قضايا ذات طابع استثماري.. وأحكام عالقة في مرحلة التنفيذ.. تحت رحمة الإضراب



نقابة المحامين :تراكم القضايا في المحاكم دون البت فيها يلحق خسائر فادحة بالتنمية والمجتمع

في نزول ميداني سريع وجدنا أنفسنا أمام تفاصيل قد تطول في رصد ما يمكن أن يخلفه الإضراب من تراكم للمشكلات والقضايا التي يرتبط بعضها أو معظمها بعجلة التنمية إذ تعيق المشاكل التي يفصل فيها القضاء الكثير من المشاريع المرتبطة بالقطاع العام أو القطاع الخاص ناهيك عن مشاريع الناس المتصلة بالحياة اليومية وحقوقهم وأمنهم العام.. وهو ما لمسناه في ساحات وأروقة وملفات بعض المحاكم من قضايا تنتظر البت فيها من قبل القضاء تحدث عنها الناس بمرارة.. ومع ذلك رغم معاناتهم إلا أن الكثير منهم لا يرى القضاة في مربع الأمان باعتبار القضاء مصدر أمان الناس من الجور والغبن الحقوقي.. إلى هذا الرصد السريع لتبعات الإضراب على تراكم مشاكل الناس والتنمية والاستثمار والأمن العام:

ذهبت إلى محكمة غرب الأمانة لمراقبة حركة الناس فوجدتهم في فرزة الانتظار وحين دخلت من البوابة لم يكن ببالي أكثر من التفكير بالذهاب إلى رئيس المحكمة وكما لو أني نسيت أن المواطن هو هِدِف ذهابي الأول إلا حين دق أجراس المهمة في انتباهي أحد المواطنين إذا لا يدخل أحد إلا وسأله.. كان جالساٍ على الرصيف مررت بجانبه شارد البال لكنه استوقفني فجأة : لو تسمح أنت موظف في المحكمة ..¿ .. ودون أن ينتظر إجابتي طرح سؤالاٍ آخر : أين قلم المحكمة (موظف يحمل هذا الأسم يحرر المستندات والأحكام والوكالات).. فأجبته لا.. فسألته وهل كتاب المحكمة مضربون فقال: لا.. القضاة هم المضربون..
هذا الحوار الأول مع أحمد القليصي الذي ينتظر منذ الصباح الباكر قلم المحكمة في محكمة غرب الأمانة كي يكتب وكالة شرعية من والدته لخاله لبيع أملاك معينة في البلاد “حد تعبيره”.. لكن الإضراب جعل أحمد ووكالة أمه وبيع بعض أملاكها وكذلك المشروع الذي يستدعي الوكالة وقد يكون مرضاٍ أو سفراٍ في قائمة الإنتظار.. رغم أن أقلام المحاكم ليسوا مضربين لكن ما الذي يمكن أن يعمله قِلِم المحكمة ورئيس المحكمة وضابط النيابة في ظل إضراب القاضي وغياب القضاء.. إنه تعطيل للحياة اليومية بكل تفاصيلها..
أحكام عالقة
القضايا الأسرية والانفصال والنفقات الزوجية من القضايا الأكثر تراكماٍ وبالتالي تظل حياة المتقاضين في هذا الجانب معلقة حتى يتم رفع الإضراب وفي حالة رفع الإضراب سيكون من الصعب جداٍ البت في القضايا المتراكمة بسرعة وسهولة فيما يبقى المتقاضون على أبواب المحاكم منتظرين تنفيذ الأحكام التي خرجت من المحكمة وهذا ما ينتظره محمد سيف العريض الذي يقف مع ابنته على باب محكمة غرب الأمانة.. حين سألته عن الفترة الزمنية لانتظاره لموعد الجلسة وهل انتظاره مستمر منذ بداية الإضراب أجابني: نعم منتظر لتنفيذ الحكم. لكن قضية ابنتي مع زواجها لها في المحكمة أكثر من سنتين أما الحكم فقد صدر قبل أشهر حيث صدرت أحكاما بالإحضار القهري تجاه زوج ابنتي المتهرب عن دفع النفقة اللازمة وتحمل مسؤوليته الأسرية تجاه زوجته وابنه بناءٍ على الأحكام الشرعية وهو متهرب أيضاٍ عن حضور المحكمة.. فيما الإضراب أعطاه الفرصة الأكبر للتهرب وأنا منتظر اليوم الجلسة لكني أبلغت أنه إضراب وأن القاضي قد لا يحضر اليوم أو غداٍ..
