واقصد في مشيك ..!!

محمد الخيواني

 

 

في عصر السرعة ومحاكاة التكنولوجيا الرقمية، وفي زمن تتسابق فيه الأمم على تطويع آلات متحركة لخدمتهم وتنظيم حياتهم، لازالت نصيحة لقمان الحكيم لابنه حين نصحه قائلا “واقصد في مشيك”، سارية المفعول في المجتمع اليمني.
“#واقصد_في_مشيك”، عنوان حملة توعوية ترعاها إدارة المرور في العاصمة صنعاء والمحافظات المحررة، بقصد الحفاظ على النفس البشرية المهدورة، والمرهونة بفرامل وسيلة نقل، مجنونة بضغط قدم جاهل أو مستعجل أو بسبب استعراض مراهق عقليا في لحظة ما.
وكم هو مؤسف أن تزهق روح شخص، وتداس جثته أو تهشم بقدم أخيه، ويسيل دم أحدهم تحت نعال الآخر، وتكون وسيلة القتل قدم حمقاء وصاحبها، والسبب مسجل في محضر القضية يكتب إما تحت بند “السرعة الزائدة” فقرة اللحاق بوجبة طعام مع الأسرة أو الأصدقاء أو فقرة مضغ القات في وقته المعهود، أو للفوز على الأقران بالجلوس ومضغ القات أولا، وما أكثر الأسباب التافهة، وما أكثر ضحاياها.
ولو توقفنا عند الإحصائيات الرقمية للخسائر البشرية التي تعلنها إدارة المرور، بشكل يومي، وقارناها مع إحصائيات أعداد الشهداء في ميادين الجهاد، لوجدنا أنفسنا أمام أرقام مهولة وصادمة، قد تضع خسائر المرور في خانة المنافس الأعلى لخسائر الحرب، وشتان بين من فقد روحه بفعل حادث مروري على يد أخيه، وبين من ضحى بروحه في سبيل الله والدفاع عن وطنه، لنعيش أنا وأنت.
وللعلم.. فكل ما سبق ليس سوى جانب من عدة جوانب يخسرها الإنسان اليمني، نتيجة الحوادث المرورية، فلو أضفنا إلى الخسارة البشرية بفقدان شخص قد يكون المعيل الوحيد لأسرته، ومن الطرفين الضحية والجاني، سنجد أن هناك الكثير من أبواب الرزق قد أغلقت في وجوه أهلها، وأمام موائد جافة تفتقد كسرة خبز لتعتق طفلاً صغيراً من الجوع.
فمن أين لأسرة شراء وسيلة رزق، ودفع تكاليف العلاج أو دية ضحية أو لشراء طعام وتوفير بعض النقود لمسجون دفعه تفكيره في لحظة لعينة خلف قضبان السجون …؟
كما أنه ليس من الضرورة ارتكاب حادث مروري، لدفع الأضرار والخلاص من المصائب التي قد تصيب أي شخص كان، فهناك الكثير من الأعمال التي يقوم بها رجل المرور يحفظ من خلالها أشياء كثيرة، ويساعدنا من خلالها على العيش بسلامة واطمئنان.
ومن يدري أنه في اللحظة التي يغضب أو يلعن فيها رجل مرور ينظم حركة السير، بإيقاف خطه المار منه، هو في ذات اللحظة يوقف سيارتك أو بعض أشيائك المنزلية المسروقة، أو أنه يسمح لطفلك في الجانب الآخر ليمر بسلام من أمام بوابة مدرسته أو جامعته، أو أنه في تلك اللحظة يسهل وصول أحد أقاربك للمستشفى.
أما إذا عدنا لعنوان ومقدمة موضوعنا سنجد أن رجل المرور غير مستفيد شخصيا من توعيتك كمواطن، فباستطاعته رفع مخالفة تكلفك بعض المال ستدفعها مكرها بالقانون، وهو بذلك لا يخون وطنه ولا يتنصل عن واجبه، لكنها مسؤولية وضعها على عاتقه وكلّف نفسه بها، وإلا لاكتفى بوضع إشارات المرور، كما تفعل بقية الشعوب في العالم، وخصوصا نحن في زمن التكنولوجيا، وجلب كاميرا مراقبة على جوانب الطرقات وفي متوسط الجولات، ليست معجزة ولا مكلفة، بل هي أقل تكلفة مقابل ما يتم إنفاقه لرجل المرور لتعينه على عمله بالنسبة للدولة، وكذلك بالنسبة لرجل المرور نفسه، فلو اكتفى بالجلوس في مقر عمله لمراقبة المخالفات رقميا ورصدها، وتجميعها، لسلم المشقة والمعاناة، ولأبعد عن جسمه حرارة الشمس صباحا، وقساوة البرد ليلا ، فكن عونا له لأجلك أنت ولصون روحك وأهلك وما تملك و”اقصد في مشيك”.

قد يعجبك ايضا