الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

واحدية النضال اليمني تجسدت من خلال ثورة 14 أكتوبر ضد الاحتلال البريطاني

باحثون : تم إعداد ميثاق وطني لمجابهة الاستعمار البريطاني بين الشمال والجنوب أعلنته إذاعتا صنعاء وعدن عام 1963م

الأطماعُ الاستعمارية لا زالت موجودة في اليمن وبريطانيا تسعى لإقامة مشروع استعماري جديد والعدوان السعودي الإماراتي امتداد لها
أدوات العدوان في عدن ينفذون أجندات السعودية والإمارات ويسعون لفك الارتباط عن الهوية اليمنية الجامعة
الجنوبيون الشرفاء يجددون نضالهم اليوم ضد المستعمر والمحتل الجديد

انطلقت ثورة 14 أكتوبر 1963 ضد المستعمر البريطاني الذي استمر 128 عاماً في جنوب اليمن، من جبال ردفان في محافظة لحج، التي تحدّ مدينة عدن شمالاً. حاولت القوات البريطانية إخماد الثورة بحملة عسكرية استمرت ستة أشهر أطلقت عليها اسم “الأرض المحروقة” إلا أن النضال والكفاح المسلح اجبر المستعمر الباغي على الخروج من جنوب اليمن وبعد خمس سنوات، في 30 نوفمبر 1967م، احتفل اليمنيون بخروج آخر جندي بريطاني.. واصل الثوار الكفاح المسلح عبر العمليات الفدائية والهجمات المسلّحة ضد مواقع القوات البريطانية بين عامي 1963 و1967م، ودارت العديد من المعارك المباشرة، كما استخدم الإنكليز الطيران الحربي لقصف القرى، التي كان الثوار ينشطون فيها. ويؤكد بريطانيون أن الانسحاب كان تحت وطأة المقاومة المسلحة، في ظلّ كون عدن استثناءً في السياسة البريطانية، التي أقرّت في العام 1968م، والقاضية بانسحاب لندن من مستعمراتها السابقة في العالم ولم يكن الثوار اليمنيون في الشمال أو الجنوب يعترفون بالحدود التي رُسمت بين المملكة المتوكلية اليمنية، التي أطاح بها ثوار سبتمبر 1962م في صنعاء، والمستعمر في عدن، وقد كان الثوار من المحافظات الجنوبية والشمالية جنباً إلى جنب في معارك تثبيت النظام الجمهوري في الشمال والثورة ضد المستعمر في الجنوب،
الثورة /حاشد مزقر

مخططات الاحتلال القديم
تشير الكتب التي دونت في سجلها تاريخ الاحتلال البريطاني لعدن قائلة “إن بريطانيا العظمى أدركت منذ بداية إطلاقها لموجاتها الاستعمارية أهمية موقع عدن، فحاولت أن توجد لها مكانا على هذه المنطقة، وتمكنت عام 1799م من احتلال جزيرة (ميون) وبدأت تظهر رغبتها في فرض نفوذ قوي لها في عدن وما حولها، حتى جاء عام 1802م وقد تمكنت من عقد اتفاقية مع سلطان لحج الذي كانت عدن تابعة لسلطنته، وبموجب هذه الاتفاقية التزم السلطان بفتح عدن أمام البضائع البريطانية وحماية رعاياها..
لكن ذلك بدا غير كاف لبريطانيا التي عملت لفرض سيطرتها المباشرة على عدن بشتى الطرق ومن بينها ذلك الحادث المدبر الذي وقع في يناير 1837م في المياه اليمنية واتخذته بريطانيا ذريعة لاحتلال عدن، حيث غرقت السفينة (داريادولت) قرب عدن وزعم قائدها الكابتن هنس أنها أغرقت من قبل مهاجمين يمنيين، فأخذ يخطط لاحتلال عدن، وعاد في العام التالي يقود سفينة وزوارق عسكرية واقترب من عدن لكنه واجه مقاومة من المدافعين عن عدن، وآثر التراجع حتى تصله الإمدادات الإضافية التي طلبها من بومباي التي وصلت إلى المياه الدولية لليمن بالفعل في ديسمبر 1838م وهذا ما أمكن من التقدم نحو مدينة عدن التي احتلها في (19 يناير 1839م) في معركة غير متكافئة سقط في صبيحة ذلك اليوم حوالي (139) شهيداً من أبناء اليمن الذين حاولوا مقاومة القوات الغازية التي كانت كثيرة العدد وعالية التدريب والتسليح.

