دفاعا◌ٍ‮ ‬عن الفلسفة دفاعا◌ٍ‮ ‬عن العقل


توطئة‮/‬
في‮ ‬واحدة من أشهر أطاريح ديكارت‮ ‬ضمنها مستهل كتابه‮ “‬مبادئ الفلسفة‮” ‬قال فيه‮ ” ‬إن عظمة أي‮ ‬حضارة تقاس بمقدار ما فيها من فلاسفة‮”‬‮ ‬وهذا القول صحيح تؤكده كل الحضارات الغابرة‮ ‬كما تؤكده الحضارة الإنسانية المعاصرة‮ ‬الفلسفة والمدينية صنوان‮ ‬فلا بداوة مع الفلسفةº كما لاحظ ذلك الأمر فيلسوف علم العمران العربي‮ ‬ابن خلدون في‮ ‬مقدمته‮ ‬الفلسفة رديفة للتقدم‮ ‬بينما خلوها من أي‮ ‬مجتمع رديف للتخلف‮ ‬ولا فلسفة من دون منطق أيضاٍ‮ ‬فعندما سؤِلِ‮ ‬أرسطو عن موقع المنطق من تصنيفه للمعرفة‮ ‬قال بأن المنطق مدخل للعلوم جميعها‮ ‬بينما الفكر الظلامي‮ ‬اليوم‮ ‬يعتبر المنطق شراٍ‮ ‬ومدخل الشر شر‮ ‬وذلك حسب فتوى ابن تيمية أو كما قال ابن الصلاح في‮ ‬فتواه‮ “‬من تمنطق فقد تزندق‮”‬‮ ‬فأي‮ ‬مستقبل نرجوه من فكر ظلامي‮ ‬يرى في‮ ‬المنطق شراٍ‮ ‬وفي‮ ‬الفلسفة الشر المطلق‮ ‬وهذا لزاماٍ‮ ‬يقود إلى أن العقل واستخدامه شر مستطير‮ ‬أي‮ ‬يعني‮ ‬أن الإنسان شر‮ ‬ولذا فأن هؤلاء الذين‮ ‬يذمون المنطق والفلسفة‮ ‬ينتهي‮ ‬بهم الأمر إلى ذم الإنسان بما هو حيوان عاقل‮. ‬إننا أمام معضلة تتمثل في‮ ‬تجريد الإنسان من إنسانيته‮ ‬فلا أنسنة لهذا الكائن إلا‮ ‬بما هو حيوان عاقل ومفكر‮ ‬ولا شك أن سؤال التنوير الذي‮ ‬وضعه‮ »‬كانت‮« ‬ودعى فيه الإنسان إلى الخروج من حالة العجز واستخدام العقل‮ ‬هو في‮ ‬المحصلة دعوة إلى التفلسف دعوة إلى الرفع من شأن الفلسفة بما هي‮ ‬نشاط إنساني‮ ‬تحرر الإنسان من حالة التبعية‮ ‬وإرتقاء بالإنسان من حالته الطبيعية حالة التوحش بالمعنى الهوبزي‮ ‬للكلمة إلى حالته الإنسانية حالته الاجتماعية‮.. ‬والدعوة إلى الفلسفة تعد دفاعاٍ‮ ‬عن العقل دفاعاٍ‮ ‬عن الإنسان‮.. ‬وفي‮ ‬ظل هذا الجدل العقيم وبمناسبة اليوم العالمي‮ ‬للفلسفة الذي‮ ‬يصادف الخميس الثالث من شهر تشرين الثاني‮” ‬نوفمبر من كل عام بحسب ما أقرته منظمة اليونسكو في‮ ‬إحدى دوراتها عام‮ ‬2002م‮ ‬وعليه فإن هذا المقال‮ ‬يحتفي‮ ‬بهذا اليوم على طريقته‮.‬
● أولاٍ‮/ ‬الفلسفة في‮ ‬محنتها التاريخية
إن محنة الفلسفة في‮ ‬الفكر العربي‮ ‬الإسلامي‮ ‬عبر تاريخه حتى‮ ‬يومنا هذا‮ ‬تجسد في‮ ‬المقام الأول أزمة مجتمعات على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية‮ ‬كما أنها تمثل محنة أعظم في‮ ‬منهج التفكير وبنية العقل ومفهوم العقل والعقلانية في‮ ‬هذه الثقافة‮ ‬وتفصح المحنة عن حالة ذهان جمعي‮ ‬يرتكز على مبادئ عديدة‮ ‬لعل الإقصاء والإلغاء ورفض الآخر المختلف