجية والتعليمية والرياضية والفنية، أن تصل إلى هذا الانحدار الأخلاقي لنخبتها في شتى المجالات وعلى مدار سنواتٍ طويلة ؟

تضمنت المواد المنشورة ملايين المراسلات والوثائق والصور والفيديوهات لعددٍ من الرؤساء الأمريكيين، بمن فيهم الرئيس الحالي دونالد ترمب، وشخصيات بارزة في وول ستريت، قلعة صناعة المال في العالم، وشبكة من كبار أساتذة أهم الجامعات الأمريكية، وعددٍ من قادة ورواد الأعمال من وادي السيليكون، ومسؤولين ديمقراطيين وجمهوريين، ومؤثرين إلكترونيين، ورؤساء شركات قانونية، ومخرجي أفلام، وعددٍ لا ينتهي من المشاهير.

أكثر ما صدم الأمريكيين هو إيمانهم بأنهم يختلفون عن بقية كوكب الأرض؛ فقد أسسوا في «العالم الجديد» أقوى «حضارة مادية» عرفتها البشرية، واعتبر الأمريكيون أنفسهم، على عكس أجدادهم الأوروبيين، الأقرب إلى الرب بتدَّين وقيّم محافظة يُنظر إليها على أنها آيلة للاندثار في القارة الأوروبية. كما اعتبر كثير من الأمريكيين أن نجاح بلادهم وريادتها العالمية يعكسان نظامًا قيميًا وأخلاقيًا صارمًا يُكافيء الاجتهاد ويُتيح الفرص للأفضل. واعتبروا كذلك أن بقية العالم يغارُ من أمريكا، ويُريد أن يُصبح مثلها أو يقترب منها.

نعم، تتمتع الولايات المتحدة بريادة علمية لا تُضاهيها أي دولة أخرى، إذ تملك 11 جامعة من أفضل 15 جامعة في العالم، وفق أحدث تقدير لمؤشر «تايمز» للتعليم العالي. أما في مجال العلوم والآداب، فإن مجموع ما حصل عليه الأمريكيون من جوائز نوبل منذ انطلاقها عام 1901 يقترب من 350 جائزة، أي نحو 45% من إجمالي الجوائز، إذ حصلوا على أكثر من 60 جائزة في الكيمياء، و22 جائزة في السلام، و12 جائزة في الأدب، و51 في الاقتصاد، و88 في الفيزياء، و97 في الطب. ومن الصعب تصوّر عدم استفادة البشرية جمعاء من نتائج أبحاث هؤلاء العلماء وغيرهم.

ولا تنُافس الولايات المتحدة أمة أخرى في مجال توفير الفرص الإبداعية لمواطنيها القادرين والمرموقين، وقد أسس رجال أعمال أمريكيون أغنياء أعظم جامعات العالم ومؤسساته الفكرية والعلمية، مثل هارفارد، وستانفورد، وييل، وغونز هوبكنز، وراند، وفورد، وروكفلر، وفولبرايت، وكارنيغي.

تعتقد المدرسة الفكرية الأمريكية أن «أمريكا» عظيمة بطبيعتها، وهو ما يُشير إليه كبار الساسة الأمريكيين، سواء الجمهوريون منهم أو الديمقراطيون. ويُرّجع البعض ذلك إلى أن النظام السياسي الأمريكي قد يكون الأفضل في العالم، رغم عوراته المرتبطة بالفساد ودور رأس المال المفسِد.

يؤمن أغلب الأمريكيين بأن حكومتهم «حكومة الشعب، ومن الشعب، ولأجل الشعب»، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك؛ إذ تبدو في كثيرٍ من الأحيان «حكومة جماعات المصالح، ومن أجل مصالح هذه الجماعات». ولهذا السبب لا يتوجه نصف الشعب الأمريكى إلى صناديق الاقتراع، ويفضلون قضاء يوم عادي، بسبب عدم إيمانهم بوجود فروق حقيقية تُذكر بين الحزبين في القضايا العامة المهمة.

قد هزّت فضيحة إبستين، وما يتكشف عنها حتى الآن، ثقة الأمريكيين في أنفسهم، وفي نخبَّتهم، وفي من كان يُشار إليهم بوصفهم مثلًا أعلى لهم ولأبنائهم.