مخططات لبسط النفوذ
منذ أن سيطرت القوات الاستعمارية على مدينة عدن عام 1839م شرعت في تنفيذ مختلف الخطط والتدابير التي تمكنها من الاستقرار وبسط نفوذها في جنوب اليمن التي طالما احتلت أهمية كبيرة في التفكير الاستراتيجي لدى الاستعمار البريطاني.. وكانت إحدى الوسائل أو الآليات التي اتبعتها هي الاتفاقيات والمعاهدات التي نجحت في عقدها مع الحكام المحليين للإمارات والسلطنات والمشيخات التي كانت قائمة حينئذ.
وعلى سبيل المثال فقد بدأت بريطانيا من خلال مندوبها السامي في عدن عقد أول اتفاقية صداقة وتعاون مع سلطان لحج في يونيو 1839م، وتلتها اتفاقيات ومعاهدات أخرى مع سلاطين وحكام إمارات آخرين في الأعوام (1850، 1882، 1888، 1915، 1938) حيث اشترت بريطانيا – بموجب هذه الاتفاقيات- أراض جديدة مثل الشيخ عثمان وعدن الصغرى، واستقطبت بها سلطنات مثل (لحج) و(دثينة بأبين) و(الكثيري، القعيطي، وبيحان) في حضرموت وغيرها من سلطنات ذاك الزمن..ومن جهة فقد استغلت بريطانيا هذه المعاهدات والاتفاقيات لتفرض سيطرتها على الحكام المحليين مستشارين بريطانيين لا يصدر هؤلاء الحكام أي قرارات أو تدابير إلا بعد الرجوع إلى مستشاريهم الذين يعملون مع المندوب السامي ويخضعون لإدارته مباشرة.. وفي وقت لاحق عملت بريطانيا على تجميع الإمارات والسلطنات والمشيخات داخل إطار واحد تحت قبة ما سمته ”الجنوب العربي” وهو مشروع ابتدأته عام 1954م والتحقت به الإمارات والمشيخات تباعاً مكونة ”اتحاداً فيدرالياً” صار يضم جميع الإمارات بحلول عام 1963م، وأنشأت بريطانيا هذا (الاتحاد) بموجب معاهدة تعطي بريطانيا وحدها صلاحية التحكم في الأمور السيادية والسيطرة على هذه الإمارات من خلال المستشارين والموظفين الذين يعينهم لها المندوب السامي في عدن، وكذلك الأمر بالنسبة للمجالس التشريعية أو الحكومة الفيدرالية..
كما عملت بريطانيا على تمكين وجودها في عدن من خلال تدابير أخرى سياسية وعسكرية فنقلت إليها جزءا من سلاحها الجوي وتعزيز قوات المشاة أو جيش (الليوي) الذي أخذت في تطويره ابتداء من عام 1928م، وفي العام 1937م أعلنت عدن مستعمرة تابعة للتاج البريطاني وصارت تدار ويعين حاكمها البريطاني من لندن مباشرة وكانت من قبل تابعة للحاكم البريطاني على الهند.. وفي العام 1957م أصبحت عدن مركز القيادة الرئيسية للقوات البحرية البريطانية، أما في العام 1961م فقد تحولت القيادة المركزية للقوات البريطانية في عموم منطقة الشرق الأوسط إلى عدن ولم تنل المستعمرة البريطانية(عدن) قسطا من الراحة مطلقا خلال سنوات الاحتلال البريطاني لها فقد كان نضال الشعب اليمني كل يوم مستمدا قوته بحكمة “لا للمستعمر الأجنبي على الأرض العربية”، فمنذ أن دخلها المستعمرون البريطانيون في 19 يناير1839 وعلى رأسهم الكابتن هنس إلى حين خرج من المدينة نفسها المقدم(داي مورغان) في 29نوفمبر1967 وهو آخر عسكري إنجليزي كانت تحتفظ به بريطانيا في عدن إذا كان الكابتن (هنس) قد وجد مقاومة منذ اليوم الأول الذي وطأت أقدامه الخليج الأمامي لمدينة عدن فإن المقدم (مورغان) أيضا لم ينسحب من عدن راغباً مختاراً ذلك أن فترة 129 سنة التي أمضاها المستعمرون البريطانيون في جنوب اليمن لم تمر يوم من أيامها دون مقاومة ضد الاستعمار وهي مقاومة بالفعل أجبرته على الجلاء من هذه المنطقة التي تحتل أهمية عالية في تفكيره الاستراتيجي رغم سلسلة التدابير الكثيرة التي أتخذها للاحتفاظ بنفوذه أو سيطرته على عدن.. وعلى الرغم من أن الاستعماريين اختاروه كلمة “استعمار” لتعطي دلالة على أن مهمته الحضارية هي “تعمير” البلدان ونقل سكانها من البداوة والهمجية إلى “المدنية” إلا أن الاستعمار ارتبط في الأذهان بالإذلال والقمع والنهب والتحكم الخارجي، ولذلك لم يلق أي مستعمر ترحيباً من أحد، بل لاقى المقاومة حتى النهاية، وهكذا كانت قصة اليمنيين مع الاستعمار البريطاني وقاوموه وكانوا طيلة ما يربو على (129) عاماً حتى أخرجوه من أرضهم.