أبرزها هذه الحالة‮ ‬منحت العقل مسوغات هروباٍ‮ ‬من استحقاقات واقع مثخن بالمشكلات‮ ‬ولم تستطع بالطبع‮ ‬ذهنية‮ ‬غرائزية بطبعها كهذه‮ ‬أن تجد حلولاٍ‮ ‬للمشكلات‮ ‬ناهيك عن أنها كانت‮ ‬غير مهيأة للتعاطي‮ ‬معها‮. ‬حالة الذهان الجمعي‮ ‬هذا‮ ‬استخدام مبادئه على نطاق واسع وفي‮ ‬مختلف الميادين‮ ‬ولا تعد إقصاء الفلسفة أو تضييق الخناق عليها‮ ‬إلا‮ ‬حالة من بعض أوجهها‮ ‬لكنها تفصح عن مفارقة كبرى تتناسل منها مفارقات أْخر‮ ‬ففي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تتغنى هذه الثقافة بالمنجزات والماضي‮ ‬الحضاري‮ ‬التليد‮ ‬تنسى أو تتجاهل أن ما من حضارة أو منجز دون حامل عقلي‮ ‬يسنده‮ ‬عوضاٍ‮ ‬عن رؤى فلسفية ساعدت على إقامته وإنجازه‮. ‬الفلسفة حقل معرفي‮ ‬تتوافر فيه أدوات عديدة‮ ‬كالنقد والحوار والسجال الذي‮ ‬يستلزم القبول بالتعدد والتنوع والقبول بالآخر المختلف‮ ‬بغير هذه الوسائل والأدوات وحدها لا‮ ‬يستطيع كائن من كان أن‮ ‬يكتشف المشكلات وتحديد عورات المجتمع السوي‮ ‬وغير السوي‮ ‬ناهيك عن تحديد طرق معالجتها‮ ‬ومن المعيب جداٍ‮ ‬أن نسمع الإعلام الرسمي‮ ‬يصدح ليل نهار‮ ‬بالمنجزات والحضارة‮ ‬بينما الفلسفة تعيش في‮ ‬وضع مزرُ‮ ‬كهذا‮ ‬ألم‮ ‬يقل ديكارت في‮ ‬مقدمة كتابه‮ ” ‬مبادئ الفلسفة‮ ” ‬أن أي‮ ‬حضارة تقاس بمقدار ما لها من فلاسفة‮.‬
إن‮ “‬محنة الفلسفة‮”‬‮ ‬أي‮ ‬محنة دفاع الفلسفة عن ذاتها‮ ‬لها امتداداتها في‮ ‬كل الثقافات والحضارات‮ ‬وشهدتها كثير من المجتمعات في‮ ‬مختلف العصور والحقب‮ ‬إلا‮ ‬أن ما‮ ‬يؤسف له أن مجتمعاتنا العربية ظلت تجتر هذه المحنة وتلوكها دون أن تبتلعها‮.‬
محنة مكرورة بهذا القدر من الإملال‮ ‬تجد مسوغاتها في‮ ‬غيرة الذهنية الغرائزية‮ ‬التي‮ ‬لم تستطع أن ترتفع بأفقها‮ ‬من ما هو حسي‮ ‬إلى ما هو عقلي‮ ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أننا نمتلك في‮ ‬ما‮ ‬يطلق عليه بالنخب الثقافية المتعلمة لا المعرفية‮ ‬وهناك فرقَ‮ ‬شاسعَ‮ ‬بين الأولى والثانية‮ ‬فالأولى تفصح عن تلقي‮ ‬المعارف بالتلقين‮ ‬وتنقلها إلى‮ ‬غيرها بنفس الوسيلة لا اجتهاد ولا نقد أو تمحيص‮ ‬تتلقى معارف ليست شريكة في‮ ‬إنتاجهاº أي‮ ‬التقليد ديدنها‮ ‬أما الثانية تفصح عن إنتاج معرفة بواسطة النقد والتمحيص للأفكار‮ ‬وتشارك في‮ ‬إنتاج المعارف‮ ‬وتؤسس صروحاٍ‮ ‬للأفكار‮.‬
حقاٍ‮ ‬إن الموقف من الفلسفة‮ ‬موقف لم‮ ‬يتغير‮ ‬وله جذوره التاريخية في‮ ‬الثقافة العربية والإسلامية‮ ‬ولم‮ ‬يسأل أو‮ ‬يحاول أحد أن‮ ‬يشخص هذه الظاهرة ناهيك عن فهمها‮.‬
