منفذ الوديعة.. السعودية وأدواتها يهينون اليمنيين في الوديعة.. قمامة وانتظار وجبايات غامضة
تكدس ونفايات وطوابير تمتد لساعات وأيام.. والمسافرون يسألون: أين تذهب إيرادات المنفذ؟
الثورة / مصطفى المنتصر
لم يعد منفذ الوديعة الحدودي، شمال محافظة حضرموت، مجرد نقطة عبور بين اليمن والسعودية. بالنسبة لآلاف اليمنيين من مغتربين ومعتمرين ومرضى وأسر وطلاب وسائقي نقل، تحول المنفذ إلى رحلة عذاب كاملة، تبدأ من طريق العبر، ولا تنتهي إلا بعد ساعات طويلة من الانتظار والتفتيش والازدحام والإرهاق.
صور متداولة خلال الساعات الماضية أعادت فتح الملف من جديد. أكوام قمامة ونفايات متكدسة على الطريق الترابي المؤدي إلى المنفذ، حافلات مصطفة، رجال ونساء وأطفال يقفون تحت شمس الصحراء، غياب للاستراحات، وانعدام شبه كامل لدورات المياه الصالحة للاستخدام. مشهد لا يليق بمنفذ يمر عبره مئات الآلاف سنوياً، ولا ببلد يدفع أبناؤه رسوماً وإتاوات معلنة وغير معلنة في كل مرحلة من مراحل العبور.
المسافرون الذين تحدثوا عن المشهد قالوا إن ما يجري في الوديعة لم يعد يطاق، وأن ما يعيشه المسافر عبر هذا المنفذ أصبح عنواناً للإهمال وسوء الإدارة وغياب الكرامة، بعضهم وصف ما يحدث بأنه “إذلال متعمد وسياسة ممنهجة للتطفيش”، خصوصاً أن المنفذ يمثل البوابة البرية الأهم للمغتربين المتجهين إلى السعودية أو العائدين منها، وللمعتمرين والحجاج والمرضى والأسر التي لا تملك كلفة الطيران.
الطريق إلى المنفذ.. بداية المعاناة
قبل الوصول إلى بوابة الوديعة، تبدأ المعاناة من طريق العبر. طريق طويل ومرهق، عُرف لسنوات بين المسافرين باسم “طريق الموت”، بسبب الحفر وضيق المسار والحوادث المتكررة. ورغم الإعلان عن مشاريع تأهيل ممولة سعودياً، بينها مراحل بطول 90 كيلومتراً وأخرى بطول 40 كيلومتراً، ما يزال المسافرون يقولون إن الطريق لم يتحسن أو يتغير فيه أي شيء متسائلين أين ذهبت تلك الملايين، بقدر ما شهده من تحسينات جزئية لا يشعر بها المواطن على امتداد الرحلة.
وعندما تصل الحافلات إلى محيط المنفذ، تبدأ مرحلة أخرى من الانتظار. لا توجد ساحات منظمة بالقدر الكافي، ولا مظلات تقي المسافرين حرارة الشمس، ولا أماكن لائقة للأسر. النساء ينتظرن قرب الحافلات، الأطفال يبكون من التعب، كبار السن يبحثون عن مكان يجلسون فيه، والمرضى يواجهون ساعات طويلة بلا رعاية أو تسهيلات واضحة.
في إحدى الرحلات التي وثقها مسافرون، امتدت ساعات الانتظار في منطقة العبر وحدها لنحو تسع ساعات، ثم ثلاث ساعات في نقطة تفتيش، وأربع ساعات في نقطة أخرى، قبل أن يصل المسافرون إلى الجانب السعودي، حيث انتظروا ساعات إضافية قاربت 11 ساعة. وفي رحلات أخرى تحدث مسافرون عن يومين من الانتظار، بينما قال مغتربون إن فترات الذروة في الأعياد ورمضان ومواسم العمرة قد تتحول إلى انتظار يمتد أياماً.
ليست هذه الأرقام بالضرورة متوسطاً ثابتاً لكل المسافرين، لكنها تكفي لتكشف أن العبور من الوديعة لم يعد إجراءً حدودياً طبيعياً، بل اختباراً قاسياً للصبر والقدرة على التحمل.
أطفال ونساء ومرضى في طابور مفتوح
أكثر ما يفضح مأساة الوديعة وفساد من يدير هذا المنفذ هو حال الأسر. طفل رضيع لا يعرف لماذا توقفت الحافلة كل هذه الساعات، وأم تبحث عن مكان لتغيير ملابسه أو إرضاعه، وطفل آخر يريد دورة مياه فلا يجد إلا دورة مياه ومرافق خدمية متهالكة أو غير صالحة للاستخدام.