تصاعد مراحل النضال الوطني
يقدم المناضل سعيد الجناحي رصداً دقيقاً معززاً بالتواريخ وأسماء الخلايا التي صنعت مراحل الثورة من الأعوام التي سبقت العام 1963م والتي عملت على تصاعد مراحل النضال الوطني في كل جنوب الوطن إلى أوجّه ؛حيث تضامنت كل القوى الوطنية للتصدي للمشروع البريطاني في ضم عدن إلى بقية الكيانات تمهيداً لمشروع قيام (الاتحاد العربي) المزعوم كفكرة بريطانية في الأصل ؛ مضيفاً أن المؤتمر العمالي وحزب الشعب الاشتراكي دعوا الجماهير إلى الزحف إلى المجلس التشريعي الذي كان قد قرر عقد اجتماعات له لضم عدن إلى الاتحاد المزيف ؛بينما قام البريطانيون باعتقال عدد من قيادات المؤتمر العمالي بهدف إفشال الزحف لكنها فشلت في إيقاف الجماهير الغاضبة التي واصلت زحفها إلى المجلس التشريعي ومبنى السجن مما اضطر البريطانيين إلى استعمال المروحيات لإيصال أعضاء المجلس التشريعي بهدف إنجاز الاجتماع للموافقة على ضم عدن إلى الاتحاد ، لكنها عجزت تماما عن إيقاف المد الشعبي حتى بعد ان استخدمت الرصاص الحي.
مضيفاً -أن وجود مكتباً لشؤون الجنوب بصنعاء برئاسة الرئيس قحطان الشعبي فتح مجالاً واسعا للاتصال بأبناء الجنوب، مثل المتطوعين في جبهات القتال أو من المتوافدين إلى تعز وصنعاء كهاربين من النظام البريطاني أو من أولئك الذين تواجدوا في ساحات القتال قبل الثورة في شمال الوطن والملتحقين مسبقاً بحركة القوميين العرب؛ إلى جانب ما شكله مكتب شؤون الجنوب في صنعاء كمركز تجمع واتصال ولقاءات ونقاشات بين الفئات الوطنية حول أهمية توحيد القوى الوطنية وتحرير جنوب اليمن المحتل ولعل ابرز حدث حينها هو عقد ما يشبه المؤتمر العام في صنعاء في دار السعادة تحديداً والذي ضم مئات من أبناء جنوب اليمن كقادة للحركة الوطنية ومن مختلف الشرائح الاجتماعية بما في ذلك ممثلو حزب الشعب الاشتراكي الذي كان قد فتح له مكتبين في صنعاء وتعز فقد وصل إلى مكانة مؤثرة نظرا لتميز واتساع قاعدته الشعبية بحكم سيطرته على المؤتمر العمّالي ؛ حيث خرج عن ذلك الاجتماع لجنة تحضيرية برئاسة قحطان الشعبي وعضوية عدد من مناضلي الحركة الوطنية أمثال ناصر السقاف والمجلعي وعيدروس القاضي والكاظمي والصلاحي وغيرهم ..مهمتها إعداد ميثاق وطني لتشكيل جبهة موحدة لتحرير الجنوب اليمني المحتل اقر ذلك الميثاق في مارس 63 وأذيع من إذاعتي صنعاء وعدن مُدينا الاتحاد العربي المزيف ومحذراً من مخططات الاستعمار الذي يسير نحو استقلال شكلي وقيام دولة ما يعرف(بالجنوب العربي) كدولة انفصالية متآمرة على وحدة اليمن واستقلاله مؤكداً في نصوصه على ضرورة إقامة تحرير الجنوب اليمني المحتل وشن حرب تحرير واسعة ضد الإنجليز وأذنابهم حتى النصر والاستقلال ،والعمل على تحقيق الوحدة اليمنية بعد تحرير الجنوب اليمني ؛ وعدم الاعتراف بالأشكال الدستورية التي تفرضها بريطانيا وتصفية القواعد العسكرية وعدم الاعتراف بأية معاهدة فرضتها بريطانيا على المنطقة وإلغاء أية امتيازات حصلت عليها لاستغلال ثروات المنطقة ؛ وأن تنفتح الجبهة على كل القوى الوطنية وتوحيدها وإعدادها لخوض المعركة في إطارها وجاء في الميثاق أن من مهام الجبهة الدفاع عن ثورة سبتمبر، واعتبر الجمهورية العربية المتحدة (مصر) قاعدة النضال التحرري العربي، مبيناً الكثير من جوانب القضية الأساسية المتعلقة بتحرير الجنوب وأهمية التحالف السياسي والنضالي بين مختلف القوى اليمنية وضرورة أن تركز على المهمة الأساسية في تحرير جنوب اليمني و إنجازها بمختلف الطرق والوسائل وتسخير كل الإمكانات الرسمية والشعبية في سبيل إنجاز الهدف الحلم .