يعزو العفيف الأخضر مثلاٍ‮ ‬هذا الموقف من الفلسفة ناهيك عن الدخيل من العلوم والكلمات والمصطلحات‮ ‬إلى‮ “‬الذهنية العربية المنغلقة‮ ‬التي‮ ‬صاغتها ذهنية المجتمع القبلي‮ ‬الإنطوائي‮ ‬وذهنية إسلام الولاء والبراء الذي‮ ‬لا‮ ‬يقل عنه إنطوائية‮ ‬والذي‮ ‬يحرم تعلم اللغات الأجنبية إلا للضرورة القصوى‮ ‬ما زالت ترفض إعطاء جنسيتها‮- ‬تماماٍ‮ ‬مثل كثير من دولها‮- ‬للدخيل من العلوم ومن الكلمات والمصطلحات المستعصية‮ ‬غالباٍ‮ ‬على الترجمة ولا‮ ‬يفلح معها إلا‮ ‬التعريب‮. ‬للتحايل على هذه الذهنية القبلية‮- ‬الدينية الإقصائية‮ ‬اخترع الكندي‮ ‬كذبة بيضاء لتحبيب الفلسفة إليها فقال إن‮ ‬يونان هو أخ قحطان‮ ‬إذن الفلسفة اليونانية هي‮ ‬بنت العم فلا ترتابوا فيها‮ ‬لكن كذبته لم تجد الفلسفة نفعاٍ‮ ‬فكفرت وأحرقت كتبها أحياناٍ‮ ‬وما زالت مكفرة في‮ ‬غالبية دول مجلس التعاون الخليجي‮ ‬ومادة اختيارية في‮ ‬مصر‮”)‬‭[‬1‭]).‬
مع أن هذه المقاربة إفراط في‮ ‬التعميم‮ ‬ولا تلامس جذر المسألة‮ ‬نتفق معه في‮ ‬تحديد الأسباب التي‮ ‬أرجعها إلى الذهنية القبلية الإنطوائية والمنغلقة‮ ‬ذهنية إسلام الولاء والبراء الذي‮ ‬لا‮ ‬يقل عنه إنطوائية‮ ‬لكن عندما ننظر إلى المسألة بأفق أوسع‮ ‬فإن موقف العداء من الفلسفة لم‮ ‬يكن محصوراٍ‮ ‬بالثقافة العربية الإسلامية وحسب‮ ‬بل تعداه إلى الثقافات الأخرى‮ ‬ولا تسلم ثقافة من الثقافات من هذا العداء والرفض‮ ‬لكن الباحث المتبصر‮ ‬يضع عدداٍ‮ ‬من الأسئلة‮ ‬أن الفلسفة في‮ ‬آخر المطاف وفدت على الثقافة العربية في‮ ‬مرحلة من المراحل‮ ‬ألم تكن هذه الذهنية التي‮ ‬وفدت عليها ذهنية قبلية إنطوائية منغلقة‮ ‬ولم‮ ‬يكن الإسلام الذي‮ ‬وفدت إليه هو إسلام الولاء والبراء‮ ‬كيف استطاعت الفلسفة أن تفد في‮ ‬بداية أمرها‮ ‬وما الذي‮ ‬جعلها لا تلقى القبول لاحقاٍ‮.‬
أعتقد أن المسألة برمتها‮ ‬ترجع إلى أن تعرف العرب على هذه العلوم‮ ‬جاء بفعل الفتوحات وتوسعهم شرقاٍ‮ ‬وغرباٍ‮ ‬وكانت العملية طبيعية في‮ ‬بداية الأمر‮ ‬لكن في‮ ‬مرحلة استقرار الإمبراطورية العربية الإسلامية‮ ‬وتوقف الفتوحات‮ ‬بدأت دراسة هذه العلوم‮ ‬حدث الصدام بين الوافد والأصيل في‮ ‬الثقافة العربية الإسلامية‮ ‬أي‮ ‬جرى صدام بين ضرورة المواكبة‮ (‬المعاصرة‮) ‬والمحافظة‮ (‬الأصالة‮)‬‮ ‬ولما كان هذا الأصيل في‮ ‬الثقافة العربية الإسلامية له أكثر من قراءة‮ ‬إحداها كانت إسلام الولاء والبراء‮ ‬وهي‮ ‬الطاغية والمسيطرة على مجمل الحياة الفكرية‮ ‬ولقد كانت هذه الرؤية في‮ ‬خشية من أمرها وفي‮ ‬حالة دفاع عن هويتها من هذا الوافد‮ ‬الذي‮ ‬شكل تهديداٍ‮ ‬خطيراٍ‮ ‬على هذه الذهنية المنغلقة‮ ‬الأمر الذي‮ ‬جعلها ترفض الوافد وتستعديه‮ ‬ورغم انتشار الوافد إلا‮ ‬أنه لم‮ ‬يتأصل في‮ ‬المجتمع‮ ‬أي‮ ‬كان من الضعف بحيث سهل تهميشه وإزاحته‮. ‬وظلت هذه المراوحة بين المعاصرة والأصالة زمناٍ‮ ‬طويلاٍ‮ ‬تشكل جوهر الصراع الفكري‮ ‬وجاءت الغلبة للثانية على حساب الأولى دائماٍ‮.‬