هذه الحالتان اختزال لمئات المشكلات العالقة مرافعتها أو النطق في أحكامها أو تنفيذها في النيابات بمختلف تخصصاتها وتسمياتها حيث ينتظر العشرات من المراجعين ومع التراكم صار المئات بانتظار البت في قضاياهم المعلقة سواء في بيوتهم أو أمام المحاكم في الوقت الذي يكاد فيه إضراب القضاة اليمنيين في مختلف محافظات البلاد يصل أسبوعه الخامس على التوالي متسبباٍ في شل الحركة القضائية وتعليق آلاف القضايا في مختلف النيابات والمحاكم.. فعلى طاولة نيابة الأموال العامة الكائنة في الدائري شارع الأمير بأمانة العاصمة تنتظر عشرات القضايا المتصلة بالمال العام وتوقيف مسؤولين وخلافات موظفين ووقفهم على ذمة تْهم الفساد وسرقة المال العام وهي التْهِم التي لا يثبت صحتها من عدمها سوى القضاء وحده وفي زيارتي لمحكمة الأموال العامة في تمام الساعة الحادية عشرة من ظهر أمس الثلاثاء لم أر فيها أي نوع من الحياة الإدارية فقد كانت موصدة الأبواب إلا من الحارس الذي أكد لي أنه إضراب وأن أصحاب القضايا المنظورة أمام المحكمة المراجعين يعرفون أنه إضراب وبالتالي لم يأت أحد…
تراكمات وتمييع
قاعات المحاكم فارغة في ساعة ذروة الدوام بينما المجرمون يعيشون حالة من الفسحة خارج أسوار العدل والقضاء معتبرين هذا الإضراب فرصة يمكن لها أن تميع القضاء من الوصول إليهم أما الأبرياء المحتجزين على ذمة تهمُ لم تْثبت بعد فيعيشون تحت وطأة الظلم الفادح وببراءة مرهون وضوحها بالمسار الزمني الذي سيستغرقه الإضراب.. ما يزيد الطين بلة هو استغلال الموظفين الآخرين في النيابات والمحاكم والدوائر القضائية للإضراب القضائي فيهملون الالتزام الإداري والقيام بمهامهم الأخرى إذ لا رقيب ولا مسؤول يْسِير أعمال التقاضي والمرافعات.. كل هذه المعضلات تتراكم يوماٍ بعد آخر لتشكل كارثة مستقبلية تخرج الناس -المرتبطة قضاياهم بالإضراب- عن طور القانون واحترام القضاء وهيبته..
هذا هو المشهد والقراءة الواقعية للظل السلبي للإضراب لكن الأخطر هو ما أشار إليه القاضي المتدرب في النيابة العامة أحمد علي مصلح من أن المتضررين من هذا الإضراب هم شريحة واسعة من أصحاب القضايا المستعجلة والتجارية والمنازعات المتصلة بالمال العام والأعمال الإدارية وهو ما يعيق ويشل إيقاع الحياة اليومية..
ورغم أنه أوضح أن المحاكم تعقد جلسات استثنائية فقط لمثل هذه القضايا المستعجلة لكن هذا ليس كافياٍ في نظر المواطنين.. لأن ملفات وقضايا كثيرة تنتظر المرافعات أو النطق في أحكامها إضافة إلى الأحكام التي تنتظر التنفيذ وهي كثيرة..
نقابة المحامين
يصرْ نادي القضاة على التمسك بمواصلة الإضراب حتى تحقيق مطالب أعضائه المتمثلة أساسا في توفير الحماية الأمنية اللاِزمة للمحاكم والنيابات ورجال القضاء وتسليم الخاطفين والمعتدين على القضاة إلى العدالة.. هذه المطالب الحقوقية لا خلاف عليها فهي واضحة لكن العبرة في الإضراب كوسيلة خاطئة يقود الجميع إلى كارثة ويعكس نفسه على شكل خسائر باهضة على المجتمع في التجارة في الأعمال وتعطيل تام لمسار العمل القضائي الفيصل الأول والأخير في تعاملات الناس اليومية ناهيك عن الحقوق الخاصة والحريات للناس والمظالم الواقعة عليهم ومعول على النيابات الفصل فيها ليعود هؤلاء من المحتجزين في الأقسام والسجون الاحتياطية إلى أعمالهم وأسرهم وحياتهم اليومية..
هذا ما لفت إليه عضو نقابة المحامين اليمنيين علوي الشاطر الذي أكد أن كثيراٍ من الناس محتجزون ولديهم قضايا مع الدولة أو مع بعضهم وهناك أناس محتجزون على قضايا بسيطة كالخلافات والمضاربات أو المخالفات ولا زالوا ينتظرون الإفراج عنهم رهن هذا الإضراب إذ ترفض النيابات البتِ فيها وهناك قضايا تجارية معلِقة كاحتجاز كميات تْقِدِرú بالملايين في الموانئ والمنافذ وقضايا مرتبطة بالتنمية والاستثمار وقضايا تتصل بالأراضي وبأعمال الناس اليومية وكلها منتظرة لفصل القضاء فيها وحتى القضايا التي تم البت فيها قبل الإضراب كقضية في الحديدة يحجم تنفيذ أحكامها ضباط النيابة هذا سيكون عبئاٍ كبيراٍ على القضاء نفسه وقد يقود إلى كارثة وخسائر فادحة.. فقد تتوقع القتل الاختطاف والتقطْعات وكثير من المشاكل التي قد ينساق إليه المجتمع بسبب غياب الملاذ العادل والمؤِمن لحياة الناس محملاٍ نادي القضاة اليمنيين مسئولية نتائج التراكم الكارثي للمشكلات والقضايا المستعجلة والتجارية والهامة المنظورة أمام المحاكم والنيابات على ذمة إضراب نادي القضاة الذي أنشئ مخالفاٍ للقانون..