بداية ثورة 14 أكتوبر
يقول المُناضل والمُفكر عبدالله عبدالرزاق باذيب: عندما قامت ثورة 26 سبتمبر المجيدة في الشمال ذهب العديد من أَبْنَاء الجنوب من عُمال وفلاحين ورجال قبائل وطلبة وشاركوا في الحرس الوطني ضد العدوان الإمبريالي الرجعي الملكي على ثورة الشمال وكان بينهم المئات من أبناء ردفان، وبعد عام من الكفاح الضاري المرير في جبال الشمال وشعابهُ ووديانه وبعد توقف إطلاق النار الأولى، وبسبب الخيانات والفوضى في تصريف أموال الحرس الوطني، قرر أَبْنَاء ردفان العودة إلى ديارهم، فكانت بانتظارهم قوانين وأوامر من الإنجليز بتسليم سلاحهم وضم بلدهم (الذي كان حتى ذلك الحين بعيداً عن نفوذ الإنجليز ولا يتبع إمارة الضالع القريبة منهم) ورفض أَبْنَاء ردفان أو (الذئاب الحُمر) كما كان يُسميهم الإنجليز، وكان أول صدام في 14 أكتوبر 1963م، وأول شرارة للثورة.
وإذا كانت مُطالبة الإنجليز لأَبْنَاء ردفان بتسليم السلاح والخضوع لسلطة أمير الضالع العميل هي السبب المُباشر لانتفاضتهم، فإن السبب الحقيقي يكمن في ظروف القهر والاستغلال الاستعماري وللطغيان السلاطيني، التي عاشها شعبنا في ظل الحكم البريطاني.
وصمد أَبْنَاء ردفان لوحدهم في وجه القوات البريطانية رُغم تخريب بيوتهم وإحراق محاصيلهم، وكان صمود أَبْنَاء ردفان إلهاماً لشعبنا في الشمال والجنوب ولقوى الثورة. وكانت الظروف الموضوعية في بلادنا مهيأة وناضجة لمثل هَذه الحركة، فلم يكن أمام شعبنا في إمارات الجنوب من وسيلة للدفاع عن نفسه ضد تسلط الإنجليز والسلاطين غير السلاح، الذي لم يستطع الانجليز حرمانهُ منهُ وقد حرمه من كُلّ وسائل التعبير الأُخْــرَى، فلا صحف ولا أحزاب، ولا انتخابات بل كبت وقهر وحرمان كامل.