إذا نظرنا إلى هذه المسألة في‮ ‬وضعها الراهنº فلم‮ ‬يستحضر القائمون على شئون التعليم ابن تيمية في‮ ‬التعليم الأساسي‮ ‬والثانوي‮ ‬بل استحضروه موقفاٍ‮ ‬من متحف التاريخ إلى الجامعات العربية بكل علاته‮ ‬حتى بات علينا أن نوصم‮ ‬بأننا أمة متحفية‮ ‬أمة تستحضر مومياتها‮ ‬وتحتفي‮ ‬بهاº أمة لا زالت‮ ” ‬تتنفس الغزالي‮ ‬وتعيش مع ابن تيمية‮ “)‬‭[‬2‭]). ‬‮ ‬لذا حكمنا هذا الجنون كله‮ ‬كأننا أمة شربت من‮ ” ‬نهر الجنون‮”(‬‭[‬3‭]). ‬ننام على صدى فتوى ابن الصلاح‮ ” ‬منú‮ ‬تمنطق‮ ‬فقد تزندق‮”‬‮ ‬هذه الفتوى التي‮ ‬تفصح بتحريم الاشتغال بالمنطق والفلسفة لزوماٍ‮ ‬لأن المنطق مدخل الفلسفة‮ ‬ومدخل الشر‮ ‬شر‮ ‬لنصحو على فتوى ابن تيمية بذات الخصوص‮ ‬حتى بتنا أمة تفتي‮ ‬بكل ما‮ ‬ينافي‮ ‬العقل‮ ‬وتذم كل عاقلُ‮ ‬وتلعن نفسها‮ ‬وتنسى إدعائها‮ ‬بأن القرآن جاء مخاطباٍ‮ ‬العقل والفكر‮ ‬وينضح بكمُ‮ ‬وفيرُ‮ ‬منها‮.‬
إذا كان همْ‮ ‬الفلسفة في‮ ‬العصور الوسطى ـ سواء أكانت مسيحية أم إسلامية ـ التوفيق بين العقل والنقل‮ ‬الحكمة والشريعة‮ ‬فإن هذا التوفيق في‮ ‬الفكر الأوروبي‮ ‬استند على دراسة المنطق‮ ‬ودار الجدل في‮ ‬إطاره‮ ‬لذا تجد الفكر الأوروبي‮ ‬في‮ ‬العصور الوسطى أهتم أيما اهتمام بالكليات الخمس‮ ‬ودارت سجالات الواقعيين والاسميين داخل إطار هذه القضية‮ ‬وجدت تعبيرها الأرقى بنصل أوكام‮)‬‭[‬4‭]). ” ‬وعنده سنجد أن ميدان البرهان العقلي‮ ‬في‮ ‬المسائل الدينية تضاءل شيئاٍ‮ ‬فشيئاٍ‮ ‬حتى كاد‮ ‬ينعدم أو قد انعدم بالفعلº فأصبح كل ما‮ ‬يقول به العقل لا‮ ‬يرد به الوحي‮ ‬وكل ما أتى به الوحي‮ ‬لا‮ ‬يمكن العقل أن‮ ‬يبرهن عليه‮. ‬وعنده نصل إلى أقصى درجة من درجات التمييز والفصل بين العقل والنقلº إذ أصبح بين هذين الميدانين سورَ‮ ‬لا‮ ‬ينفذ منه أي‮ ‬تأثير من جانب الميدان الواحد في‮ ‬الميدان الآخر‮)”‬‭[‬5‭])‬‮ ‬ولم‮ ‬يأت بداية العصر الحديث إلا‮ ‬ووجد الفكر الأوروبي‮ ‬ضالته ضمن هذا الإطار‮( ‬إطار نقد المنطق‮)‬‮ ‬فقد جاء فرانسيس بيكون استمراراٍ‮ ‬لهذا الجدل وشكلت رؤيته قطيعة معها‮ ‬لكنها قطيعة إيجابية وليست سلبية‮ ‬أي‮ ‬أنه في‮ ‬نهاية المطاف‮ ‬لم‮ ‬يدعو إلى رفض المنطق إجمالاٍ‮ ‬بل دعا إلى تأسيس منطق جديد للمعرفة‮ (‬منطق تجريبي‮) ‬على أنقاض منطق ارسطو الاستنباطي‮.‬
