الثورة / مصطفى المنتصر
لم يكن ما جرى في الساحل الغربي مجرد تحول عسكري عابر أو انسحاب محدود من مواقع متفرقة، بل كان انهياراً واسعاً لمنظومة كاملة بنتها قوى الاستكبار الأمريكي والصهيوني وعبر أدواتها الإقليمية ممثلة بالسعودية والإمارات طوال سنوات، وأنفقت عليها المال والسلاح والإعلام، وقدّمتها بوصفها “جداراً صلباً” في وجه الجيش اليمني، لكن التطورات الأخيرة في الخوخة والمخا وحيس كشفت أن تلك المنظومة لم تكن أكثر من تشكيلات هشة، تتكئ على الدعم الخارجي، وتنهار حين تغيب عنها غرف العمليات والغطاء السياسي والعسكري.
فمع تحرير عدد من المدن والمديريات في محافظتي تعز والحديدة، دخل الساحل الغربي مرحلة جديدة. مناطق ظلت لسنوات تحت سيطرة المليشيات الموالية للسع ودية ودعم وحضور استخباراتي عسكري أجنبي، عادت اليوم إلى خارطة الدولة اليمنية، في تطور يغير ميزان النفوذ على امتداد واحد من أهم الشرايين الساحلية المطلة على البحر الأحمر وباب المندب.
وبحسب ما كشفته مصادر عسكرية فإن المواقع والقواعد التي سقطت في الساحل الغربي لم تكن مواقع عادية، بل كانت تمثل شريانًا عسكريًا ولوجستيًا رئيسيًا للقوات الأمريكية والإسرائيلية والسعودية، حيث ارتبطت بمراكز قيادة وتحكم، وخطوط إمداد، ونقاط انتشار بحرية وبرية على امتداد الشريط الساحلي.
ويرى مراقبون أن سقوط هذه المواقع يؤكد أن ما يسمى بالمليشيات الموالية للسعودية لم تكن تملك مشروعًا وطنيًا أو عقيدة قتالية حقيقية، بقدر ما كانت تعتمد على التمويل الخارجي، والدعم الجوي واللوجستي، وإدارة العمليات من غرف مرتبطة بالقرار السعودي والإماراتي. ولهذا، ما إن تعرضت تلك المنظومة لضغط ميداني جاد حتى بدأت بالانهيار والتفكك والفرار.
وتكتسب السيطرة على المخا والخوخة وحيس وجزر حنيش وزقر أهمية مضاعفة، كون هذه المناطق تمثل نقاطًا مفصلية في الساحل الغربي، وتشرف على مضيف باب المندب الذي يعد طريق ومنفذ دولي حيوي ظلت قوى العدوان تستخدمها لفرض معادلات عسكرية وسياسية على اليمن. ومع تحريرها، تتقلص مساحة النفوذ الأجنبي في الساحل، وتتراجع قدرة الرياض وأدواتها على استخدام هذه الجبهة كورقة ضغط ضد صنعاء وضد الشعب اليمني.
فرار القيادات وترك الجرحى والأسرى
وفي مشهد يلخص طبيعة المرتزقة الذين صنعتهم السعودية، تحدثت مصادر ميدانية عن حالة انهيار واسعة في صفوف التشكيلات الموالية للسعودية، رافقها فرار قيادات عسكرية د وترك أعداد من الجرحى والمقاتلين في مواقعهم دون إخلاء أو إنقاذ، خصوصًا في مناطق حيس والخوخة والمخا بالإضافة إلى حجم المأساة والخيانة التي لحقت بأبناء الجنوب الذين تعرضوا لأبشع صور الخيانة والخذلان من قبل السعودية وطارق عفاش .
كما أشارت المصادر إلى أن حالة التخبط شملت حتى القوات المتمركزة في بعض الجزر، حيث لم يتم توفير وسائل إخلاء مناسبة لها، ما أدى إلى سقوط مجموعات كاملة في الأسر بيد قوات الجيش اليمني. وهذه الوقائع، تكشف أن قيادة المرتزقة لم تكن ترى في عناصرها سوى وقود حرب، تُستخدم عند الحاجة وتُترك عند أول لحظة انهيار.
تحرير الأسرى في الساحل الغربي
وفي السياق ذاته، أعلنت لجنة الأسرى في صنعاء، عبر رئيسها عبدالقادر المرتضى، تحرير جميع أسرى صنعاء من سجون التحالف السعودي في الساحل الغربي، في خطوة عكست حجم التحول الميداني، وفتحت صفحة جديدة في ملف الأسرى الذين عانوا لسنوات داخل معتقلات قوى العدوان وأدواتها.
ويحمل هذا الإعلان دلالة إنسانية ووطنية عميقة؛ فبينما فرت قيادات العمالة ومرتزقته وتركت عناصرها لمصيرهم، كانت صنعاء تؤكد من جديد أن ملف الأسرى بالنسبة لها قضية مبدأ، وأن تحريرهم جزء من معركة السيادة والكرامة، لا مجرد نتيجة عسكرية عابرة.
مأساة النازحين تكشف الوجه الآخر للمرتزقة
بالمقابل ومع تدفق النازحين من مناطق الساحل الغربي باتجاه عدن، انكشفت فضيحة جديدة داخل المناطق الخاضعة للسيطرة السعودية. فقد نقلت مصادر إعلامية وسياسية مقربة من طارق عفاش، اتهامات صريحة للنقاط الأمنية والعسكرية التابعة للمليشيات الموالية للسعودية في عدن، بممارسة انتهاكات وصفها بـ“المعيبة” بحق النساء والأطفال والنازحين.