إشعال فتيل الثورة
وأضاف باذيب ؛ يُعتبر مفجّر الثورة، راجح لبوزة، من أبرز رموز ثورة 14 أكتوبر، وقد استشهد في اليوم ذاته وكثيرة هي الأسماء التي دونها تاريخ النضال اليمني عبر مسيرته المختلفة التي خاضها اليمنيون ضد القوى الاستعمارية ، ويبقى راجح لبوزة من الأسماء التي نقشت أحرفها من ذهب، ودوّنت بأحرف ناصعة على صفحات التاريخ اليمني العظيم، لتظل الأجيال تقرأها وتحنو لها الجباه إجلالاً وإكراماً لها عند كل ذكرى.. والشهيد البطل هو أسد ردفان وفارس الثورة الأكتوبرية الذي استطاع أن يشعل فتيل الثورة من جبال ردفان في صباح الرابع عشر من أكتوبر من عام 1963م هو ومجموعة من رفاقه الذين قدر عددهم بسبعين شخصاً تم توزيعهم إلى أربع مجموعات.. قاد لبوزة وابنه بليل مجموعتين منها، واستطاع لبوزة ورفاقه المناضلون منع تقدم القوات البريطانية التي ترافقها الدبابات والمدافع والطائرات وأجبروها على التراجع ويشير كتاب (حقائق جديدة عن الانطلاقة الأولى لثورة 14 أكتوبر لمحمد عباس ناجي الضالعي) إلا أن القوات البريطانية لم تستطع التقدم متراً واحداً أمام ضراوة القتال والاستبسال اللذين أبداهما المرابطون في ردفان، وبعد ساعات من القتال استشهد راجح لبوزة في هذه المعركة متأثراً بشظايا قذيفة اخترقت جسده، ليكون أول شهيد في معركة الذود عن الوطن، والتي انطلقت من جبال ردفان لتعم بعدها كل أرجاء جنوب الوطن المحتل، ودخلت الثورة باستشهاد لبوزة مرحلة جديدة من النضال ضد المستعمر, فبعد أيام من استشهاد راجح لبوزة تفجرت المعارك من جديد بين القوات البريطانية وجبهة ردفان، وألحقت بالقوات البريطانية خسائر فادحة، مما حدا بالقوات البريطانية إلى استخدام أنواع أسلحتها البرية والجوية في قصف مناطق ردفان دون تمييز، وقتلت عشرات النساء والأطفال في هذا القصف، وبعد أن عجزت قواتها المتمركزة في العند والضالع وعدن من إخماد الثورة من ردفان استقدمت فرقة عسكرية متكاملة من القوات الخاصة المتمركزة في جنوب أفريقيا يطلق عليها فرقة الشياطين الحمر، وهي فرقة مدربة على القتال في المناطق الجبلية، والمسالك الوعرة وتوسع نطاق الثورة، حيث تم فتح جبهة الضالع والشعيب ودثينة والصبيحة، وعدن، وغيرها من الجهات لتشمل الثورة كل أرجاء الجنوب.