ويقول مسافرين حول معاناة السفر والإجراءات من قبل سلطات المرتزقة بالنسبة للمسافر الفرد، الانتظار متعب. أما بالنسبة لأسرة معها أطفال، فهو عذاب مضاعف. كل ساعة تعني ماءً وطعاماً وحليباً ودواءً وخوفاً من المرض والتعب. ومع غياب الخدمات الأساسية، تتحول الرحلة إلى عبء نفسي وجسدي، لا سيما على النساء وكبار السن والمرضى.
المفارقة أن المنفذ ليس معبراً مهجوراً أو ثانوياً في الواقع العملي بل أن منفذ الوديعة أصبح خلال سنوات الحرب المنفذ البري الأهم بين اليمن والسعودية. ومع إغلاق أو تعطل منافذ أخرى، لم يعد أمام غالبية المسافرين خيار فعلي، من يقطع مئات الكيلومترات للوصول إليه لا يستطيع ببساطة أن يعود أو يبحث عن بديل.
تشير تقديرات محلية إلى أن الوديعة استقبل خلال عام 2024 نحو 2.3 مليون مسافر من أصل قرابة 3.3 مليون عبروا مختلف منافذ اليمن، وفي النصف الأول من أغسطس 2026 وحده، تحدثت إحصاءات منشورة عن مرور أكثر من 116 ألف مسافر وصولاً ومغادرة، إلى جانب آلاف السيارات والحافلات. أمام هذه الأرقام، يصبح الحديث عن نقص الخدمات فضيحة إدارية وسياسية لا يمكن تبريرها.
منفذ بإيرادات ضخمة وخدمات معدومة
كما يجب إعلان إيرادات المنفذ ومصروفاته بوضوح، وتحديد مصير الرسوم التي يدفعها المسافرون، وفتح تحقيق في الإيرادات غير القانونية والرسوم غير الموردة، ومحاسبة أي جهة تحول حاجة الناس إلى باب للجباية وهو ما يؤكد ان المشكلة ليست مستحيلة. لكنها تحتاج إلى قرار يحترم المواطن اليمني، لا إلى لجان جديدة تنتهي إلى أرشيف النسيان.
الوديعة مرآة لفشل أدوات الرياض
ما يحدث في منفذ الوديعة ليس حادثاً منفصلاً عن واقع المحافظات الجنوبية والشرقية الخاضعة للاحتلال بل جزء من صورة أوسع: موارد ضخمة، خدمات منهارة، فساد متراكم، ووعود لا تنتهي. في عدن كهرباء منقطعة ومياه شحيحة ووقود مرتفع. في حضرموت منفذ ملياري بلا خدمات. في الطرقات مشاريع ناقصة. وفي المؤسسات إدارة مرتبكة وقرار مرتهن.
الأدوات والمرتزقة الموالية للسعودية تتحدث عن الدولة، لكنها تعجز عن إدارة منفذ. تتحدث عن السيادة، لكنها لا تستطيع حماية كرامة مسافر. تتحدث عن التنمية، بينما القمامة تتكدس أمام بوابة يفترض أنها واجهة البلاد.
فيما يرى مراقبون ان السعودية التي ترفع شعار الدعم والإعمار تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة عن هذا الواقع، لأنها تمسك بملفات القرار والمال والنفوذ في تلك المناطق، وتدير عبر أدواتها شبكة من السلطات التي أثبتت فشلها في أبسط اختبار: خدمة المواطن.
المواطن لا يطلب المستحيل
في نهاية المطاف، لا يطلب المسافر اليمني المستحيل. لا يطلب إلغاء التفتيش، ولا تجاوز القانون، ولا معاملة خاصة. كل ما يطلبه أن يعبر المنفذ بكرامة، في وقت معقول، وبخدمات تحفظ إنسانيته وإنسانية أسرته.
يريد ماءً نظيفاً، دورة مياه صالحة، ظلاً من الشمس، دوراً واضحاً، تفتيشاً منظماً، وإجراءات لا تسرق من عمره يوماً أو يومين أو ستة أيام في مواسم الزحام.
بعد سنوات من الشكاوى والاجتماعات والوعود ومشاريع التطوير، يبقى السؤال معلقاً فوق بوابة الوديعة: كم عاماً آخر يحتاج اليمني حتى يعبر منفذه الوحيد إلى السعودية دون أن يشعر أنه دخل رحلة إذلال؟
وإلى أن تأتي الإجابة، ستظل صور القمامة والطوابير والنساء تحت الشمس شاهداً يومياً على فشل سياسة الرياض وأدواتها في إدارة حتى أبسط ما يمس حياة الناس وكرامتهم.