وبحسب ما أوردته المعلومات ، فإن بعض النقاط مارست إجراءات مهينة بحق الأسر النازحة، شملت إنزال العائلات من السيارات والباصات، وتفتيش الحقائب بطريقة تمس الحرمات، ومصادرة ممتلكات شخصية، ومنع نازحين من استئجار غرف في الفنادق، فضلًا عن اتهامات بنهب هواتف ومجوهرات نساء.
هذه الاتهامات، الصادرة من شخصية محسوبة على معسكر طارق صالح نفسه، تمثل شهادة من داخل معسكر العدوان على طبيعة الانفلات الأخلاقي والأمني في مناطق سيطرة السعودية وأدواتها. فبدل أن يجد النازحون مأوى آمنا ومعاملة إنسانية، واجهوا الإهانة والنهب والتضييق، في صورة تكشف أن “شرعية” الرياض لا تحمي حتى من قاتل في صفها أو نزح من مناطق نفوذ أدواتها.
كما تحدثت مصادر عن رفض قوات موالية للسعودية في عدن دخول ما يقارب ستة إلى سبعة ألوية من الفارين، إلا بعد تسليم المعدات الثقيلة والخفيفة والأسلحة والذخائر، والدخول بصفة نازحين مدنيين إلى حين استكمال التحقيقات. ويعكس ذلك حجم التصدع بين أدوات العدوان نفسها، وانعدام الثقة بين الفصائل التي جمعتها السعودية بالمال والسلاح، لا بالمشروع الوطني أو الانتماء الواحد.
الدولة تعود بالخدمات لا بالفوضى
وفي ظل مشهد الفوضى والانهيار في معسكر العدوان، وجّه فخامة المشير الركن مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى، حكومة التغيير والبناء بالنزول العاجل إلى مديريات تعز والساحل الغربي المحررة، لتفقد احتياجات المواطنين وتقديم الخدمات لهم.
ويحمل هذا التوجيه رسالة واضحة بأن تحرير الأرض ليس هدفًا عسكريًا فحسب، بل مسؤولية وطنية وإنسانية تتطلب تطبيع الحياة العامة، وتأمين الخدمات الأساسية، وفتح الطرق، ومعالجة آثار الحرب، وتخفيف معاناة المواطنين الذين عاشوا سنوات تحت سطوة الفصائل الموالية للخارج.
ومن المنتظر أن تركز الجهود الحكومية في المرحلة الأولى على تقييم احتياجات السكان، وإعادة تفعيل المرافق الأساسية، ومعالجة أوضاع النازحين، وتأمين الغذاء والمياه والخدمات الصحية، إلى جانب حصر الأضرار التي خلفتها سنوات الاحتلال والفوضى في تلك المناطق.
دلالات التحول في الساحل الغربي
إن ما جرى في الساحل الغربي لا يمكن قراءته بمعزل عن المسار العام للمعركة الوطنية ضد العدوان. فقد راهنت السعودية وأدواتها على تحويل الساحل إلى منطقة نفوذ دائم، ومنصة ضغط عسكرية وسياسية واقتصادية. غير أن انهيار مواقعها في المخا والخوخة وحيس يؤكد أن المشاريع التي تبنى على الارتزاق والوصاية لا تستطيع الصمود أمام إرادة شعب يدافع عن أرضه وسيادته.
كما أن سقوط هذه الجبهة يكشف أن التحالف لم يعد قادرًا على إدارة أدواته كما في السابق. فالتصدعات بين المليشيات ، والاتهامات المتبادلة، ورفض استقبال المنهارين في عدن، ونهب النازحين، وترك الجرحى والمقاتلين، كلها مؤشرات على أزمة عميقة داخل بنية العدوان وأذرعه المحلية.
وفي المقابل، تعزز هذه التطورات موقع صنعاء بوصفها الطرف الأكثر حضورًا وثباتًا في معادلة السيادة الوطنية، ليس فقط من خلال الحسم العسكري، بل من خلال التوجيه العاجل بإعادة الخدمات، وتحرير الأسرى، والتعامل مع المناطق المحررة باعتبار سكانها جزءًا أصيلًا من الشعب اليمني، لا ساحة انتقام أو تصفية حسابات.
سقوط الأوهام السع ودية في اليمن
لقد سقطت في الساحل الغربي أكثر من مواقع عسكرية؛ سقطت معها أوهام السعودية وأدواتها، وانكشفت حقيقة الفصائل التي ترفع شعارات زائفة بينما تنهار عند أول اختبار، وتترك جرحاها وأسراها ونازحيها لمصير مجهول.
أما تحرير المخا والخوخة وحيس، فهو بداية مرحلة جديدة في الشريط الساحلي، عنوانها استعادة السيادة، وإنهاء الاحتلال، وإعادة الاعتبار للدولة اليمنية ومؤسساتها. وبينما تغرق أدوات الرياض في الفوضى والاتهامات والانتهاكات، تتجه صنعاء إلى تثبيت الأمن، وتقديم الخدمات، واحتضان المواطنين في المديريات المحررة، بما يؤكد أن مشروع الدولة هو وحده القادر على حماية الأرض والإنسان.