أما الجدل في‮ ‬إطار المنطق في‮ ‬الفكر الإسلامي‮ ‬لم‮ ‬يدم طويلاٍ‮ ‬بل حسم الأمر مبكراٍ‮ ‬بدعوة القطيعة السلبية مع المنطق وكل ما‮ ‬يمت للعقل بصلة لصالح النقل ـ كما أسلفنا ـ‮ ‬وبذلك حسم الفكر العربي‮ ‬الإسلامي‮ ‬أمره مبكراٍ‮ ‬مع المنطق وهذا ما‮ ‬يفسر عطالته التي‮ ‬استمرت قرون‮.‬
‮ ‬يعتقد أرنولد توينبي‮ ‬أن تاريخ الأفكار‮ ‬يحكمه منطق التحدي‮ ‬والاستجابة‮ ‬فكلما كان التحدي‮ ‬شديداٍ‮ ‬كانت الاستجابة قوية‮ ‬وعندما تنعدم الشدة والقوة عن التحدي‮ ‬يدخل الإنسان ضمن منطق السبات‮ ‬والعقل نفسه‮ ‬يعمل ضمن معادلات شروط التحدي‮. ‬يتضح من الدراسات المتعلقة بتاريخ الأفكار‮ ‬أن العقل لا تصيبه العطالة إلا‮ ‬عندما‮ ‬يضع الإنسان الغريزة والطباع في‮ ‬مرتبة أولى‮. ‬ويفقد العقل‮ ‬التحدي‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يولد الاستجابة‮)‬‭[‬6‭]). ‬ويبدو أن الفكر العربي‮ ‬الإسلامي‮ ‬نتج عن عقل أصابته العطالة‮ ‬غلب الغريزة والطباع على أدواته الحقيقية‮ ‬جاء الفكر فيه نتاج شهوات وملذات‮.‬
مع ذلك‮ ‬يحسب للأوائل ـ وإن كانت شهواتهم وملذاتهم‮ ‬غلبت على نتائجهم ـ‮ ‬بأنهم بنوا مواقفهم على علم ودراية بهذه العلوم التي‮ ‬نبذوها وهجوها وأفتوا بتحريمها‮ ‬فإننا نجد الحال بات مخزياٍ‮ ‬راهناٍ‮ ‬فلن تجد ممن‮ ‬يرددون كالببغاوات مثل هذه المواقف الرافضة‮ ‬على دراية ولو‮ ‬يسيرةُ‮ ‬بهذه العلوم‮ ‬لذا بتنا أمةٍ‮ ‬تقلد الأوائل ولا تجتهد في‮ ‬سن أو على الأقل تأصيل مواقفها‮.‬
إن محنة الفلسفة تنم عن واقع مجتمع مأزوم وبأس ثقافي‮ ‬على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية‮ ‬والبؤس الثقافي‮ ‬يولد بؤساٍ‮ ‬على كافة المستويات المقابلة وجدانياٍ‮ ‬وسلوكياٍ‮ ‬وعقلياٍ‮.‬
محنة الفلسفة في‮ ‬البلدان العربية راهناٍ‮ ‬إنها حقل اهتمام نخبوي‮ ‬لم تتأصل الفلسفة في‮ ‬مجتمعات هذه البلدان بوصفها حقلاٍ‮ ‬معرفياٍ‮ ‬موجهاٍ‮ ‬للسلوك العام ومرشداٍ‮ ‬للتوجهات الإنسانية‮ ‬ودليل حياة للناس‮ ” ‬إن الحياة الخالية من التأمل والنظر للحياة لا تليق بالإنسان‮”( ‬دفاع سقراط‮)‬‮ ‬وهذا الأمر‮ ‬يْعزى‮ ‬إلى أن شعوب هذه الأقطار‮ ‬لا زالت تبحث عن هوية ضائعة‮ ‬تفتقد للحس التاريخي‮ ‬ومغيبة عن فهم تراثها‮ ‬وتعيش في‮ ‬حالة اغتراب مع واقعها‮ ‬لا هي‮ ‬توافقت مع ماضيها وفهمته‮ ‬ولا هي‮ ‬تعيش في‮ ‬الحاضر وتستشرف المستقبل‮.‬