وقال الشاطر : نحن لا ننكر أحقية مطالب القضاة فنحن في نقابة المحامين نؤكد أن مطالبهم شرعية في حمايتهم في النيابات وفي أعمالهم ومهنتهم نحن معهم ولكن عبر الوسائل القانونية والمنظمات والنقابات كذلك السلطتان التشريعية والتنفيذية اللتان تخضعا للقضاء إذ لا سلطة على القضاء لكن الإضراب ليس حلاٍ فهو يعني معالجة الخطأ بالخطأ..
وأضاف إلى: نحن كنقابة محامين اجتمعنا معهم وطرح مقترح بتعليق القضاء عشرة أيام ونحن نضغط معكم على الدولة ورئاسة الجمهورية والحكومة والأجهزة الأمنية بتلبية مطالبكم كلها.. وإذا لم يتم ذلك فعاودوا الإضراب لكن الإضراب بهذه الصورة يشكل كارثة على القضاء نفسه وعلى المجتمع فليس من الحكمة معالجة الخطأ بالخطأ..
نادي القضاة
لا عدالة بلا قضاء ولا قضاء مستقل بلا دولة حامية ورادعة تمارس سلطتها لمساعدة القضاء على إرساء قيم العدالة وحفظ حقوق المجتمع وسكينته العامة هذه هي الشعارات التي يحملها الإضراب حسب ما أشار إليه القاضي عنان شائع سلطان عضو نادي القضاة ووكيل نيابة بجنوب شرق الأمانة موضحاٍ أن الإساءة والتطاول على القضاء واستهداف استقلاليته السلطوية والمالية والإدارية بهذه الصورة التي تجري في البلاد وتجري من وزارة المالية التي تحاول أن تفرض سلطة جديدة على القضاء فتكون أعماله الإدارية مرتبطة بالمالية والخدمة المدنية هو سبب رئيسي وشرعي لأن يضرب القضاة حفاظاٍ على هيبة القضاء وسيادته ناهيك عن أسباب أخرى بعد أن عجزت الحكومة والأجهزة الأمنية في حماية القضاة والانتصار للقضاء.
وقال عنان : نحن كناد وكيان مؤسسي يجمع القضاء اليمني أخطرنا الدولة بضرورة حماية القضاء احترام استقلالية السلطوية والمالية والإدارية إلاِ أننا لم نجد تجاوباٍ يحمي القضاة بل نفاجأ بتطور الحال إلى الأسوأ وزيادة الاعتداءات على القضاة وتدخل المالية في استحقاقات القضاء التي هي شحيحة في الأصل ومحاولة الضغط على القضاء بهذه التصرفات.. وبالتالي نحن في نادي القضاة نحمل كل من يستهدف القضاء واستقلاليته مسؤولية كارثية تراكم المشاكل في النيابات والمحاكم.. ونطالب الدولة بسرعة تلبية مطالب القضاء للوصول إلى إنهاء هذا الإضراب الذي قد يكون سيئاٍ بإتاحة الفرصة للمجرمين في التطاول على المجتمع والتهرب من القضاء وظلم البعض في الاحتجاز وانعكاس واضح على الأمن والسكينة العامة بسبب هذا الفراغ القضائي.. لكن الأسوء منه استهداف القضاء والاعتداء على القضاة فماذا يعني أن يعىتدي المحكوم علي على القاضي الحاكم في القضية.. ¿ معنى ذلك سقوط هيبة وخوف كل واحد من القضاة على نفسه في المستقبل فيحجم عن الحكم العادل وهنا تموت العدالة وتتغلب شريعة الغاب ودولة القوي على الضعيف..
وقال عنان على الإعلام الحياد وتقصي الحقائق وبدلاٍ من أن يحمل القضاء مسئولية نتائج الإضراب عليه أن يبحث عن الأسباب الموجبة والداعية لهذا الإضراب وأن يدرك أن العدالة والسكينة والأمان مرهونة بهيبة القضاء وسيادته واستقلاله لا باستهداف القضاء أمنياٍ ومالياٍ وإعلامياٍ..
mibrahim734777818@gmail.com

قد يعجبك ايضا