تفضل النخبة الأمريكية تناسي البُعد التاريخي عند تقييّم البدائل أو الاختيارات، أو عند تقييّم ثقافات المجتمعات الأخرى وتعقيداتها. ويُرجع البعض هذا التجاهل العام للبُعد التاريخي لدى النخبة الأمريكية إلى قِصر عمر الدولة والتجربة بصفة عامة، والتي لا تتجاوز 250 عامًا. ويرى آخرون أن النجاحات المادية كفيلة بالتغطية على مكونات النسَّق الأخلاقي والقيمي غير المادية.

خلال نصف القرن الأخير، روجت النخبة الأمريكية لنظريتين أسستا لما اعتبروه «قرن أمريكا»، الذي لم يقتصر على القرن العشرين، بل امتد إلى القرن الحادى والعشرين، وهما: «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات».

وقبل 37 عامًا، كتب الأكاديمي الأمريكي ذو الأصول اليابانية فرانسيس فوكوياما عام 1989م مقالًا بعنوان «نهاية التاريخ» في مجلة «ناشونال إنترست» (The National Interest)، ثم نشر كتابًا بالعنوان نفسه عام 1992م، قال فيه إن «عصر الاستبداد والنُظم الشمولية قد ولّى وانتهى إلى غير رجعة مع انتهاء الحرب الباردة وهدم سور برلين، لتحل محله الليبرالية وقيّم الديمقراطية واقتصادات السوق».

واعتبر فوكوياما أن المجتمعات الإنسانية، وخاصة المجتمع الأمريكي، قد وضعت حدًا لتطور الأفكار الإيديولوجية مع انتشار قيّم الليبرالية الديمقراطية. وقد منحت نظرية فوكوياما دفعة قوية لإيمان النخبة الأمريكية بأن نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين يُمثّلان نهاية الصراع الإيديولوجي، مع التأسيس الذي لا جدال فيه للديمقراطية الليبرالية الغربية باعتبارها المرحلة الإيديولوجية النهائية للتطور البشري. ومن هنا بشّرت واشنطن بالنموذج الغربي الليبرالي، وتصورت عدم وجود أي اتجاه آخر يمكن أن يسيّر إليه التاريخ.

بعد أربع سنوات، كتب صمويل هنتنجتون مقالًا في مجلة «فورين أفيرز» بعنوان «صراع الحضارات»، أثار جدلًا كونيًا واسعًا، لأنه لمس وترًا حساسًا لدى الشعوب المنتمية إلى حضارات العالم المختلفة.

وتناول هنتنجتون مفاهيم الاختلافات الحضارية، وميزان القوى المتغيَّرة بين الحضارات، وأشار إلى خطورة وقوة ظاهرة العودة إلى المحلية والجذور في المجتمعات الغربية وغير الغربية. وقسّم هنتنجتون حضارات العالم إلى: الصينية، واليابانية، والهندية، والإسلامية، والغربية، والأرثوذكسية، والإفريقية، وحضارة أمريكا اللاتينية. ووفقًا لهنتنجتون، فإن الصدام هو جوهر ما يحكم العلاقة بين تلك الحضارات، وهو صدام أساسه الثقافة أو الهوية التي تحكم كل حضارة.

اعتبرت النظريتان السابقتان أن المسلمين والمجتمعات الإسلامية شعوب متأخرة، تخّلفت عن اللحاق بالديمقراطية الليبرالية وأخلاقها وقيمها. ونظر فوكوياما وهنتنجتون إلى عالم الجنوب عمومًا نظرة دونية، اعتمادًا على معايير مادية لا تُفسر كل شيء، خاصة إذا ما أُخذ في الاعتبار إرث الاستعمار واستغلال دول الشمال للجنوب، فضلًا عن سجل العبودية ونشر الحروب.

وجاء شخص يُدعى جيفرى إبستين ليدق مسار الشك وعدم اليقين في محدودية النظرة المادية البحتة لقياس الأشياء، خاصة عندما يسقط أغنى الأغنياء، وأشهر المخترعين، وكبار المفكرين والمنظرين، في هوة أخلاقية صادمة، ليس فقط بمعايير البشر، بل حتى بمعايير صُناع الخيال.

* كاتب مصري

قد يعجبك ايضا