كفاح أحرار اليمن على مدى 128عاماً بشكل يومي
وزاد بالقول؛ إن كفاح أحرار اليمن ضد المستعمرين البريطانيين ظل مهمة يومية دون انقطاع، فمنذ عام 1839م وحتى الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م كانت عدن ولحج والضالع وبيحان وحضرموت والعوالق ودثينة وغيرها تتأجج ناراً تصلي المستعمرين، في البداية كانت قبائل الفضلي والعبدلي والعوالق وردفان والضالع والعواذل وبيحان، وتطورت المقاومة لتأخذ أشكالا تنظيمية حديثة فكانت الرابطة والمؤتمر العمالي وحزب الشعب والنقابات وجبهة التحرير، والجبهة القومية.. ثم أخذ النضال أشكالاً مختلفة تحاصر المحتل على كل جبهة ومجال.. المظاهرات.. الإضرابات.. المقاومة.. الكفاح المسلح.. واتسع هذا الكفاح ليشمل كل الفئات ويمتد من المدينة إلى الريف.. ولم يأت منتصف عام 1967م إلا وقد تمكن (الذئاب الحمر) من إسقاط كل المناطق من النفوذ الاستعماري الذي لم تعد بيده سوى مدينة عدن، حتى خرج المندوب السامي يعلن في 6 نوفمبر 1967م إن حكومة جلالة الملكة “تعترف بالجبهة القومية كممثل شرعي لليمن الجنوبي وأن بريطانيا ستجلي قواتها من عدن عام 1968م، ومع ذلك أدت الضربات الموجعة التي تلقاها المستعمرون إلى التعجيل بخروجهم وفي الحقيقة أن تحديد موعد الجلاء لم يكن في حسبان المستعمر.. وكل القرارات كانت من صلاحية الأحرار وحدهم.. وحتى ذلك الوقت لم يكن بمقدور المستعمرين سوى شيء واحد.. هو “مغادرة عدن وعلى عجل”.

فرض الهيمنة الاستعمارية
يقولُ الكاتبُ د. أحمد عبدالله صالح (في كتابه “خصائص النضال الوطني ضد الاستعمار البريطاني” في مجرى حديثه عن طبيعة الأوضاع الاجتماعية في ظل الاستعمار البريطاني : لقد حطم الاستعمار البريطاني الاقتصاد الطبيعي في المدينة والريف (الثروة السمكية والحيوانية والزراعية) وأصبحت البلاد كُلها بمدنها وأريافها، سوقاً لمنتجات الشركات الاحتكارية الأجنبية، فأصبح القمح والذرة تستورد من الخارج وكذلك اللحوم واللبن والسمن ومعلبات الساردين والطماطم، ليس ذلك وحسب، بل قد حطمت كُلّ ما كان موجوداً من الورش والصناعات الحرفية الوطنية، فأصبحت الأقمشة وكل الملبوسات والمفروشات والأدوات المنزلية تستورد من الخارج إلى بلادنا. إن الاستعمار البريطاني لم يول أيَّ اهتمام يُذكر لتطوير الصناعة والزراعة وكذلك التنقيب عن النفط والثروات المعدنية، بل اقتصر اهتمامُ المُستعمرين على تطوير الجوانب الخدمية، كالتسهيلات التجارية والمالية، وذلك على حساب نمو الصناعة والزراعة، مما أوجد في بلادنا اقتصاداً مشوهاً وحيد الجانب ذا طابع طُفيلي صرف. أما أوضاعُ الريف فقد كانت أكثر تخلفاً، دعم المُستعمرون العلاقات الاقطاعية المتخلفة التي شكلت حاجزاً أمام تطور القوى المُنتجة في الريف، وأقاموا تحالفاً سياسياً مع السلاطين الإقطاعيين؛ وذلك لأجل فرض الهيمنة والسيطرة الاستعمارية على كُلّ أجزاء البلاد.
كان في عدن رجل بوليس واحد لكُل 250 مواطناً، من السُّكان، وفي الوقت نفسه في إنجلترا نفسها وجد بوليس واحد لكل 750مواطناً، وقد أعطى البوليس حق التعرض والتفتيش لأي مكان والاعتقال والتحقيق مع أي شخص ومصادرة وثائقه ونزع اللوحات والأعلام ووضع أية منظمة تحت الرقابة”.

