المحاضرات الرمضانية للسيد عبدالملك الحوثي.. بين التوجيه الديني وصناعة الوعي السياسي

أحلام الصوفي

 

مع بداية شهر رمضان المبارك، يتجه أنظار كثير من اليمنيين نحو المحاضرات الرمضانية للسيد عبدالملك الحوثي، التي أصبحت في السنوات الأخيرة حدثًا سنويًا يختلط فيه البعد الديني بالفكر السياسي، ليصبح منصة مؤثرة في صياغة وعي المجتمع اليمني خلال شهر الصيام.

منبر رمضان.. أكثر من وعظ ديني

تتميز المحاضرات الرمضانية بطابعها التفاعلي الذي يجمع بين تفسير النصوص القرآنية والتوجيهات العملية المرتبطة بالواقع اليومي. فهي لا تُقدم الدين كطقوس أو عبادات فردية فحسب، بل كمنهج حياة يرتبط بالمواقف السياسية والاجتماعية للمستمع.

وفي هذا السياق، تُعيد المحاضرات تفسير الدين بطريقة تربط بين العقيدة والواقع، ما يعزز شعور الفرد بأنه جزء من مشروع جماعي أكبر، يمتد من القيم الروحية إلى المبادئ الوطنية والسياسية.

الأبعاد الفكرية.. بناء هوية جماعية ووعي مقاوم

المحاضرات الرمضانية لا تقتصر على تقديم المعرفة الدينية، بل تهدف إلى بناء وعي جماعي متكامل.

الخطاب الذي يقدمه السيد الحوثي يركز على:

تعزيز الانتماء القيمي والديني.

توضيح المواقف السياسية والاقتصادية في سياق الشرعية الدينية.

ربط المجتمع بقضايا الأمة، مثل فلسطين والتحولات الإقليمية.

وهذه المنهجية تحول المستمع من فرد متلقٍ إلى مشارك واعٍ، مدرك لموقفه ودوره في الصراع المعاصر، ويشكل ما يُمكن وصفه بـ “الوعي الجمعي المقاوم”.

البعد السياسي.. توجيه الرأي العام وشرعنة المواقف

على صعيد السياسة، تمثل المحاضرات أداة فاعلة في توجيه الرأي العام داخل اليمن، فهي تشرح السياسات القائمة وتبرر القرارات، وتُهيئ المجتمع لأي تحولات مستقبلية.

باستخدام النص الديني كإطار مرجعي، تكتسب هذه التوجيهات شرعية دينية، ما يزيد من الالتفاف الشعبي حول الخطاب ويمنحه قوة تأثير أكبر، خاصة في أوقات الأزمات والحروب.

التأثير الاجتماعي والنفسي

تنعكس قوة المحاضرات الرمضانية في التفاعل الشعبي الكبير معها. فالمشاهدات والإقبال على القنوات الرسمية والمنصات الرقمية، إلى جانب تداول المقتطفات في المجالس والبيوت، يعكس حجم تأثيرها العميق.

على المستوى النفسي، تمنح المحاضرات المستمعين شعورًا بالطمأنينة والاستقرار، وتُعزز الالتزام بالقيم والمواقف التي يُروج لها الخطاب، ما يخلق حالة من الانتماء العاطفي والفكري في آن واحد.

قراءة تحليلية

يمكن اعتبار المحاضرات الرمضانية نموذجًا فريدًا للخطاب الديني السياسي، يجمع بين:

العقل والفكر التحليلي.

العاطفة والانتماء الروحي.

الالتزام الأخلاقي والسياسي.

وهذا المزج يجعل من الخطاب الرمضاني أداة مؤثرة في صناعة الرأي العام، وصياغة المواقف الفردية والجماعية، وتحويل القناعات إلى التزامات عملية.

خاتمة

المحاضرات الرمضانية للسيد عبدالملك الحوثي تجاوزت دورها التقليدي في التفسير الديني، لتصبح حدثًا سنويًا له تأثير سياسي وفكري واجتماعي عميق. فهي تشكل نموذجًا للخطاب الذي يربط الدين بالهوية الوطنية والسيادة الفكرية، وتؤكد على أن الكلمة، حين تُصاغ بعناية في الوقت والمكان المناسبين، يمكن أن تكون أداة قوية لصناعة الوعي وتوجيه المجتمع.

 

 

 

قد يعجبك ايضا