في لحظات التحول التاريخي الفارق، حيث يُفتـرض أن تسود الحكمة وتُقرأ متغيـرات الميدان بعين العقل، تواصل دول العـدوان والحصـار اندفاعها الانتحـاري نحو طريق مسدود، محكُومةً بغبـاء سياسي وصلافةٍ طائشـة ستُكلفهـا حتمـاً فوق ما تطيق. فبـدلاً من أن تُصغي “جارة السـوء” ومحورها لصوت الحق، وتنصاع للمطالب المحقـة والعادلة للشعب اليمني بوقف استنزاف هذا البلد ورفع أيديهـا السافـرة عن ثرواته المقدرة، تصر على إعادة إنتاج الفشل ذاته، وكأن السنوات الممتدة من الخيبة لم تكن كافية لتعليمها أن الشعوب الحرة لا تُقهر بالترسانات ولا تُستسلم بالحصار.
إن المفارقة الأكثر صوابية في هذا المشهد تتمثل في أن مطالب اليمنيين لم تكن يوماً تعجيزية ولا قسرية، بل انطلقت من أدنى مقومات الحق الإنساني والسيادي الذي تكفله كل الشرائع والمواثيق؛ والمتمثل في رفع الحصار الخانق عن المطارات والموانئ التي تعد شرايين حياة للملايين، وكفّ الأيدي العابثة عن نهب النفط والغاز، وإيقاف مسلسل الحماقات الممتد قتلاً وتدميراً وتجويعاً. غير أن عقليّة الاستكبار المأزومة أبت إلا أن تطمس معالم العقل، مجسدةً حالة من الحقد الدفين الموجّه ضد شعب صابر ومحتسب، أثبت للعالم أجمع أن كرامته الوطنية والإيمانية عصية على الكسر والتساوم.
وهذا الإصرار الأعمى على مواصلة العدوان لا يمكن فصله عن حالة الارتهان المطلق للخارج، حيث تبدو هذه القوى مجرد أدوات وظيفية تحرّكها إملاءات أعداء هذه الأمة، وتُنَفَّذ من خلالها مخططات استعمارية خبيثة تهدف إلى إبقاء المنطقة بأسرها في حالة نزيف دائم واستنزاف مستمر. إنها خِدمة مجانية يقدمها المعتدي لأسياده على حساب أمنه واستقراره ومستقبل شعوبه، منقاداً بطيشه ليتحول إلى رأس حربة في مشروع تدميري لا يطال الضحية وحدها، بل يرتد سريعاً ليعصف بالبناء الذاتي للفاعل نفسه.
وحين تفلس الخيـارات العسكرية وتسقط الرهانات الميدانيـة، يلجأ المعتدي كعادته إلى أشد أساليب الخسة والجبـن، عبر تصعيد الحرب الاقتصادية وتجويع الشعوب، واستهداف ما تبقى من المنشآت المدنية والمصالح الحيوية، واقتراف الجرائم بحق الأطفال والنساء والمدنييـن العزل. إن هذا السلوك الوحشي لا يعبّـر بأي حال من الأحوال عن ميزان قوة أو تفوق ميداني، بقدر ما يعكس حالة العجـز الاستراتيجي والإفلاس الأخلاقي الشامل؛ فاللجـوء إلى خنق الشرايين الاقتصادية وقطع أسباب العيش ليس إلا اعترافاً صريحاً بالعجز عن مواجهـة الرجال في ميادين الشرف والثبـات.
لكن ما غفـل عنه طغاة العصر هو أن سياسـة التركيع بالتجويع أثبتت عقمهـا أمام صلابة الوعي اليمني؛ فالشريان الذي يُغلق بوجه أمّـة حرة يتحوّل حتماً إلى شريان غضبٍ ينفجر في وجه المحاصريـن. يقف الشعب اليمني اليوم مستنـداً إلى أرث تاريخي عريق في إحباط الغزاة ودحر المستعمريـن، مدركاً أن التضحيات الجسام التي يقدمها هي الثمـن الطبيعي لنيل الحرية والاستقلال الناجز، وأن الصمود في مواجهة أعتى الترسانات ليس خيـاراً عابراً، بل هو مسار وجودي وحتمي لا تراجع عنه حتى انتزاع كافة الحقوق السليبـة.
إن السُنـن الصارمة تؤكّـد أن الصلافة التي تمنع المعتـدي من الإقرار بحقوق الشعوب ستتحول بالضرورة إلى وبالٍ يعصف بأمنـه واقتصاده، وأن كلفـة الاستمرار في هذا العـدوان ستكون أضعاف كلفـة التراجع عنه.
ستظل مطالب اليمنييـن العادلة هي الميـزان والحكم، ولن تنفـع دول العدوان مناوراتها ولا التخفي خلف المخططات الأجنبيـة، فقد كُتبت الفصول الأولى لهذه الملحمـة بمداد الصبـر والثبات، وستُكتب نهايتها الحتمية بانتصـار الحق والكرامـة، والقصاص العادل من كل من استهـان بأرواح هذا الشعب ومقدراته..
والعاقبـة دائمـاً وأبداً للمتقيـن.