العدوان السعودي الإماراتي تسلسل لأطماع الاستعمار البريطاني والأطماع الأمريكية في اليمن
ويضيف الكاتبُ د. أحمد عبدالله صالح (في كتابه “خصائص النضال الوطني ضد الاستعمار البريطاني): من خصائص السيطرة الاستعمارية في بلادنا، أن المُحتلين البريطانيين قد ارتبط وجودهم العدواني، على أرضنا بالمصالح السياسية والعسكرية بالدرجة الأولى، حيث تحولت عدن إلى قاعدة عسكرية لحماية المصالح البريطانية الاقتصادية والسياسية والعسكرية في بلدان الجزيرة والخليج العربي، وفي الشرق الأدنى والأوسط، وكذلك محطة ترانزيت لتزويد الأساطيل التجارية بالوقود، وكقاعدة عسكرية تؤمن حماية الطُّرقات والممرات البحرية إلى مناطق الهند وشرق أفريقيا، كما أن عَدَن قد مثلت بعد الحرب العالمية الثانية نقطة ارتكاز ورأس جسر عسكري لحلف الأطلسي لقيام بأعمال عدوانية ضد حركات التحرر الوطني العربية والأفريقية”.
وهَذهِ الأطماعُ العسكرية السياسية الاقتصادية ما زالت موجودة لدى قوى الاستعمار، التي حالياً تحتل مناطق من الجنوب وتُخضعهُ لسيطرتها وهذه المطامع دافع تدخلها العدواني في اليمن لا شيء آخر، وإن كان في هذا الزمن قد ضَعُفَ الدور البريطاني، لصالح أمريكا، فيما دول الخليج أذيالٌ لهاتين الدولتين الاستعماريتين لا أكثر.

نضال الأمس وعمالة اليوم
عبدالله صبري رئيس اتحاد الإعلاميين قال: عدن اليوم ليست ذاتها في 1967م حتما، لكن ثمة تشابه كبير بين الزمنين، فعدن ومعها الجنوب إجمالا ناضلت بالأمس بهدف التحرر من الاحتلال الأجنبي، وهي اليوم تناضل أيضا لكن بهدف فك الارتباط عن الذات والهوية واليمن الطبيعية، مع فارق خطير يتمثل في قبول نخبة الحراك بالاحتلال الأجنبي السعودي والإماراتي بزعم محاربة «الحوثيين والمد الإيراني».
الجنوب الذي كان عباره عن إمارات ومشيخات قبيل الاستقلال، يبدو أنه في الطريق إلى التشظي مرة أخرى، فهناك عدة «حراكات» كلها تقريبا مرتبطة بالخارج، حراك إماراتي، وحراك سعودي، وثالث إيراني،…إلخ. وهناك ارتباطات لشخصيات سياسية جنوبية مع بريطانيا ومع أمريكا ومع روسيا، وغيرها، لكن الأسوأ أن الأفكار الوطنية المتطرفة بشأن الانفصال تفتقر للمشروع القومي أو الأممي الذي كان مناضلو ومثقفو عدن والجنوب يتفاخرون بها، بل والأدهى أن الدول الرجعية باتت الصديق لنخبة الحراك أو مرتزقته لا فرق ونتيجة لانحطاط قادة الحراك أمكن للعدوان السعودي تجنيد الآلاف من الشباب في الجنوب والزج بهم في معركة الدفاع عن الحد الجنوبي للمملكة، ليكون القاتل والمقتول يمنييّن فدم الجنوبي على الجنوبي لم يعد حراما أيضا، فالعمالة المزدوجة للسعودية والإمارات، جعلت من عدن خلال الأشهر الماضية مسرحا لاحتراب أهلي دموي طرفاه قوات الانتقالي الجنوبي والقوات المحسوبة على حكومة هادي. ولما تدخلت دول العدوان والاحتلال وأوقفت الحرب ورعت مفاوضات سياسية بين الطرفين، كانت النتيجة اتفاقا يمس بالسيادة الوطنية ويشرعن للاحتلال، ويمنح السعودية كلمة الفصل في شؤون اليمن الجنوبي إلى أجل غير مسمى.