كلما ظهر لهذه الأمة فيلسوف‮ ‬حيث‮ ” ‬لا‮ ‬يخرج الفلاسفة من الأرض كما تخرج النباتات الفطرية‮ ‬وإنما هم ثمار عصرهم وشعبهم‮ ‬وهم العصارة الأرفع شأناٍ‮ ‬والأثمن‮ ‬والأبعد عن أن ترى‮ ‬والمعبرة عن نفسها بالأفكار الفلسفية‮. ‬وإنِ‮ ‬الروح الذي‮ ‬يبني‮ ‬الأنظمة الفلسفية بعقول الفلاسفة‮ ‬هو نفسه الروح الذي‮ ‬يبني‮ ‬السكك الحديدية بأيدي‮ ‬العمالº فليست الفلسفة خارجة عن العالم‮ ‬كما أن الدماغ‮ ‬ـ وإن لم‮ ‬يكن في‮ ‬المعدة ـ ليس خارجاٍ‮ ‬عن الإنسان‮” (‬ماركس‮)‬‮ ‬فإن جماعات رفض الفلسفة تقف له بالمرصاد‮ ‬وخير دليل على ذلك فيلسوف الدراسات اللغوية والإسلامية المرحوم نصر حامد أبو زيد‮ ‬وكأنها أمة جْبلت على معاداة كل ما هو عقلي‮ ‬أو‮ ‬يمت بصلة للفلسفة‮ ‬أمة تصر على استعداء العقل والانتصار لغرائزها‮.‬
وعلى الرغم من العداء المفرط للفلسفة من قبل رجال الدين‮ ‬إلا‮ ‬أن الفلسفة ظلت تسمو على أعدائها‮ ‬وتترفع عن أذاهم لها‮ ‬يقول ديدرو بهذا الخصوص‮ “‬يتحدث الفيلسوف حديثاٍ‮ ‬سيئاٍ‮ ‬عن القسيس أو الكاهن‮ ‬ويتحدث الأخير عن الفيلسوف حديثاٍ‮ ‬سيئاٍ‮ ‬أيضاٍ‮ ‬غير أن الفيلسوف لم‮ ‬يحدث أبدا أن قتل قسيسا في‮ ‬حين أن القسيس قتل عددا كبيرا من الفلاسفة‮.. ‬ولم‮ ‬يقتل الفيلسوف أبداٍ‮ ‬أحدا من الملوك بينما قتل القسيس عددا كبيرا منهم‮..”. ‬ويضيف‮ “‬الكاهن الذي‮ ‬يعتبر مذهبه الفلسفي‮ ‬نسيجاٍ‮ ‬من المستحيلات‮ ‬يميلْ‮ ‬سراٍ‮ ‬إلى تدعيم الجهل‮ ‬فالعقل هو عدو الإيمان‮.. ‬والإيمان هو الأساس في‮ ‬مركز القسيس ومستقبله ومكانته‮.”.‬
● ثانياٍ‮/ ‬في‮ ‬ضرورة القطيعة المعرفية مع الموروث
إن أي‮ ‬محاولة إلى التفلسف وإحداث قطيعة مع طرق تفكير تستند إلى الإيمان في‮ ‬مجتمع تنعدم فيه الحرية‮ ‬يعد ضرباٍ‮ ‬من المستحيلº فلا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقوم معنى للفلسفة في‮ ‬ظل مناخ الكبت والتضييق‮ ‬كما لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون للفلسفة معنى في‮ ‬مجتمع تقوده عصبة من المنحطين‮ ” ‬ثم إن من عادة المنحطين من الناس عديمي‮ ‬القيمة‮ ‬إذا حصلوا على ثروة طائلة أن‮ ‬يقدروا قيمة هذه الثروة تقديراٍ‮ ‬يفوق تقديرهم لخيرات النفس‮ ‬وهذا هو أحقر شيء‮ ( ‬يمكن تصوره‮)…‬أولئك الذين‮ ‬يجعلون لاكتساب الثروة أهمية تفوق‮( ‬العناية‮) ‬بطباعهم وأخلاقهم‮ ‬والواقع أن هذه هي‮ ‬الحقيقة‮ ‬فالتخمة ـ كما‮ ‬يقول المثل السائر ـ تِلدْ‮ ‬الغطرسة‮ ‬وإذا ما اقترن النقص في‮ ‬التربية‮ ‬بالقوة والسلطة تولِد عن ذلك الجنون‮. ‬وأولئك الذين ساءت نفوسهم لن‮ ‬ينفعهم الثراء ولا القوة ولا الجمال شيئاٍ‮ ‬بل كلما توافرت هذه الأمور ازداد ضررها على صاحبها عمقاٍ‮ ‬وتنوعاٍ‮ ‬وذلك إنú‮ ‬لم تقترن بالتبصر‮( ‬والحكمة‮ )(‬‭[‬7‭])‬‮ ‬وتحتاج الفلسفة الشغالة إلى مناخ من الحرية‮ ‬يجعلها تحلق في‮ ‬فضاءات الإبداع‮ ‬وفي‮ ‬ظل شروط كهذه‮ ‬توفرها مجتمعات لمفكريها‮ ‬تستفيد من نتاجهم‮. ‬لكن انعدام الشروط‮ ‬لن‮ ‬يمنع الناس من ممارسة نشاطهم الطبيعي‮ ‬المتمثل بالتفلسف‮ ‬حيث تظل الحاجة إلى الفلسفة حاجة ملحة‮ ‬لا تستقيم الحياة السوية إلا‮ ‬بوجودها‮ ‬أو كما قال الفيلسوف الألماني‮ ‬إيمانويل كانت‮(‬1727ـ‮ ‬1804م‮) ” ‬أن سأم العقل البشري‮ ‬عن استنشاق هواءٍ‮ ‬نقياٍ‮ ‬لن‮ ‬يوقفه أبداٍ‮ ‬عن التنفس‮”‬‮ ‬التفلسف حاجة إنسانية لا‮ ‬غنى لأي‮ ‬إنسان عن ممارسة هذا الضرب من النشاط الفكريº فكل إنسان فيلسوف بطبعه‮.‬
إن قاعدة الناس الذين‮ ‬يمارسون هذا الضرب من النشاط الفكري‮ ‬تتسع‮ ‬يوماٍ‮ ‬بعد‮ ‬يوم‮ ‬وستظل قاعدة الفلسفة والاهتمام بها تكبر‮ ‬وإن كانت الصعوبات أمامها كثيرة‮. ‬إن الإنسان لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يستغني‮ ‬عن الفلسفة‮ ‬فهي‮ ‬مبثوثة في‮ ‬كل مكان في‮ ‬الأمثال التقليدية‮ ‬وفي‮ ‬صيغ‮ ” ‬الحكم”الشائعة‮ ‬وفي‮ ‬الاراء الشائعة‮ ‬وفي‮ ‬النظريات السياسية‮ ‬في‮ ‬الأساطير‮ ‬حتى أولئك الذين‮ ‬ينبذون الفلسفة عليهم أن‮ ‬يتفلسفوا كي‮ ‬يحققوا مآربهم‮.‬
نحن أحوج ما نكون اليوم إلى إحداث قطيعة معرفية‮ ‬مع موروثنا المعرفي‮ (‬أو بحسب تعبير المفكر العربي‮ ‬د.حسن حنفي‮ ‬نحن بحاجة إلى بلدوزر‮ ‬يجرف ركام التخلف هذا)º فالتنوير‮ ‬يصنع تاريخاٍ‮ ‬يقوم على الانقطاع‮ ‬يظل‮ ‬يطرح أسئلة عن نفسه‮ ‬كما فعل‮ “‬كانت‮” ‬في‮ ‬عصر التنوير‮ ‬إن مبدأ التساؤل هذا‮ ‬ربما أكثر ما‮ ‬يميز مرحلة التنوير عن سواه أو ما قبله‮ ‬غير أن القطيعة لا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تكون على صعيد المنهج وطرائق التفكير ناهيك عن أدواته وحسب‮. ‬بل‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تكون قطيعة مع المشكلات أو الموضوعات أيضاٍ‮ ‬أي‮ ‬لا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نستجر تلك المشكلات أو الموضوعات من متحف فكرنا‮ ‬إذ‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون واقعنا مصدراٍ‮ ‬لمشكلات تفكيرنا‮ ‬ولن‮ ‬يكون ذلك ممكناٍ‮ ‬إلا إذا أعملنا التنوير في‮ ‬الحياة وجعلناه مسلكاٍ‮ ‬وممارسة‮ ‬لقد آن أوان انتقال الفكر الديني‮ ‬من لاهوت التحرير(نقصد بالتحرير كل أشكاله‮ ‬السياسي‮ ‬والاقتصادي‮ ‬والثقافي‮) ‬إلى التنوير‮. ‬فقد استهلكنا التحرير طويلاٍٍ‮ ‬ينبغي‮ ‬تغير الأولياتº فإذا كنا تحررنا