العدوان السعودي الإماراتي على اليمن.. استعمار جديد
الباحثة والإعلامية نبيهة محضور تصف العدوان الإماراتي والسعودي على الأراضي اليمنية بالدور الذي يخدم مشروعاً استعمارياً جديداً وتتحدث: بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر عانى جنوب وشمال اليمن الأمرين حيث كان الشمال ينزف جراحاً ماضية وحالة الجهل والتخلف تحاصره وجنوب وطن يعاني التشظي والانقسام والصراع السياسي الذي كاد يفتك به فكانت الوحدة الملاذ الوحيد لكليهما وخاصة الإخوة في جنوب الوطن بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وحالة الضعف الذي وصل منتهاه في كيانهم السياسي والمجتمعي فكانوا اشد اندفاعا نحوها لانهم وجدوا فيها طوق النجاة لمعاناتهم، فكانت الوحدة المباركة التي لم تكن حلماً يمنياً فقط ، بل هي امتداد لحلم عربي يسعى للوئام والتوحد فيما بينه لاستعادة قوته وحضارته التي وهنت خلف قضبان الحدود ومن المؤسف بعد 27 عاما لتحقيق الوحدة اليمنية ان نجد الجنوب أرضا للقاعدة والدواعش وسقطرى التي يتم اقتلاع أشجارها ومصادرة طيورها وحيواناتها النادرة يرفع على أرضها علم الإمارات ومن المخجل ان نجد في الوقت الذي سطر فيه اليمنيون أروع صور الصمود والثبات في مواجهة ترسانة الحقد السعودي في حربه الغاشم على اليمن منذ خمسة أعوام ونصف والذي عمد فيه إلى تدمير اليمن أرضا وإنسانا ضاربا عرض الحائط بكل القيم الإنسانية والمواثيق الدولية ، نرى بعض العملاء والمرتزقة من ذوي المشاريع الضيقة يسعى إلى تمزيق الوطن والعودة بها إلى مربع التشطير ، خدمة لأعداء اليمن وتنفيذا لأجندات خارجية إقليمية وعالمية تسعى لإقامة مشروع استعماري جديد للاستيلاء على خيرات اليمن ومواردها.
تستكمل حديثها؛ يتضح هذا من خلال تركيز عدوان التحالف على فصل الجنوب عن الشمال و تقسيم اليمن ما بين السعودية التي تركز على الثروة النفطية في مارب والجوف والإمارات التي تركز على ميناء عدن وباب المندب ومن اجل ذلك سفكوا دماء اليمنيين الأحرار مستخدمين كل أنواع الأسلحة وجالبين مختلف الجيوش العربية والأجنبية، ومما يحز في النفس أن تجد من يصفق لهذا المشروع ويتواطأ معهم ويبيع هذه الأرض مقابل حفنة من الدولارات والريالات متناسين أن يوم 14 أكتوبر خلده التاريخ وسيبقى خالدا الى الأبد في نفوس اليمنيين الأحرار ، هذا اليوم الذي اعلن الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني الذي أثمر بعد 4 سنوات وطهر اليمن من دنس الاستعمار البريطاني ومتناسين أيضا يوم 22 مايو الذي غير الخارطة السياسية العربية والعالمية في وقت كان العالم يتفتت ويتجزأ ويشهد انقساماً وانهياراً لأكبر دول العالم ” الاتحاد السوفييتي” وقتها كان اليمانيون يلملمون أوصالهم المبعثرة في رقعة جغرافية كانت في الأصل وطن واحد منذ أقدم العصور فصلتها براميل وضعها أصحاب الفكر العقيم والمتسلط قسمت النسيج اليمني إلى شمال وجنوب فما أحوجنا اليوم والوطن يعاني ما يعانية إلى إعادة بناء منظومة القيم التي تدهورت وتعزيز الولاء الوطني في نفوس الجميع واستشعار المسؤولية الوطنية والحفاظ على هذا المنجز وحمايته وعلى شباب جيل الوحدة التي عاصرها وفتحت أمامه آفاقاً لم يكن ليحققها أن يكون أكثر إدراكا لما يحاك ضد وطنه ويرتقي بأفكاره ويسمو بأفعاله ويحافظ على وحدة الوطن أرضا وإنسانا وعلى القيادات في شمال الوطن وجنوبه تغليب مصلحة الوطن والدفاع عن وحدة أرضه ودحر مشروع التمزيق والاستعمار الجديد الذي لا يختلف عن ذلك الاستعمار القديم.

قد يعجبك ايضا