من براثن هيمنة الأجنبي‮ ‬المباشرة‮ ‬ودخلنا إطار الهيمنة‮ ‬غير المباشرة‮ ‬فإن هذه الأخيرة نتحمل وزرها نحن أولاٍ‮ ‬وأخيراٍ‮. ‬لأننا أسئنا التصرف بأحوالنا وإدارة شؤوننا‮ ‬لذلك نحن أحوج ما نكون للتنوير أداة تحررنا من عبوديتنا التي‮ ‬ارتضيناها لأنفسنا‮. ‬فالقهر والحرمان والعسف والطغيان‮ ‬احتلال داخلي‮ ‬لإرادتنا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نتحرر من قيودهº فلا تحرير دون تنويرº إذ لا‮ ‬يكفي‮ ‬المرء أن‮ ‬يكون متعلماٍ‮ ‬وحسب‮ ‬بل‮ ‬يتوجب عليه أن‮ ‬يكون تنويرياٍ‮ ‬فالتعلم دون أفق تنويري‮ ‬عدم محض‮ ‬كما أن التنوير‮ ‬تعليماٍ‮ ‬وتعلماٍ‮ ‬مستمرينº فلا تحرير دون ممارسة تنويرية دائمة‭,.‬إن كل النخب مدعوة للخروج من وسواس القهر السياسي‮ ‬إلى الفعل السياسي‮ ‬إلى الممارسة‮ ‬أن تمارس دورها بفعالية‮ ‬آن الآوان إلى إحداث فرق في‮ ‬المجتمع‮ ‬لقد طال الانتظار كثيراٍ‮ ‬وكبرت المسافة واستطالت مع العالم‮. ‬لا‮ ‬ينبغي‮ ‬على النخب أن تتحكم فيها ما‮ ‬يدعو إلى السلبية والانكفاء على الذات أو جلدها‮ ‬أو ترديد مثل هذه الأبيات التي‮ ‬تدعو لذلك‮:‬
ذو العقل‮ ‬يشقى في‮ ‬النعيم بعقله‮… ‬وأخو الجهالة في‮ ‬الشقاوة‮ ‬ينعمْ
‭[‬1‭] ‬ـ انظر العفيف الأخضر صحيفة التجمع‮ ‬عدد رقم‮ ‬654‭,‬‮ ‬بتاريخ22‭.‬‮ ‬Dec‮ ‬2008م
‭[‬2‭]‬ـ نقلاٍ‮ ‬عن نصر حامد أبو زيد حوار مع سربست نبي‮ ‬نشر ضمن كتاب قضايا وحوارات في‮ ‬الفكر العربي‮ ‬دار حوران للطباعة والنشر ط1‮ ‬2005م دمشق‮. ‬ص97‭.‬
‭[‬3‭]‬ـ نهر الجنون رواية ل‮ »‬توفيق الحكيم‮« ‬تتلخص في‮ ‬أنه هناك نهر من شرب منه أصيب بالجنون‮.. ‬وعندما بقي‮ ‬عدد قليل من الناس لم تشرب منه فوجدت نفسها تسلك سلوكاٍ‮ ‬أصبح شاذاٍ‮ ‬بالمقارنة مع الأغلبية فما كان منها إلا‮ ‬أن تشرب منه حتى تشعر بالتوافق مع الأغلبية وتتسق بسلوكها معها‮. ‬وهي‮ ‬تجسيد لأسطورة فارسية على ما أعتقد‮.‬
‭[‬4‭]‬‮ ‬ـ‮ ‬يعود مصطلح نصل أو حد أوكام إلى الفيلسوف وليام الأوكامي‮(‬1285ـ1349م‮)‬
‭[‬5‭]‬‮ ‬ـ د‮. ‬عبدالرحمن بدوي‮ ‬فلسفة العصور الوسطى دار القلم بيروت‮ ‬ووكالة المطبوعات الكويت‮ ‬ط3‮ ‬‭,‬‮ ‬1979‭,‬‮ ‬ص182
‭[‬6‭]‬‮ ‬ـ انظر عبدالقادر بو عرفة‮. ‬المستقبل العربي‮ ‬مركز دراسات الوحدة العربية‮ ‬بيروت عدد أغسطس‮ ‬2008‮ ‬ص31
‭[‬7‭]‬‮ ‬ـ أرسطو دعوة إلى الفلسفة تقديم وتعليق د‮. ‬عبدالغفار مكاوي‮ ‬دار التنوير للطباعة والنشر‮ ‬بيروت دون تاريخ‮ ‬ص32ـ33.

■ أستاذ مساعد فلسفة العلوم ومناهج البحث
قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة عدن.

قد يعجبك ايضا